TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > نظرة غير دبلوماسية على العلاقات الأمريكية - العراقية

نظرة غير دبلوماسية على العلاقات الأمريكية - العراقية

نشر في: 12 يناير, 2026: 12:02 ص

ترجمة د. فالح الحمـــراني

قد تضر تصريحات المبعوث الخاص توم باراك الأخيرة بالعلاقات الأمريكية العراقية. فقد فوض الرئيس ترامب باراك بتوسيع مهامه لتشمل، بالإضافة إلى منصبه كسفير للولايات المتحدة لدى تركيا الذي أقره مجلس الشيوخ، مهام ممثل الرئيس في بلاد الشام. وخلال لقائه برئيس الحكومة العراقية محمد السوداني في 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، حذر باراك من ‹ضربة إسرائيلية قاسية› إذا واصلت الميليشيات العراقية دعم حزب الله في لبنان. وأكد أن الولايات المتحدة لن تتدخل لمنع مثل هذه الضربة. وذكرت تقارير أن باراك أبلغ السوداني أيضاً أن العمليات الإسرائيلية في لبنان ستستمر ‹حتى يتم نزع سلاح حزب الله›.
وجاءت تصريحات باراك تلك على خلفية ظهور مؤشرات على وجود تحسن ملحوظ في العلاقات بين الولايات المتحدة والعراق في الأشهر الأخيرة، لا سيما في قطاعي الطاقة والدفاع، وهما عنصران أساسيان في العلاقات الثنائية. إلا أن هذه التطورات الإيجابية مهددة بتصريحات غير دبلوماسية، بل وتلمح أحياناً بالتهديد، من باراك، الذي يبدو أنه يتعمد التعبير عن آرائه الشخصية الاستفزازية. وقد أبدى باراك سلوكاً مماثلاً في لبنان، حيث أثار جدلاً واسعاً. ورغم تعيين مبعوث أمريكي خاص جديد إلى العراق، يبقى من غير الواضح ما إذا كانت إدارة دونالد ترامب تمتلك القدرة الدبلوماسية والحساسية اللازمتين للتعامل مع الحكومة العراقية، التي تسعى جاهدة لتحقيق توازن دقيق بين الولايات المتحدة وإيران.
ويُعدّ وضع حزب الله اللبناني حساساً للغاية بالنسبة لبعض الشيعة في العراق، وهذا ما كشف عنه التحوّل المفاجئ الأخير في موقف الحكومة العراقية. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أضافت الحكومة العراقية حزب الله والحوثيين اليمنيين إلى قائمة الجماعات التي سيتم تجميد أصولها. وأدانت كتائب حزب الله العراقي الحكومة العراقية عندما أمسي هذا القرار معروفا، وصرحت بأن الحكومة "لا تملك الكرامة لتمثيل شعبها أو الدفاع عن سيادة العراق". وفي 4 ديسمبر/كانون الأول 2025، صرّح السيد محمد السوداني علنًا بأن إدراج تلك التنظيمات في القائمة كان خطأً، وأوضح أن تجميد الأصول يقتصر على الأفراد والكيانات المرتبطة بتنظيمي القاعدة وداعش.
وبعد أيام قليلة من ذلك، التقى باراك بوزير الخارجية العراقي فؤاد حسين في منتدى دولي عُقد بالدوحة، حيث أدلى بتصريحات مثيرة للجدل. ففي مقابلة، انتقد باراك السياسة الأمريكية السابقة في العراق، بسبب ما وصفه ينهج سياسية سمحت للجماعات المسلحة بممارسة نفوذ أكبر من مجلس النواب. وصرح للمحاور بأن السوداني "رئيس وزراء جيد جدًا"، لكنه "عاجز تمامًا" لأنه لا يستطيع تشكيل ائتلاف في مجلس النواب بسبب عرقلة ممثلي الميليشيات له. وأضاف باراك أن "اللامركزية لم تنجح قط في أي مكان في هذه المنطقة"، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة، بعد إنفاق تريليونات الدولارات وخسارة آلاف الأرواح في العراق، انتهت بتحقيق "اللامركزية [في العراق]، والتي أصبحت الآن مشكلة كبيرة". كما زعم أن الولايات المتحدة "قسّمت" العراق وسوريا بعد الإطاحة بحكم حزب البعث. كما زعم باراك في تصريحاته بأن حكومة إقليم كردستان "لا ترغب!" في المشاركة في عراق فيدرالي.
بدوره أعرب وزير الخارجية حسين في اجتماع مع باراك في 7 ديسمبر/كانون الأول 2025، عن "استغراب" الحكومة العراقية من تصريحات المبعوث الأمريكي، وصرح بأن التطور السياسي في العراق قائم على "الديمقراطية والنظام الفيدرالي"، المنصوص عليهما في الدستور، و"اللذان أصبحا مسارًا راسخًا لا بديل عنه».
وعن توقعات تحركات السياسة الأمريكية: على مدى السنوات القليلة الماضية، في عهد الرئيسين بايدن وترامب، تعاونت الولايات المتحدة بشكل جيد نسبيًا مع السيد محمد السوداني، حيث اعتبرته عمومًا رئيس وزراء كفؤًا يسعى إلى تحقيق التوازن بين المصالح العراقية في ظل ضغوط من طهران وواشنطن. بينما تسعى الولايات المتحدة إلى رؤية عراق مزدهر ومستقر مستقل عن دول الجوار، فإنها تتفهم مأزق السوداني وتمنح العراق استثناءات من العقوبات. في مارس/آذار 2025، ألغى ترامب الاستثناء الذي كان يسمح للعراق باستيراد الكهرباء مباشرة من إيران، لكنه أبقى على الاستثناء الذي يسمح للعراق باستيراد الغاز الطبيعي من الجمهورية الإسلامية لتوليد الكهرباء.
يبدو أن السماح لشركات النفط الأمريكية بالمشاركة في توسيع استكشاف النفط والغاز في العراق منطقيًا أكثر بكثير من الخطاب المتعجرف الذي أطلقه باراك. كما يبدو من الحكمة أن ننتظر الحكومة الاتحادية العراقية حتى تترسخ أركانها سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا قبل أن تتمكن من التفاهم مع الميليشيات. إن تأخير السوداني لانسحاب القوات الأمريكية من قاعدة عين الأسد الجوية يشير إلى أن قراره لم يتأثر بضغوط إيران أو الميليشيات.
وينبغي على مارك صوايا، المبعوث الخاص الجديد لترامب إلى العراق، تجنب تكرار تصريحات باراك المثيرة للجدل، والتعبير بدلًا من ذلك عن دعمه لسيادة العراق وأهدافه التنموية ونظامه الفيدرالي ومؤسساته الديمقراطية الناشئة كـمجلس النواب. كما يجب عليه تجنب إعطاء انطباع بأن واشنطن تُصِر على قمع حكومة بغداد لأنشطة الميليشيات، إذ من المرجح أن تُثير أي تصريحات علنية بهذا الشأن ردود فعل سلبية. فالعديد من الشيعة العراقيين، وعموما العراقيون من مختلف الطوائف الدينية والعرقية، يريدون بلادهم خالية من التشكيلات العسكرية غير النظامية، لكنهم في الوقت ذاته يفضلون تجنب موجة جديدة من إراقة الدماء. لذا، سيكون التحلي بالصبر والدبلوماسية الحكيمة أنجع من التصريحات المتعالية.
عن معهد الشرق الأوسط / موسكو

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

المالكي رئيساً: تحقيراً لما كان عراقاً وبات مجرد "خرابة"!

تنازل تكتيكي أم ضربة قاضية؟ كيف حاصر السوداني المالكي داخل "الإطار"

«ضرائب بلا مقابل خدمي».. العراقيون ممتعضون من دفع ثمن الفشل الاقتصادي!

العراق يشارك بمهرجان الهيأة العربية للمسرح بعرضين

العمود الثامن: فتاة حلب

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

زمن المعرفة لا زمن التفاهة

العمود الثامن: مراد وهبه وعقل الأخوان

العمود الثامن: عباس الأبيض فـي اليوم الأسود

العمود الثامن: أنت تكريتي ياوله ؟!

المرأة العراقية: قراءة في الإسهام السياسي والثقافي والاجتماعي

العمود الثامن: فتاة حلب

 علي حسين لم أستطع إكمال مشاهدة فديو رمي الفتاة الكردية من أعلى بناية متصدّعة، وسط مدينة حاب التي أنهكتها الحرب.. كنت حزينا ويائسا وأنا أرى أحد البشرية تكبر فرحة بهذا الانجاز، في لحظة...
علي حسين

باليت المدى: القطعة الناقصة

 ستار كاووش فيما كنتُ منشغلاً بتفريغ عربة السوبرماركت ووضع ما اشتريته على الشريط المتحرك الذي أمام الكاشيرة، كانت هناك امرأة خلفي تراقب ما أقوم بإهتمام. أفرغتُ العربة تماماً، ووضعت قطعة البلاستك الصغيرة التي...
ستار كاووش

الدبلوماسية العراقية: من التحديث الملكي إلى مأزق العنف السياسي

حسن الجنابي (1 من 2 ) بدأت مسيرة التحديث التنموي في العراق فعلياً خلال العقد الأخير من العهد الملكي، حيث برز الملك الشاب فيصل الثاني، مقارنةً بمن سبقه أو عاصره، بحضورٍ ملحوظ في مناسبات...
حسن الجنابي

نظرة غير دبلوماسية على العلاقات الأمريكية - العراقية

ترجمة د. فالح الحمـــراني قد تضر تصريحات المبعوث الخاص توم باراك الأخيرة بالعلاقات الأمريكية العراقية. فقد فوض الرئيس ترامب باراك بتوسيع مهامه لتشمل، بالإضافة إلى منصبه كسفير للولايات المتحدة لدى تركيا الذي أقره مجلس...
د. فالح الحمراني
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram