ستار كاووش
فيما كنتُ منشغلاً بتفريغ عربة السوبرماركت ووضع ما اشتريته على الشريط المتحرك الذي أمام الكاشيرة، كانت هناك امرأة خلفي تراقب ما أقوم بإهتمام. أفرغتُ العربة تماماً، ووضعت قطعة البلاستك الصغيرة التي تفصل حاجاتي عن حاجات ذات المرأة، والتي بدأت بدورها بوضع ما اشترته على ذات الشريط، لكنها مازالت تنظر الى مشترياتي التي تسير نحو الكاشيرة، ثم إلتفتتْ نحوي مبتسمة وهي تُشير الى حاجاتي (كأنك ترسم! لقد رتبتَ مشترياتك على الشريط كأنها لوحة فنية)، فإبتسمتُ لها وشكرتها على المجاملة اللطيفة، وفكرتُ أن أخبرها بأني فعلاً فنان، وأنا أحب أن أرتب حاجاتي بشكل جيد عند التسوق ودفع الحساب، لكني تراجعت عن إخبارها بهذا الأمر الذي بدأ ليس مهماً لحظتها، واكتفيت في النهاية بتحيتها، وخرجتُ وأنا أرمق الزبون الذي خلفها وهو يكدس ما إشتراه على الشريط دون عناية.
أحب ترتيب كل ما يقع تحت يدي، وذلك لأني أتعامل مع الألوان والأشكال والتكوينات كل يوم. عموماً، كل ما نتركه من إنطباع جميل، يراه الآخرون الذين لديهم نوعاً ما حس بالجمال، فليس ثمة سلوك أو إلتفاتة او انتباهة إلا وتُقابَل بإستجابات وردود أفعال هنا وهناك، وأي تصرف لائق يعود الينا بشكل أو آخر. هناك مثل يقول (إفعل الخير وإرمه في البحر) وأنا أقول إفعل ما هو جميلاً وستراه في عيون الآخرين، قدم الجمال وسينعكس إليك مثل المرآة. لا تضيع وقتك بالتذمر ولا بالضجيج الذي لا يٌغني ولا يفيد. فالحياة هي أخذ وعطاء، ما تمنحه بيدك اليمين يعود إليك بطرق مختلفة كي تأخذه بيدك اليسار. وليس هناك أجمل من بياض السريرة، والتي تشبه اللوحة البيضاء التي تدعو الرسام كي يقول كلمته.
وبمناسبة نقاء السريرة، فقد تساقط الثلج بشكل كبير جداً آخر ثلاثة أيام في هولندا، حيث صار كل شيء أبيضاً وجميلاً، لكن الثلج قد أسرفَ في كرمه هذه المرة، فتعطلت بسببه المواصلات وانسدّت الكثير من الطرق، حتى الذهاب الى السوبرماركت صار صعباً، لكن رغم ذلك كان عليَّ التبضع، ولو شيئاً قليلاً يكفيني ليومين قادمين. وما أن خرجتُ من البيت طرقت باب جاري هينك وزوجته بيانكا اللذان بعمر الثمانين وتربطني بهما علاقة جيدة، وعند الباب أخبرتهما بأني ذاهب الى التسوق، وأن كانا بحاجة الى أي شيء أجلبه لهما معي فأنا حاضر. فأخبراني بأنهما قد تدبرا الأمر، وأنه لطف كبير مني أن أفكر بهما في مثل هذا الطقس. إبتسامة حانية منهما كانت جائزة صغيرة أحصل عليها. ثَبَّتُ حقيبة الظهر جيداً، وقبل أن أودعهما قالا لي (إن كان لديك وقت هذا المساء فمرحباً بك لتشاركنا القهوة وبعض الكعك). وهكذا مضيت تغمرني السعادة وأنا أسحب خطواتي في الطريق الثلجي.
الحياة بشوارعها وساحاتها وأشجارها وناسها وكل مفرداتها يمكن أن تكون ساحة لتبادل الجمال والمحبة التي لا تتوقف. والأمر لا يحتاج سوى الى إنتباهات صغيرة لا تُكلفنا شيئاً، وهذه الإنتباهات في الحقيقة هي التي تُكوِّنَ ذوقنا الشخصي. قبلَ أيام كنت في المترو، وكانت هناك امرأة تجلس قبالتي تماماً، كنت أنظر طوال الوقت بإتجاهها، فأخذتْ تُعدل شعرها قليلاً، وترتب ياقتها مع إبتسامة صغيرة، فإبتسمتُ لها بدوري مع هزة رأس كتحية إعجاب قبلَ مغادرتي المترو. في الحقيقة لم أكن أنظر الى المرأة، بل كان نظري وإهتمامي مركزاً على الأقراط الملونة الجميلة التي تتزين بها، ولم انتبه للسيدة إلا بعد أن فطنتُ لإبتسامتها، فتظاهرت بأني كنت أنظر اليها، كي لا أخدش شيئاً من كبريائها.
يقولون، إحمل أخاك على ألف محمل، لذا جميل أن نركز على الجانب المضيء فيما نقوم به ويقوم به الآخرون، ونبحث دائماً عن القطعة الناقصة كي نُكمل بها صورتنا أو صورة الناس وما يحيطنا. فالجمال نسبي وغير مكتمل دائماً، ونحن من يُكمل الصورة من خلال تصرف بسيط أو إشارة حتى وأن كانت عابرة.










