بغداد / محمد العبيدي
بعد حوادث متكررة، تعود إلى الواجهة تساؤلات جدية حول مدى جاهزية الواقع الأمني والمجتمعي والبنيوي في العراق لإنجاح ملف «السياحة الأجنبية»، ولا سيما في ظل تزايد حوادث مضايقة السياح الأجانب، وتحول عددٍ منها إلى قضايا رأي عام واسعة التداول عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وخلال الفترة الماضية، أثارت حادثة تعرّض سائح ياباني لمضايقات في أحد الأماكن العامة موجة انتقادات واسعة، بعدما قام بتوثيق ما جرى ونشره عبر حساباته الشخصية، قبل أن تعلن وزارة الداخلية لاحقًا إلقاء القبض على عدد من المتهمين بالتورط في الحادثة واتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم.
ورغم هذا التحرك الرسمي، يرى متابعون أن الواقعة ليست معزولة، بل تأتي ضمن سياق متكرر من حوادث مشابهة طالت سياحًا أجانب من جنسيات مختلفة.
وتشير معطيات ميدانية إلى أن بعض هذه المضايقات تصدر عن أفراد مدنيين بدوافع اجتماعية أو ثقافية، في حين تُسجَّل حالات أخرى مرتبطة بتصرفات منسوبة إلى عناصر أمنية أو أشخاص يستغلون مواقعهم، سواء عبر التدقيق غير المبرر أو التدخل في شؤون شخصية، ما يترك أثرًا سلبيًا على شعور الزائرين بالأمان.
وفي هذا السياق، يربط مختصون بين هذه الظواهر وبين محدودية ثقافة التعامل السياحي، وغياب التدريب المتخصص، إلى جانب تداخل الاعتبارات الاجتماعية والعقائدية مع تطبيق القانون، الأمر الذي ينعكس على قدرة العراق في استقطاب المزيد من السياح.
نظرة تقليدية
وفي هذا الإطار، أكد الخبير الاقتصادي داود الحلفي أن «النظرة المجتمعية، ولا سيما العشائرية والعقائدية، ما تزال تشكل عائقًا أمام تقبّل هذه الأنشطة، إذ تُعد في نظر البعض مستوردة أو تقليدًا للغرب، وهو ما ينعكس سلبًا على تقبّلها، خاصة عند مشاركة الفتيات، الأمر الذي قد يعرّض المشاركين لتعليقات سلبية وهجمات لفظية».
وبيّن الحلفي في حديث لـ(المدى) أن «الطرق في العراق مهيأة أساسًا لحركة العجلات وليس للدراجات»، مؤكدًا أن «إنجاح أي سياحة من هذا النوع يتطلب إنشاء طرق خاصة بالدراجات النارية أو الهوائية مثلًا، إلى جانب توفير الحماية الأمنية لضمان شعور السياح بالأمان والاطمئنان».
وختم الحلفي بالقول إن «فكرة دخول سائحين بدراجاتهم بحد ذاتها إيجابية، غير أن تحقيقها في الوقت الحاضر يبدو صعبًا»، لافتًا إلى أن «حتى الأرصفة والشوارع تعاني من التجاوزات وانتشار الباعة والكسبة، ما يستوجب معالجة هذه المشكلات أولًا قبل التفكير بتطوير هذا النوع من السياحة».
سياحة الفلوكات
وفي السنوات الأخيرة، تحوّلت السياحة بالدراجات الهوائية وصناعة محتوى الرحلات المصوّرة، المعروفة بـ«الفلوكات»، إلى أدوات ترويج مهمة تعتمد عليها مدن ودول لجذب السياح، مستفيدة من انتشار المؤثرين وصنّاع المحتوى على منصات التواصل الاجتماعي، وما يملكونه من قدرة على نقل التجربة اليومية بصورة مباشرة إلى ملايين المتابعين حول العالم.
وينظر إلى هذا النمط السياحي بوصفه أقل كلفة وأكثر انتشارًا، إذ لا يعتمد على الحملات الرسمية أو الإعلانات التقليدية، بل على التجربة الشخصية والمشهد اليومي، حيث يتحول صانع المحتوى إلى وسيط ترويجي يعكس صورة البلد من خلال الشارع، والناس، والطبيعة، والتفاعل المجتمعي.
وفي مقابل ذلك، يشير مختصون إلى أن العراق يمتلك عناصر جذب حقيقية لهذا النوع من السياحة، من حيث التنوع الحضاري والطبيعة والموروث الثقافي، غير أن تحويل هذه المقومات إلى محتوى سياحي مؤثر يتطلب معالجة مسبقة لملفات الأمن، والبنى التحتية، والتعامل المجتمعي، قبل المضي في تسويق تجارب بالدراجات أو دعوة مؤثرين عالميين لتوثيق رحلاتهم داخل البلاد.










