TOP

جريدة المدى > عام > استكشافاً لفن الحياة

استكشافاً لفن الحياة

نشر في: 12 يناير, 2026: 12:01 ص

علي حسين
قليلة الكتب التي تؤرخ لدروس الحياة في بلادنا العربية ، وأقل من القليل ما يكتبه أبناء هذه المرحلة عن تجاربهم الحياتية ، سواء مع الناس الذين عاشوا معهم ، أو الأفكار التي يقدمونها للأجيال القادمة . من هنا تأتي القيمة الأساسية لهذا الكتاب الهام الذي كتبه الشيخ محمد بن راشد تحت عنوان " علمتني الحياة " . الكتاب هو الثالث في سلسلة كتبها الشيخ محمد بن راشد على مدى سنوات مضت ، كان الكتاب الاول قد صدر قبل اكثر من عشرين عاماً بعنوان "رؤيتي" ، بعدها اصدر عام 2018 كتاب " قصتي " ، ليكمل ثلاثية " الرؤى " بكتابه الجديد " علمتني الحياة " . كتاب لا تتجاوز صفحاته المئة وسبعين صفحة ، لكنه نوع نادر من الكتب في لغتنا العربية ، فيه جهد إنساني عذب، يأخذنا في رحلة مشوقة في دروب التجربة الحياتية ، ولهذا لم تكن صدفة أن تبدأ صفحات الكتاب بعبارة اشبه بدرس عن فلسفة العيش :" لعل أكبر درس تعلمته انني لست كاملاً ، بل إنساناً يتعلم ويتطور ، وينمو ويكبر ، ويحب ويكره ، ويقوى ويضعف ، ويتغير باستمرار .. ولكن بقى الثابت الوحيد عبر أكثر من سبعة عقود من حياتي انني أحببت بلدي .. واحببت شعبي .. واحببت أسرتي " .
محمد بن راشد سياسي يكتب بريشة اديب ، تمتزج التجربة عنده بالمعرفة والإنجاز اليومي ، يكتب قليلاً ولكنه يفكر كثيراً ، ويعيش الحياة بكل هواجسها ، ويبدو كتابه هذا اشبه بدروس في فن الحياة يقدمها لأفراد من الاجيال الاكبر سناً والشباب ، من أجل هدف واحد : أن تجعل من مسار حياتك فناً تمارسه في كل ساعة ، والحفاظ على الحياة في مسار متوهج لاسيما عند الشباب :" لا تخف أن تفشل في احلامك العظيمة ، بل خف من النجاح في المهام التافهة .. لأن قدرك في الحياة على قدر أحلامك . نحن نكبر على قدر مهامنا وأحلامنا وأهدافنا .. وإذ لم تخِفك أحلامك فليست عظيمة بما يكفي " – علمتني الحياة ص 19 - .
يكتب ميشيل دو مونتيني في كتابه الشهير المقالات: " أنا لا أبحث في الكتب سوى عن التمتع بها ،باستجمام صادق ، واذا ما أنا مارست الدراسة ، فليس ذلك إلا بحثاً عن العلم ، الذي يتناول معرفتي بنفسي، والذي يعلمني حُسن العيش " ، ولعل وصف " حُسن العيش " ينطبق على محتوى كتاب " علمتني الحياة " فهو تجربة حياتية ، من خلالها يسرد الشيخ محمد بن راشد المعضلات التي تجعل الأفكار أكثر ثباتاً واكثر دواماً والمفاهيم أشمل وتجارب الحياة اليومية أكثر تنوعاً:" علمتني الحياة ان عاداتي اليومية الصغيرة هي سر نجاحاتي الكبرى في الحياة " ، كلمات بسيطة في عباراتها ، عميقة في معانيها ، صريحة في مواقفها ، تصل من قلب الحاكم / الكاتب ، إلى قلب المواطن / القارئ ، لتقدم له تجربة إنسانية تتداخل فيها الأفكار والمبادئ والاحلام والرؤى والمشاريع والمنجزات . انه كتاب يمثل قدرة الإنسان على تقديم رؤية مستقبلية ، فهو يؤمن بأن العلة تكمن في الوقوف في وسط الطريق ، فالتطور يعني مجاوزة التردد ، والابداع يكمن في التجاوز على المعهود
يبدأ الشيخ محمد بن راشد كتابه بمقدمة تشير إلى أنه طرح على نفسه سؤالاً بعد تجربة حياة مليئة بالتحديات والصعاب والمشاريع والنجاحات : ماذا تعلمت من الحياة ؟ ، اذاً نحن أمام كتاب في التجربة الانسانية ، واهمية أن يفهم الإنسان قيمة نفسه ، ويعرف انه مهما ارتقى اعلى المناصب وحقق أكبر النجاحات فهو في النهاية :"إنساناً يتعلم ويتطور ، وينمو ويكبر ، ويحب ، ويكره ، ويقوى ويضعف ، ويتغير باستمرار " – علمتني الحياة ص9 - . فليس أصدق في رواية التاريخ وتحديد خصائصه من طرح الاسئلة عن الحياة . يكتب أنتوني روبنز في كتابه (أيقظ قواك الخفية) أن: " نوعية حياتك تحددها نوعية أسئلتك" ، كان السؤال المهم الذي طرحه الفيلسوف الروماني إبكتيوس هو: " ماذا عسانا أن نفعل في الحياة؟، وفي " علمتني الحياة " يختصر محمد بن راشد سؤال الحياة بوصية لكل إنسان " أن يتسع قلبه للبشر " .
لا تقوم الانجازات ، عبر الدراسات فقط ، ولا تلقى المشاريع بالاً لعدد الخطط التي وضعت ، لا بد من ثلاثة اشياء حتى يتحقق الاتجاز : إحساس بأننا نملك رؤية واضحة ، وإقناع الناس بأن خطتنا للانجاز مفهومة لهم ، واقرار بأن الحركة هي التي توضح رؤية الانجاز وتبلورها ، الحركة في صفحات كتاب "علمتني الحياة " تعني السيطرة على الانجاز ، والقدرة على التحكم بحياتنا ، واننا قادرون على التاثير ، وتعني أيضاً : " أننا نجد في منجز ما أهمية كافية لان تجعلنا نعمل من اجل ان نحقق افضل ما فيه ، وانه يستحق منا العناء ، وتعني اننا نجد قيمة في الاشياء التي نقوم بها ، ونعمل في اتجاه تحقيقها ، فمن غير الحركة نشعر أننا في ركود ، وبأن منجزاتنا تكف عن أن تكون لها تاثير واضح في الناس :" أن الحياة الحقيقية تكون على الطريق ، والنجاح يتولد من الحركة ، والفرص تأتي لمن يتحرك أولاً " – ص 12 - . ولهذا يمكننا القول إن الحركة هي مجال الابداع في عالم الشيخ محمد بن راشد ، الذي سعى عملياً ومنهجياً الى ان يكشف قيمة هذه الحركة في البناء وفي تنفيذ الرؤى ، وبأنها القانون الاساسي للحياة .
لا يهتم مؤلف كتاب " علمتني الحياة " ، بتزويق عباراته ، فهو منذ العبارة الاولى نراه ينشد الوضوح ، ذلك الوضوح الذي يكشف عن قدرة الكاتب على البحث الدؤوب عن قيمة العمل والانجاز ، من خلال تكثيف مذهل من المعاني والافكار ، مبلورا اجابته التي تعكس تصاعدا حسياً لا فتاً ، وتتسم بتفرد الصوت ، وتنثر آلاف الحلول لمعظلة العجز التي تعاني منها بعض الشعوب ، ربما كان ذلك عند الشيخ محمد بن راشد وليد نمو مبكر على فكرة الاتصال بالناس ، وأيضاً على الاستفادة من تجارب الذين سبقوه ولهذا نجده يفرد صفحات عن والده " راشد بن سعيد "، وعن تجربة " الشيخ زايد بن نهيان "، مستمداً من هذه النماذج القيمة الأساسية لكتابه ، مقدماً للقراء علاجاً مزدوجاً ضد المبالغة في قوة الإنسان وضعفه على السواء ، وهذا العلاج وصفته بسيطة : الجمال الذي يقترن بـ :" خلاص البشر ، ويفترن بالسلام داخل كل إنسان ، ويقترن بالحياة الأفضل التي يتمناها كل مجتمع " – ص 53- . نصوص " علممتني الحياة " ، نصوص فكرية وحياتية تناقش علاقة الانسان بما يحيط حوله، وتحاول ان تدلنا إلى ان مجريات معركة الحياة ، تتلخص في الايمان بأننا بشر علينا أن نؤمن بأن النجاح ليس سلسلة انتصارات ، بل سلسلة من التجارب ، وأن تقبل الاخطاء يضعنا على اول طريق التقدم :" الحمقى هم من يكررون أخطاءهم ، أما الأذكياء .. فأنهم يصنعون أخطاء جديدة " – ص 96 ، بهذه المفاهيم نتحرك من خلال صفحات الكتاب على عدة مسارات مختلفة من اجل خلق حالة من حالات الانسجام في سياق كتاب شديد العمق ، لكنه في الوقت نفسه شديد البساطة والحميمية .
عندما نطوي الصفحة الأخيرة من الكتاب والتي نقرأ فيها هذه العبارة :" علمتني الحياة بأننا في زمن نحتاج فيه للكثير من العمل والقليل من الجدل " ، ربما نتساءل : ماذا يمكن أن يحدث في حياتنا لو خلت من النماذج المتميزة ، التي تؤسس تطورها المبدع بإرادة الإنسان الفاعلة في التاريخ ، عندما تخلو الحياة من النماذج المتميزة ، تتلاشى معاني التعاون والايثار والتعاطف ، ونستبدل مبدأ الرغبة الخلاقة بمبدأ الواقع الرتيب بما يفرضه من شروط عاجزة ، وفي الوقت نفسه تتقلص لهفة الانجاز والحركة والمعرفة .
" علمتني الحياة " كتاب يجمع فيه مؤلفة بين وطنية القصد ، واحساس المثقف ، واستقامة المنهج ، ومبدئية المنجز ، وقدرة استشراق المستقبل ، والايمان بالعلم ، وإعلاء قيمة العمل .انه كتاب عن الآمال التي تعيش معنا ، وعن المستقبل الذي ينتظرنا ، عن الحلم بزمن مليء بالتطلعات والمنجزات ،
وقديما قرأنا ان الرجل هو الاسلوب ، ومعناه ان اسلوب الرجل في الحياة والعمل هو صيغة حقيقية لجوهره الإنساني ، وملامح الشخصية التي تميزه عن الآخرين ، ولعل صفحات كتاب " علمتني الحياة " ، تشير بوضوح الى ان صاحبها نسيج لوحده ، كل شيء فيه له خصوصيته ، المستمدة من جوهر تكوينه الإنساني .

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

سبعةُ أبوابٍ لحياتنا

موسيقى الاحد: موتسارت والأوبرا

كتاب جديد..الاتجاهات الشعبوية والاعتقاد بنظرية المؤامرة

الكاتب والمفكر الفلسطيني الأمريكي أدورد سعيد

ارتباط المكان بالهوية الحضارية

مقالات ذات صلة

فاروق صبري: المسرح يعني الاحتجاج والتمرد وطرح التساؤلات الكبرى
عام

فاروق صبري: المسرح يعني الاحتجاج والتمرد وطرح التساؤلات الكبرى

حواره علاء المفرجي المسرحي فاروق صبري تخرج من قسم المسرح والسينما، قدم ورقة التخرج العملية كممثل في مسرحية (قائل نعم .. قائل لا ) اخراج الفنان الدكتور طارق العذاري. وفي قسم السينما قدم اطروحته...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram