TOP

جريدة المدى > عام > الروائي والصحفي يوثق الحيرة وأسئلة القمع والمنفى..موجات زهير الجزائري المرتدة

الروائي والصحفي يوثق الحيرة وأسئلة القمع والمنفى..موجات زهير الجزائري المرتدة

نشر في: 12 يناير, 2026: 12:03 ص

عواد ناصر
يسترجع زهير الجزائري حياته، ويستبطن، هنا، حيواتنا وهي تلوح متوارية أو متفرجة، وفي الأحوال، كلها، تبعد أو تعود إلى دفاتر يوميات يحتفظ بها منذ سنواتٍ بعيدة ، ما يطرح سؤالاً إجرائياً مفاده: ما مدى تدخل الحاضر (عند الإعداد للنشر) وما حافظ عليه الكاتب من دفاتره تلك بعد كل ما مر عليها من تقلبات كاتبها: لغةً واستئنافات وتغيرات وتغييرات في المكان والزمان الفسيحين، الضيقين، منذ النجف حتى لندن؟
بدءاً، أنهيت موجات الجزائري المرتدة بأجزائها الثلاثة، من دون توقف لفرط التشويق والإثارة اللذين تولدهما هذه الموجات المرسومة بحذق الكاتب الدؤوب، المخلص لنفسه ولقارئه وهي موجات تتوالد من بعضها وتأخذ كلٌ منها بأردان بعضها وإن بدت متباعدةً، في الزمان والمكان، بما هي موجات بحر تركض خلف من سبقتها، تستأنفها أو تدحضها، عبر حيرة بيّنة أراها ضرورية بعد أن أُثقل الكثير من كتابتنا، بمختلف أنواعها، باليقيني والشعاري ووحيد القرن.
ولد زهير الجزائري في المنفى مع عائلته بسدة الهندية، إثر نفي الأب إليها بعد حياته المتمردة على العمامة والميالة إلى التمدن والعلمانية وخروجه على تقاليد مدينة دينية. يقول عن الأب: «تجنب كثرة العمائم في المدينة، وفي الحقيقة تجنب النصائح غير المجدية حول ترك الخمر والصلاة والحضور للجامع، بدلاً من نادي الموظفين المفسد. اختار الأفندية الخمسة من العشيرة الذين يشاركونه اهتماماته".
رغم ذلك الإرث الثقيل في مدينة محافظة يبدأ الطفل باستخدام حواسه للتعرف على ما حوله، ولا معرفة من دون فضول، بدءاً باللمس وصولاً إلى الكتب.
إذن فكاتبنا منفيٌّ منذ ولادته وما زال حتى بعد أن صدر كتابه هذا!.
كل فصل، في الكتاب، لا يخلو من إطلالة كاتبه وهو مثقل باللاأدري والحيرة والظلال الغامضة في روحه أو أمام عينيه. تلكم سمة أساسية من سمات البحث والرصد والوصف والحوار مع الذات والآخر، على أن الأحداث، العام منها والخاص، مثقلة بأسئلة الراوي لنفسه أو للآخر وهذا ما يضع الكتابة أمام نتائج مفتوحة، ليست جامدة وغير مسبقة الصنع، وهو ما يسبغ على الكتابة، هنا، شخصيتها غير الواثقة والمتطلعة إلى أجوبة ستحل في النهاية مشوشة، كما في حقائق الحياة أو أوهامها: اختلاط الوجودي باليساري بالحائر بالمضطرب الذي هو نتاج مجتمع متوتر وشخصيات قيد التكون مثقلة بالأسئلة المفتوحة أكثر مما بالأجوبة القاطعة.. «من النجف حملت معي القارئ النهم، الحائر بين الوجودية والماركسية ولم يكن وفياً في سلوكه للإثنين. حملت معي رهان رجال الدين على الكلام كسلاح للتمايز والتأثير وحملت التناقض بين ماء الفرات والصحراء الممتدة إلى نجد» ص 109. وهذا من سجايا الكتابة الحائرة الأكثر صدقاً.
الستينيات: «شخصيات تبحث عن مؤلف»
كما في عموم اشتغاله على هذه اليوميات يمنح الجزائري شخصياته حقها في التفرد والاختلاف، منذ الطفولة والشباب وحتى البلوغ، بلوغ مرحلة الستينات، يتجنب الكاتب وضع أفراد العائلة، ومروراً بالأصدقاء وبلوغاً مرحلة الجيل، يتجنب وضع المجموعة في "خانة" وإن بدا ظاهرياً أنها في "خانة" فهو يحرص على رصد الاختلاف والتنوع وعدم القطع برأي أو توصيف أو تماثل، وهنا تتدخل مهمة الروائي: أتاحة الفرصة للشخصيات التمتع بانفراداتها وخروج كل منها من صندوق الكتلة الاجتماعية أو الثقافية إلى عالم من الاختلاف والتنوع، مهما صفة "الجماعة" عنواناً للبحث والمساءلة والتشخيص، ليصبح مصطلح "الجيل" مدار أخذ ورد، مهما بدأ هذا المصطلح جامعاً مانعاً، كما تداوله العديد من الباحثين والدارسين وبينهم من هم أعضاء بارزون في هذا الجيل، والأسماء التي ترد، في هذا الجزء من الكتاب، مهما جمعهم من هم ثقافي أو سياسي أو اجتماعي، لا تشبه بعضها بعضاً ولا تتساوى كأسنان المشط، وهذا يسجل للكاتب في تعقب الفروق الفردية لأصحاب تلك الأسماء والحرص على تنوع رؤاهم وتطلعاتهم عبر حواراتهم مع انفسهم ومع الآخر منهم، رغم الخط الزمني العام الذي جمعهم معاً (أبناء جيل واحد) فهم، في هذا الكتاب، ذوات منفردة ومتفردة، بل "شخصيات تبحث عن مؤلف" (لويجي بيرانديلو) وجدت من يفردنها في كتاب الجزائري.
تاريخ العراق الحديث هو تاريخ مطحنة، كما وصفته ذات يوم، تاريخ لم يبلغ فيه أي مشروع جماعي أو انفرادي نهايته الطبيعية، إذ كل مشروع سياسي أو ثقافي هو مشروع مبتور، منذ الخمسينيات حتى اليوم، جراء الانقلابات والتقلبات والاحتلالات، وهذا ما شمل الأجيال جميعها، تقريباً، فمن اختار أن يكون برغياً في ماكنة السلطة أو من نأى عن هذه الماكنة كخيار شخصي على وفق ضمير المثقف الضد، ومن جلس بين الكرسيين، بعضهم ضحايا سلطات قمعية متعاقبة وبعضهم الآخر ضحايا وعيهم الخاص، سواء كان هذا الوعي منتجاً لثقافة ضد أو ثقافة مع. بمواجهة الذات أوالحياة «فندت الحياة تخميناتنا، كما تفعل دائماً" ص 108 يعلق الكاتب على فوز اليساريين في خمس جامعات عراقية بانتخابات الطلبة، بعد يأس كبير إثر مجازر 1963 البعثية!.
«.. وبعد سنوات لم تزل ثنائية الفرد والجماعة ملتبسة "في داخلي يتصارع اثنان: الرجل الذي يحب الرفقة الجماعية ويجد نفسه فيها والآخر الذي يرى فيها امتداداً لسايكولوجية القطيع ويفضل أن يبقى وحده تماماً، لا يخسر ولا يربح شيئاً على هذه الأرض». ص 198.
.. والخلاصة يقررها فاضل العزاوي "نحن جيل نغل بلا آباء ثقافيين». اعتراف صريح بشأن السابقين من دون إشارة إلى ما حلّ باللاحقين. إن هي إلا تأكيد واضح آخر على الحيرة وفق ضمير الكاتب الحي.
لا أدّعي بأنني أضأت صفحات الكتاب، بأجزائه الثلاثة (أكثر من 650 صفحة) كلها، يكشف فيها الكاتب سيرة الوطن والمنفى والحروب في أكثر من بقعة في العراق والوطن العربي، وهو مثقل بأوزار أسئلته وتقلباته وأحداث زمنه، لكنني أعترف بأنني واصلت قراءته بشغف شديد ولم أتوقف عن هذا حتى وأنا أتناول طعامي، وإذا ما جازت لي المقارنة، بينه وكتب المذكرات، التي قرأتها في حياتي، فلي أن أستعير هنا عنوان التشيلي بابلو نيرودا "أشهد أنني قد عشت".

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

سبعةُ أبوابٍ لحياتنا

كتاب جديد..الاتجاهات الشعبوية والاعتقاد بنظرية المؤامرة

ارتباط المكان بالهوية الحضارية

موسيقى الاحد: موتسارت والأوبرا

الكاتب والمفكر الفلسطيني الأمريكي أدورد سعيد

مقالات ذات صلة

الكاتب والمفكر الفلسطيني الأمريكي أدورد سعيد
عام

الكاتب والمفكر الفلسطيني الأمريكي أدورد سعيد

بلقيس شرارة من الشخصيات التي تعّرفت عليها هو الكاتب الفلسطيني أدورد سعيد عندما كنا نقطن في بوسطن، الولايات المتحدة، إذ كنا نحضر المؤتمرات التي تقام من قبل الجالية العربية في الولايات المتحدة، وكان من...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram