متابعة / المدى
تستعد الولايات المتحدة لمرحلة دقيقة في التعامل مع الأزمة الإيرانية، حيث تناقش الادارة الامريكية الخيارات المتاحة للرد على تعامل السلطات الإيرانية مع موجة الاحتجاجات الشعبية المستمرة للأسبوع الثالث على التوالي.
وتشير المؤشرات الرسمية إلى أن واشنطن لا تملك حالياً خطة لشن هجوم عسكري مباشر على طهران، لكنها لم تستبعد هذا الاحتمال مستقبلاً، في حين أن التركيز ينصب على مسارات بديلة قد تشمل هجمات سيبرانية، وفرض عقوبات على قيادات إيرانية.
أما في الداخل الإيراني، فتتسع رقعة الاحتجاجات من العاصمة إلى المدن الكبرى، ويؤكد محللون أن قوة الشارع وحدها لن تكفي، في ظل هشاشة تنظيم الحراك، وتماسك النخبة الحاكمة، وغياب بديل سياسي واضح؛ كما يبقى دور المرشد محورياً، إذ إن أي تغييرات محتملة في القيادة قد تزيد من نفوذ الحرس الثوري، مما يضيف بعداً جديداً لتعقيد المشهد السياسي الإيراني.
من جهته، أكد الباحث في المجلس الوطني للعلاقات العربية الأميركية، فادي حيلاني، خلال حديثه أن الوضع في إيران يشهد تصاعداً ملحوظاً في التوترات الداخلية والخارجية، رغم محاولات النظام إظهار التماسك عبر مظاهرات مؤيدة، بينما يعكس الواقع حالة عدم استقرار متزايدة. وأشار حيلاني إلى أن واشنطن ترى إيران في أضعف مراحلها تاريخياً، مع تأثير واضح لعقوبات «الضغط الأقصى» وتراجع القدرات العسكرية، معتبراً أن التدخل الأميركي بات قريباً مع دراسة خيارات عسكرية وغير عسكرية. وأوضح أن الولايات المتحدة تتبع «مبدأ كينيدي»، الذي يقوم على حشر الخصم في الزاوية مع إبقاء مسارات للخروج من المأزق، وهو ما يفسر الخطاب الأميركي القوي منذ بداية المظاهرات، الذي يشكل رسالة للنظام الإيراني حول قرب التدخل الأميركي، مع الإبقاء على قنوات للتفاوض حول الملفات النووية والصاروخية.
وفي سياق التصعيد الدبلوماسي، رد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على تصريحات للمستشار الألماني فريدريش ميرتس، أدلى بها أمس الثلاثاء، وقال فيها إنه يعتقد أن النظام الإيراني «يعيش أيامه وأسابيعه الأخيرة» في مواجهة احتجاجات واسعة النطاق.
وعلق ميرتس على الأحداث خلال زيارة للهند، قائلاً: «أفترض أننا نشهد الآن الأيام والأسابيع الأخيرة لهذا النظام»، كما شكك في شرعية القيادة الإيرانية وأضاف: «عندما لا يستطيع نظام ما الحفاظ على السلطة إلا من خلال العنف، فهذا يعني أنه في نهايته فعلياً.. الشعب ينتفض الآن ضد هذا النظام». وقال عراقجي عبر منصة «إكس» في وقت لاحق من يوم امس الثلاثاء، إن «من بين جميع الحكومات، ربما تكون حكومة ألمانيا هي الأسوأ استعداداً لمعالجة قضايا حقوق الإنسان، والسبب بسيط: ازدواجية معاييرها الصارخة على مدى السنوات الماضية قد قضت على أي ذرة من مصداقيتها».
وأضاف عراقجي: «عندما تهزم إيران إرهابيين يقتلون مدنيين ورجال شرطة، يسارع المستشار الألماني إلى التصريح بأن العنف تعبير عن الضعف. فماذا يقول السيد ميرتس إذن عن دعمه المطلق للمذبحة الجماعية التي راح ضحيتها 70 ألف فلسطيني في غزة؟»، وذلك في إشارة منه إلى الدعم الألماني لإسرائيل.
وتابع الوزير الإيراني: «كما يتذكر الإيرانيون إشادة السيد ميرتس البغيضة بإسرائيل عندما قصفت منازل ومتاجر في بلادنا الصيف الماضي، فقد أصر المستشار الألماني على أن هذا العنف غير المبرر وغير القانوني كان بمثابة خدمة تقدمها إسرائيل لأوروبا من خلال تنفيذ أعمالها القذرة»، وأضاف: «هذا فضلاً عن صمت ألمانيا حيال اختطاف الولايات المتحدة لرئيس دولة مؤخراً»، في إشارة إلى الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.
داخلياً، أعلنت إيران يوم الثلاثاء، إحالة بعض كبار المسؤولين في الدولة إلى القضاء، على خلفية الاحتجاجات التي تشهدها البلاد منذ أيام. ونقلت وكالة أنباء «تسنيم» عن رئيس هيئة التفتيش قوله: «أحيلت قضايا بعض كبار المسؤولين في الدولة، الذين لم يلتزموا بواجباتهم في تلبية الاحتياجات العامة، إلى القضاء». وتابع: «أما الشركات والمصانع والبنوك التي لم تتخذ إجراءات للوفاء بالتزاماتها المتعلقة بالعملات الأجنبية، فستمنح مهلة أسبوعاً واحداً، وفي حال عدم التزامها خلال هذه المدة ستحال إلى القضاء». كما أفادت الوكالة برفع دعوى قضائية بشأن البنك المركزي و«تقصيره، وستحال إلى القضاء قريباً».
وفيما يخص الخسائر البشرية، يواجه رصد عدد القتلى في الاحتجاجات التي تشهدها إيران تحديات كبيرة، في ظل عدم إصدار طهران حصيلة رسمية شاملة، واستمرار الانقطاع المتكرر لخدمات الإنترنت. ومنذ اندلاع الاحتجاجات في البلاد، لم يصدر عن وزارة الداخلية الإيرانية أي بيانات مجمعة للضحايا، وتكتفي وسائل الإعلام الرسمية بالإشارة إلى سقوط «عدد من أفراد قوات الأمن»، أو «مدنيين قتلوا برصاص مخربين»، من دون تقديم أرقام دقيقة. في المقابل، تعمل مجموعات حقوقية خارج إيران على تجميع البيانات عبر شبكات من النشطاء والمصادر الطبية، كما تعمد وكالات الأنباء الدولية على الاستعانة بمصادر محلية شرط ضمان سرية الهوية.
ومع صعوبة التحقق الميداني من أعداد القتلى، تظهر الأرقام المتوفرة فجوة كبيرة في التوثيق؛ حيث نقلت «رويترز» عن مسؤول إيراني، الثلاثاء، أن حصيلة القتلى في الاحتجاجات الأخيرة بلغت نحو ألفي شخص، مشيراً إلى أن من بين الضحايا عناصر من قوات الأمن، وحمل المسؤول الذي لم يكشف عن هويته من وصفهم بـ«الإرهابيين» المسؤولية عن سقوط هؤلاء القتلى. من جهة أخرى، أفادت منظمة حقوقية يوم الإثنين بأن نحو 650 متظاهراً قتلوا منذ بدء الاحتجاجات قبل نحو أسبوعين، وقالت منظمة «إيران هيومن رايتس»، ومقرها النرويج، إن الحصيلة مرشحة للارتفاع، ولفتت المنظمة إلى أنه «بحسب بعض التقديرات قد يكون قتل أكثر من 6 آلاف»، لكنها حذرت من أن حجب السلطات الإيرانية الإنترنت يجعل من «الصعوبة بمكان التحقق بشكل مستقل من هذه التقارير».









