نبأ سليم حميد البراك
في زمنٍ يضيق فيه الأفق وتتقشّف الأسئلة، تبرز لطفية الدليمي بوصفها الإنسانة المكتفية بقراءاتها؛ لا اكتفاء الانسحاب، بل اكتفاء الامتلاء. امتلاءٌ بالمعرفة، وبالشكّ الخلّاق، وبفضولٍ هادئ لا يطلب الضجيج.
أنا متابعة وقارئة لأدبها، شدّني فيها صدقها قبل أي شيء، وعذوبة أسلوبها الذي لا يتكلّف، وتعدّد حقول اهتمامها دون ادّعاء أو استعراض. هي من ذلك الجيل الراسخ الذي لا تهزّه الرياح العابرة، ولا تُغريه الأضواء السريعة، ولا تغيّره البهرجة.
لطفية الدليمي اليوم في العراق ليست مجرد كاتبة أو روائية أو مترجمة-مع أنها تتقن هذه الأدوار جميعًا-بل حالة فكرية نادرة. سيدة محليّتها بامتياز؛ عراقية الجذر والذاكرة واللغة، وفي الوقت ذاته إنسانة بهوية كونية، لا ترى في الحدود سوى خرائط مؤقتة للفهم.
ما يميّز أدبها أنّه لا يكتفي بالحكاية، بل يشتغل على تفكيكها. نصوصها تتحرّك بين الفيزياء والرياضيات والعلوم والجغرافيا، لا بوصفها زينة معرفية، بل كبنية تفكير. القوانين والمعادلات والخرائط تتحوّل في كتابتها إلى أدوات لقراءة الإنسان: هشاشته، وحدته، وأسئلته الوجودية.
هي منقّبة في أغوار النفس البشرية، لا بالحفر العنيف، بل بالإصغاء الطويل. شخصياتها لا تُدان ولا تُبرّأ؛ تُفهم. تُترك لتتكشّف ببطء، كما تتكشّف القارات في خرائط قديمة. وفي هذا الكشف تكمن أخلاقيتها العميقة: احترام التعقيد الإنساني ورفض الاختزال.
ثباتها هادئ، ورسوخها نابع من معرفة عميقة ومن احترامٍ للعقل وللزمن. علوّ مقامها لا تصنعه المنابر، ولا تصعد به الضوضاء، بل يتكوّن بصمتٍ من كتابةٍ نظيفة، وموقفٍ أخلاقي، ووعيٍ لا يطلب التصفيق.
لهذا تُقرأ… لا لأنها حاضرة، بل لأنها باقية.
ولهذا أيضًا، تبقى واحدة من أفضل ما أنجبته الثقافة العراقية المعاصرة: عقلٌ حرّ، وحسّ إنساني نادر، وأدبٌ يعرف أن المعرفة-في جوهرها-شكلٌ من أشكال الرحمة.
قراءة في أدب لطفية الدليمي.. الإنسانة المكتفية بقراءاتها

نشر في: 19 يناير, 2026: 12:03 ص









