متابعة / المدى
أفاد نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، دميتري مدفيديف، بأنه ينبغي على الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أن «يسرع» في تنفيذ نواياه تجاه جزيرة غرينلاند الدنماركية، وإلا فإن سكان الجزيرة قد يختارون مستقبلاً مختلفاً تماماً.
وكتب مدفيديف، في منشور ساخر عبر منصة «إكس»، إن على ترامب «الإسراع»، مشيراً إلى أن هناك «تقارير غير مؤكدة تشير إلى احتمال إجراء استفتاء مفاجئ خلال الأيام المقبلة، يُتاح فيه لجميع سكان غرينلاند، البالغ عددهم نحو 55 ألف نسمة، التصويت لصالح الانضمام إلى روسيا».وأكمل مدفيديف قائلاً: «حينها سينتهي الأمر! لن تُضاف نجوم جديدة إلى العلم، وستحصل روسيا على كيان فيدرالي جديد، الكيان التسعين في تاريخها»، وذلك وفقاً لما نقله موقع «سبوتنيك» الإخباري الروسي.
وواصل مدفيديف سخريته تعقيباً على النوايا الأميركية المعلنة بشأن السيطرة على جزيرة غرينلاند، مشيراً إلى أن ذلك سيؤدي «إلى أسر جميع الأوغاد الأوروبيين»، بحسب ما ذكره موقع «روسيا اليوم». وكتب مدفيديف: «أولاً، سيكون من الممكن تدمير وكر مافيا المخدرات في موطن الشر المروع - مدينة نوك الضخمة»، كما أشار إلى أن ترامب سيحصل على «منصب جديد - الرئيس المؤقت لغرينلاند، وهو الدور الذي سيتقنه». وتابع: «ثالثاً، وكنتيجة لعملية عسكرية فريدة، يمكن أسر جميع الأوغاد الأوروبيين الذين أرادوا تدمير الولايات المتحدة ودافعوا عن ملاذ الشؤم الغارق في الفساد - ما يسمى بغرينلاند – ومحاكمتهم». وذكر في هذا السياق بشكل استهزائي «مختلف الشخصيات مثل ماكرون المقزز، وستارمر، وميركل، وستولتنبرغ، وغيرهم من كارهي أميركا».
وكان ترامب قد أكد في وقت سابق من امس الاول الاثنين، أن الولايات المتحدة سوف تستحوذ على جزيرة غرينلاند بطريقة أو بأخرى، زاعماً أنها لو لم تفعل ذلك فسوف تستحوذ عليها روسيا أو الصين. وفي هذا الصدد، أكدت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب مراراً وتكراراً أن الولايات المتحدة بحاجة إلى السيطرة على غرينلاند، مشددة على أهمية الإقليم الدنماركي بالنسبة إلى الأمن القومي الأميركي. وكان ترامب قد أكد، يوم الأحد، أن الولايات المتحدة ستضم غرينلاند «بطريقة أو بأخرى».
ويضع هذا التوجه كلاً من الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي «الناتو» في موقف حرج؛ إذ إن غرينلاند -وهي جزء يتمتع بحكم ذاتي واسع النطاق ويتبع الدنمارك- ليست عضواً في الحلف، بينما الدنمارك عضو فيه، ومن ثم فإن الجزيرة القطبية مشمولة بضمانات التحالف الدفاعي بفضل عضوية الدنمارك. وقد دافع القادة الأوروبيون بقوة عن سيادة غرينلاند وسلامتها الإقليمية وحقها في تقرير شؤونها، كما أعلن حلف «الناتو» وغرينلاند، يوم الاثنين، عزمهما العمل معاً لتعزيز دفاعات الإقليم، ولكن لا توجد حتى الآن استراتيجية واضحة لردع ترامب، أو كيفية الرد في حال أقدم على خطوة الضم.
وذكرت صحيفة «الغارديان» أبرز الخيارات التي يمكن للاتحاد الأوروبي وحلف «الناتو» اتخاذها لمنع ترامب من محاولة ضم غرينلاند، وهي كالتالي: فيما يخص الدبلوماسية وتعزيز الأمن في القطب الشمالي، من المقرر أن يلتقي وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، بوزيري خارجية الدنمارك وغرينلاند يوم الأربعاء، ولكن سفير الدنمارك لدى الولايات المتحدة، يسبر مولر سورنسن، وجاكوب إيسبوسيثسن، كبير ممثلي غرينلاند لدى واشنطن، قد بدآ بالفعل في حشد الدعم من المشرعين الأميركيين. وتهدف المبادرات الدبلوماسية، جزئياً، إلى معالجة المخاوف الأمنية الأميركية، وذلك أولاً بالتأكيد على أن معاهدة الدفاع الأميركية الدنماركية القائمة منذ عام 1951، والتي تم تحديثها عام 2004، تسمح بالفعل بتوسيع هائل للوجود العسكري الأميركي في الجزيرة، بما في ذلك إنشاء قواعد جديدة. وفي رسالة موجهة مباشرة إلى الجمهوريين من خارج دائرة ترامب، سيتم التأكيد أيضاً -كما قالت رئيسة وزراء الدنمارك، ميته فريدريكسن- على أن أي هجوم أميركي على غرينلاند، والذي يعني فعلياً انقلاب أحد الأعضاء على الآخر، سيعني «نهاية حلف الناتو». وبشكلٍ أكثر تحديداً، أفادت التقارير بأن سفراء «الناتو» اتفقوا في بروكسل الأسبوع الماضي على ضرورة أن يعزز الحلف الإنفاق العسكري في القطب الشمالي، من خلال نشر مزيد من المعدات، وإجراء مناورات أوسع نطاقاً وأكثر كثافة، للمساعدة في تهدئة المخاوف الأمنية الأميركية. ورغم أن مزاعم ترامب بأن غرينلاند «تعج بالسفن الصينية والروسية» مبالغ فيها بشكلٍ واضح، يعتقد الدبلوماسيون أن أي تحرك غربي منسق لتعزيز الأمن الخارجي لغرينلاند قد يكون الحل الأقل إيلاماً للخروج من الأزمة.
أما بخصوص العقوبات الاقتصادية، فنظرياً، يتمتع الاتحاد الأوروبي -وهو سوق يضم 450 مليون نسمة- بنفوذ اقتصادي كبير على الولايات المتحدة، ويمكنه التهديد باتخاذ إجراءات انتقامية تتراوح بين إغلاق القواعد العسكرية الأميركية في أوروبا وحظر شراء الأوروبيين لسندات الحكومة الأميركية.وتُعد أداة مكافحة الإكراه التابعة للاتحاد الأوروبي العقوبة الأكثر تداولاً؛ إذ تمنح المفوضية الأوروبية صلاحية منع دخول السلع والخدمات الأميركية إلى سوق الاتحاد الأوروبي، وفرض تعريفات جمركية، وسلب حقوق الملكية الفكرية، وتجميد الاستثمارات الأميركية. غير أن تفعيل هذه الأداة يتطلب موافقة حكومات الدول الأعضاء، وهو أمر يبدو مستبعداً، نظراً لعدم رغبتها في إلحاق ضرر اقتصادي بالاتحاد، وحرصها على الحفاظ على دعم الولايات المتحدة في ملف أوكرانيا، حتى في ظل تهديدات ترامب بفرض تعريفات جمركية. كما يعتمد الاتحاد الأوروبي على شركات التكنولوجيا الأميركية في شتى المجالات، كما أشار جان ماري غيهينو، المسؤول الأممي الرفيع السابق، بقوله: «سواء تعلق الأمر بحماية البيانات، أو الذكاء الاصطناعي، أو تحديثات البرامج، بما في ذلك في مجال الدفاع، فإن أوروبا تظل غير قادرة على الاستغناء عن التعاون الأميركي».
وفي ملف الاستثمار في غرينلاند، يعتمد اقتصاد الجزيرة بشكل كبير على الدعم السنوي من الدنمارك، الذي بلغ نحو 4 مليارات كرونة دنماركية (نحو 530 مليون يورو) العام الماضي، ويغطي ما يقارب نصف ميزانية الإنفاق العام لهذه المنطقة الشاسعة، ويمثل نحو 20 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي. وقد تقابل وعود ترامب بـ«استثمار مليارات الدولارات» بدعم مماثل من الاتحاد الأوروبي، في محاولة لإبقاء الجزيرة -التي يُرجح أن تصوت لصالح الاستقلال عن الدنمارك في مرحلة ما من المستقبل القريب- بمنأى عن النفوذ الاقتصادي الأميركي. ويشير مشروع مقترح للمفوضية الأوروبية صدر في سبتمبر (أيلول) إلى إمكانية مضاعفة الاتحاد الأوروبي لالتزاماته تجاه غرينلاند، لتُعادل المنحة الدنماركية السنوية. كما يمكن للجزيرة التقدم بطلب للحصول على ما يصل إلى 44 مليون يورو من تمويل الاتحاد الأوروبي المخصص للأقاليم المرتبطة بالاتحاد والبعيدة جغرافياً. ومع أن واشنطن قد تقدم مليارات أكثر مما تقدمه بروكسل، فإن سكان غرينلاند، بعد نيلهم الاستقلال، قد يترددون في فتح أبوابهم أمام الشركات الأميركية الجشعة، وقد لا يرغبون في فقدان نظام الضمان الاجتماعي الخاص بهم.
وحول خيار إرسال القوات، فإن كل ما سبق سيستغرق وقتاً، وعلاوة على ذلك، ليس من الواضح ما إذا كانت طموحات ترامب في غرينلاند ستتحقق من خلال المعاهدات أو تعزيز الأمن في القطب الشمالي، فقد صرح الرئيس الأميركي لصحيفة «نيويورك تايمز» بأن «ملكية» الولايات المتحدة للجزيرة «ضرورية نفسياً لتحقيق النجاح». وفي ورقة بحثية صادرة عن مركز «بروغيل» للبحوث، جادل الاقتصاديان الأوروبيان، مورينو بيرتولدي وماركو بوتي، بأن على حكومات الاتحاد الأوروبي «حماية غرينلاند بشكل استباقي من التوسع الأميركي»، مضيفين: «يمتلك الاتحاد الأوروبي قدرة على الانتشار السريع، ويجب تفعيلها». وقالا إنه بالاتفاق مع الدنمارك وغرينلاند، ينبغي نشر قوات أوروبية في الجزيرة «كإشارة إلى التزام أوروبا بوحدة أراضي غرينلاند»، ورغم أن ذلك لن يمنع ضم الولايات المتحدة للجزيرة، فإنه سيجعل الأمر أكثر تعقيداً بكثير. وأضافا: «لن تكون هناك حاجة إلى مواجهة مسلحة، ولكن مشهد قيام الولايات المتحدة بأسر قوات حلفائها سيقوض مصداقيتها، ويشوه سمعتها الدولية، ويؤثر بقوة في الرأي العام الأميركي والكونغرس».
وقال متحدث باسم الحكومة الألمانية، الأسبوع الماضي، إن برلين تعمل على خطة «تشمل الردع الأوروبي» في حال حاولت الولايات المتحدة الاستيلاء على غرينلاند، بينما كان وزير الخارجية الفرنسي، جان-نويل بارو، قد طرح العام الماضي احتمال نشر وحدة عسكرية فرنسية. ويمتلك الاتحاد الأوروبي قدرة على الانتشار السريع تسمح له بنشر ما يصل إلى 5 آلاف جندي بسرعة من عدة دول أعضاء مختلفة، للاستجابة للأزمات خارج حدود التكتل، ويرى خبراء وبعض السياسيين أن هذه الخطوة قد تغير حسابات الولايات المتحدة. وقال سيرغي لاغودينسكي، النائب الألماني عن حزب «الخضر» في البرلمان الأوروبي: «لا أحد يعتقد أن حرباً بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مرغوبة أو قابلة للكسب، ولكن أي تحرك عسكري أميركي ضد الاتحاد الأوروبي ستكون له عواقب مدمرة على التعاون الدفاعي والأسواق والثقة العالمية بالولايات المتحدة»، وقد يجعل ذلك ترامب يعيد التفكير مرتين.









