بغداد / تبارك عبد المجيد
أعادت القرارات الضريبية والجمركية الأخيرة التي أصدرتها الحكومة العراقية ملف السياسة الضريبية إلى واجهة النقاش العام، في ظل مساعٍ رسمية لزيادة الإيرادات غير النفطية وتقليل الاعتماد على عوائد النفط في تمويل الموازنة. ومع شمول هذه القرارات قطاعات تمسّ الحياة اليومية للمواطنين، تصاعدت التساؤلات حول عدالة التوقيت، وحجم العبء الذي سيتحمله ذوو الدخل الثابت، مقابل غياب ملموس لتحسن الخدمات الأساسية، ما فتح باب القلق الشعبي من انتقال كلفة الإصلاح المالي إلى المواطنين دون معالجة حقيقية لمصادر الهدر والتهرب.
يقول المواطن محمد (35 عامًا)، موظف في القطاع الخاص، إن هذه القرارات جاءت كـ"صدمة جديدة" للأسر محدودة الدخل، موضحًا أن "راتبي ثابت بالكاد يغطي الإيجار وفواتير الكهرباء والماء والإنترنت، ومع كل قرار ضريبي جديد أشعر أن المساحة المتبقية للعيش تضيق أكثر". ويضيف أن "الدولة تطلب منا تحمّل ضرائب إضافية، لكننا لا نلمس تحسنًا في الخدمات أو في فرص العمل، ولا نعرف بوضوح أين تذهب هذه الأموال". ويتساءل محمد: "هل ستنعكس هذه الجباية على تحسين الكهرباء أو الصحة أو النقل؟ أم أن المواطن وحده من يدفع، بينما تبقى جهات أخرى خارج الحساب؟"، معتبرًا أن أي سياسة ضريبية من دون شفافية وعدالة "ستعمّق الإحباط وتزيد الفجوة بين المواطن والدولة".
يحذر الباحث الاقتصادي أحمد عيد من أن اللجوء إلى رفع الضرائب والجباية في هذا التوقيت قد يمنح الحكومة إيرادًا سريعًا "على الورق"، لكنه لا يوفر استقرارًا اقتصاديًا حقيقيًا إذا ما طُبّق بصورة صادمة ومن دون توفير شبكة حماية للفئات الهشة.
ويوضح عيد لـ"المدى"، أن الإشكالية لا تكمن في مبدأ الضريبة بحد ذاته، بل في طريقة التنفيذ وتوقيته، لافتًا إلى أن تفعيل أنظمة مثل "الأسيكودا" وإغلاق منافذ التلاعب دفعة واحدة يؤدي إلى ارتفاع فوري في كلف الاستيراد، تنتقل انعكاساته مباشرة إلى أسعار السلع، ما يعزز شعور المواطن بأن معالجة العجز تتم من جيبه، لا من جيوب الهدر والتهريب.
ويشير عيد إلى أن التأثير المتوقع لهذه الإجراءات يتمثل بموجة تضخم كلفي، تشمل ارتفاع أسعار المواد المستوردة ومدخلات الإنتاج، وتراجع حجم المبيعات، وانكماش السيولة لدى التجار والمصانع، الأمر الذي يدفع جزءًا من القطاع الخاص إلى تقليص نشاطه أو تسريح عمالته، ولا سيما في الأسواق التي تعتمد على الاستيراد السريع وهوامش الربح الضيقة. ومع ضعف الائتمان المنتج، تتحول الضريبة، بحسب وصفه، من أداة تنظيمية تهدف إلى ضبط السوق إلى عبء إضافي يعمّق الركود ويقلّص فرص العمل بدلًا من توسيعها.
ويرى أن البدائل متاحة وواضحة، وتبدأ بمكافحة الفساد والتهرب الضريبي الكبير قبل ملاحقة المستهلك، عبر تشديد الرقابة على المنافذ الحدودية، وتوحيد التعرفة، وفرض الفوترة الإلكترونية الإلزامية، وربط الجباية بسلاسل التوريد للحد من التلاعب. كما يدعو إلى ترشيد الإنفاق العام ووقف النزف في العقود والرواتب الوهمية، إلى جانب تبني سياسة إحلال الاستيراد بشكل ذكي، تقوم على دعم الإنتاج المحلي بالطاقة والتمويل الميسر والحماية المؤقتة المدروسة، بدلًا من اللجوء إلى رفع الرسوم بصورة عامة.
ويخلص عيد إلى أن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بتحميل المواطن كلفة انتقال غير مدروس، بل بسدّ مزاريب الهدر، وتعظيم الإيرادات من الاقتصاد غير المنظم، والحد من النفوذ والمنافذ التي تسيطر عليها مكاتب اقتصادية مرتبطة بمليشيات وأحزاب متنفذة، باعتبارها المدخل الأساس لأي إصلاح مالي واقتصادي مستدام.
وكانت نقابة صيادلة العراق قد حذرت في كتاب رسمي من تداعيات قرار مجلس الوزراء رقم 457 لعام 2025 المتعلق بزيادة التعرفة الجمركية على الأدوية والمستلزمات الطبية. وأكدت في بيان تابعته "المدى"، أن "زيادة التعرفة الكمركية على الأدوية والمستلزمات الطبية والمواد الأولية الداخلة في الصناعة الدوائية إلى عشرة أضعاف ما كانت عليه"، مؤكدة أن ذلك سينعكس على منظومة تسعيرة الأدوية ويهدد الأمن الدوائي وصحة المواطنين في البلاد.
ودعت نقابة الصيادلة مجلس الوزراء إلى إعادة النظر، وإلغاء نسبة الرسوم الجمركية المفروضة على الأدوية والمستلزمات الطبية والمواد الأولية الداخلة في الصناعة الدوائية.
معالجات سطحية!
يطرح الخبير الاقتصادي علاء الفهد رؤية نقدية لسياسات رفع الضرائب والرسوم، مؤكدًا أن التعاطي مع الأزمة المالية من زاوية زيادة النسب فقط يُعد معالجة سطحية لا تلامس جوهر المشكلة. فبحسب الفهد، لا تقود هذه الإجراءات بالضرورة إلى زيادة الإيرادات، بل قد تنتج آثارًا عكسية تبدأ بتراجع الاستثمار والنشاط الإنتاجي، ولا تنتهي عند اتساع دائرة التهرب الضريبي ونمو الاقتصاد غير المنظم، ما يضعف القاعدة الاقتصادية بدلًا من تعزيزها.
ويبين الفهد لـ"المدى"، أن "الضغط الضريبي المتزايد غالبًا ما يدفع المشاريع الصغيرة والمتوسطة إلى الخروج من السوق، نتيجة عجزها عن تحمّل الأعباء الإضافية، الأمر الذي ينعكس مباشرة على سوق العمل عبر فقدان فرص تشغيل جديدة، وتقليص القدرة على خلق وظائف مستدامة. وبهذا، تتحول الزيادة المفترضة في الإيرادات إلى خسارة غير مباشرة تطال الاقتصاد ككل، وتُفرغ السياسة الضريبية من أهدافها الأساسية".
وفي هذا السياق، يشير إلى أن التجارب الاقتصادية المقارنة تُظهر أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في انخفاض نسب الضرائب، وإنما في ضيق القاعدة الضريبية وضعف كفاءة الاستحصال. ويؤكد أن معالجة هذا الخلل تتطلب توجهًا إصلاحيًا مختلفًا، يقوم على تحسين أداء الإدارة الضريبية، وتوسيع قاعدة المكلفين من خلال دمج أنشطة الاقتصاد غير المنظم ضمن الإطار الرسمي، فضلًا عن مكافحة التهرب الضريبي الكبير، وتحديث الأنظمة والبيانات المالية بما يواكب التطورات الاقتصادية.
يشدد الفهد على أن أي إصلاح مالي مستدام لا بد أن يراعي التوازن الدقيق بين تعظيم الإيرادات وحماية النمو الاقتصادي، محذرًا من تحميل العبء الضريبي للفئات الملتزمة فقط، في وقت تبقى فيه قطاعات واسعة خارج دائرة التحصيل. ويرى أن استمرار هذا الخلل يهدد الثقة بين الدولة والمكلفين، ويقوض فرص بناء نظام ضريبي عادل وفعّال.
ويبين أن الإصلاح الضريبي الحقيقي لا يبدأ برفع النسب، بل ببناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وتوسيع القاعدة الضريبية، وتحسين آليات الاستحصال، بما يضمن إيرادات مستقرة ومستدامة من دون الإضرار بالاقتصاد الوطني وفرص العمل.
وذكر مستشار رئيس الوزراء للشؤون المالية، مظهر محمد صالح، أن الضرائب والرسوم الجمركية رفعت الإيرادات غير النفطية إلى 12 في المئة، وقال إن الدور الاستراتيجي المدروس الذي لعبه البرنامج الحكومي في تعزيز الإيرادات غير النفطية، في ظل اعتماد الحوكمة الرقمية للقطاعين الضريبي والجمركي، قاد إلى تحسن في الإيرادات غير النفطية، لا سيما في قطاع الضرائب والجمارك.
وأضاف صالح في تصريح، أن "الإيرادات غير النفطية ارتفعت إلى 11–12 بالمئة من إجمالي موازنة 2025 العامة، مقارنة بـ7 بالمئة في السنوات السابقة"، مبينًا أن الارتفاع يعكس الجهود الحكومية لتحسين التحصيل الضريبي والجمركي.
وأوضح أن أهم الفقرات التي أسهمت في هذا الارتفاع هي الضرائب السلعية التي ارتفعت بنسبة 275 بالمئة، وأرباح القطاع العام بنسبة 243 بالمئة، والرسوم الجمركية بنسبة 50 بالمئة، مشيرًا إلى أن الحكومة سعت إلى رفع الإيرادات غير النفطية إلى 20 بالمئة من إجمالي الموازنة العامة، بتنويع مصادر الإيرادات وتقليل الاعتماد على النفط.
«ضرائب بلا مقابل خدمي».. العراقيون ممتعضون من دفع ثمن الفشل الاقتصادي!

نشر في: 12 يناير, 2026: 12:08 ص









