طالب عبد العزيز
تدهشنا مكاتبُ الشعراء والكتاب والفنانين الكبار، بموجوداتها، هناك طاولة مختلفة، وكرسي ثمين، وأرفف معتنى بها،وصور لفلاسفة،وربما آلات موسيقية وغيرها، ويدفعنا الفضول لفتح الأدراج السرية في المكاتب تلك، مكاتب هؤلاء الذين قرأنا لهم، وأحببناهم، وسحرتنا أخيلتهم، نطيل النظر فيها علنا نعثر على رواية لم تكتمل، أو ديوان شعر بخط أحدهم، أو لوحة تعوزها لمسات أخيرة، وهذه بكل تأكيد عوالم تستدعي الفضول، ويشكِّل الوقوف عليها جزءاً مما نظنّه من جمال وأسرار في هؤلاء، ومن لطف وأناقة، وغرابة في السلوك أيضاً.
أحتفظُ بصورة لمكتب الشاعر والناقد الأمريكي- البريطاني ت. أس اليوت(1888-1965) بالابيض والأسود، وهي غاية في الاناقة، فالطاولة من الخشب الأسود الفاخر، والكرسيُّ كذلك، فهو منجدٌ بالجلد في مقعده، فيما ظهره متواضع، ولا يشبه كراسي مديري الشركات والمؤسسات الحكومية لدينا، وهناك حافظة أوراق بثلاثة طوابق، وصورة لإمرأة ربما لفيفيان اليوت زوجته الأولى، أو لفاليري اليوت زوجته الثانية، واسفل الطاولة شيءٌ يشبه المدفأة.. الستارة أنيقة، ونصف مفتوحه، وهناك إطلالة على شارع عام، أو حديقة وبالمجمل تمثل الصورة المتخيلة لدينا عن حياة وسلوك شاعر القرن العشرين بلا منازع. وهنا سأتذكر بأنَّ الشاعر غريب إسكندر أخذني في جولة بلندن، ودونما دراية مني أشار الى باب بيت في زقاق صغير قائلاً: انظر هذا بيت اليوت كان قد سكن هنا، وما تزال اللوحة تشير الى البيت ذاته.
نقع على الكثير من القصص والصور عن حياة هؤلاء فيما يندر أن نقع على شيء من ذلك عند مفكرينا وشعرائنا وكتابنا وفنانينا.. لا لأنهم لم يتركوا حياةً خلفهم، أبداً، لكنهم أخفقوا في حساباتهم، أو أنَّ حياتهم كانت متواضعة من وجه نظرهم، وربما لأننا أمة لا تعتد كثيراً بمثل هذه التفاصيل، على أهميتها، وحسناً فعلت وزارة الثقافة بالتعاون مع اسرة الشاعر الكبير الجواهري حين جعلت من بيته على دجلة متحفاً، جمعت فيه ما ظلَّ من مقتنياته، وستكون الوزارة والمؤسسات الثقافية الأخرى قد خطت واحدة من أجمل خطواتها لو أنّها أسست لمثل هذه عند عالم الاجتماع الكبيرعلي الوردي، وعلماء العربية إبراهيم السامرائي ومهدي المخزومي وعلي جواد الطاهر ومثل ذلك نقول عن غائب طعمة فرمان وفؤاد التكرلي ومحمد صالح بحر العلوم وحسين مردان وقبل ذلك للشاعر السياب وسعدي يوسف وحسب الشيخ جعفر... وسواهم الكثير.
نعتقد بأنَّ دور المؤسسات الثقافية لا يجب أن يقتصر على إقامة المؤتمرات والمهرجانات إنّما تسويق رموز لثقافة في الدرجة الأساس، وجعلها في متناول العامة، بالطرق المتكرر على أسمائهم وأعمالهم في وسائل الإعلام، وفي وسائط التواصل، لأنَّ تسويق أعمالهم والجانب الآخر من حياتهم وما كتب وقيل بحقهم سيتحول لا محالة الى مادة شيقة عند الأوساط الاجتماعية، وبذلك ستكون الثقافة ورموزها قد تسربت في أحاديث العامة من جهة، وعرّفت بنفسها(الثقافة) أو أدّت مؤداها المرجو في أن تكون زاداً معرفياً، وفعلاً مؤثراً يحلُّ تلقائياً محل التفاهات التي يتداولها هؤلاء عبر الوسائط الإعلامية.
هناك أكثر من سؤال يخصُّ القصة والرواية العراقية مفاده: لماذا لم تؤسِس الاعمالُ التي يعلن عن فوزها بجوائز الدولة وغيرها لأمثولات في أحاديث العامة؟ بل لماذا لا تعرف العامة عنهم وأعمالهم شيئاً؟ فيما يتم تداول قصص وحكايات الكتاب العالميين. أجزم أنَّ لا يخلو بيتٌ عراقيٌّ من وجود واحد أو أكثر ممن يتداولون حكايات عن تولستوي وديستوفسكي وغوغول ونجيب محفوظ وديكنز ومحمد الماغوط والجواهري وو وإذا كنا لا نجد الإجابة عن السؤال في أسباب إختفائهم يتوجب علينا البحث عن الآليات اللازمة في تسويقهم، وإعادة انتاجهم من جديد. نعم، نحن في زمن اللاقراءة لكن إيجاد آلية تسويق ما ليس بالامر المستحيل إذا كانت المؤسسات تلك جادة بجعل الثقافة في متناول العامة.









