TOP

جريدة المدى > عام > قراءة في أدب لطفية الدليمي.. الإنسانة المكتفية بقراءاتها

قراءة في أدب لطفية الدليمي.. الإنسانة المكتفية بقراءاتها

نشر في: 19 يناير, 2026: 12:03 ص

نبأ سليم حميد البراك
في زمنٍ يضيق فيه الأفق وتتقشّف الأسئلة، تبرز لطفية الدليمي بوصفها الإنسانة المكتفية بقراءاتها؛ لا اكتفاء الانسحاب، بل اكتفاء الامتلاء. امتلاءٌ بالمعرفة، وبالشكّ الخلّاق، وبفضولٍ هادئ لا يطلب الضجيج.
أنا متابعة وقارئة لأدبها، شدّني فيها صدقها قبل أي شيء، وعذوبة أسلوبها الذي لا يتكلّف، وتعدّد حقول اهتمامها دون ادّعاء أو استعراض. هي من ذلك الجيل الراسخ الذي لا تهزّه الرياح العابرة، ولا تُغريه الأضواء السريعة، ولا تغيّره البهرجة.
لطفية الدليمي اليوم في العراق ليست مجرد كاتبة أو روائية أو مترجمة-مع أنها تتقن هذه الأدوار جميعًا-بل حالة فكرية نادرة. سيدة محليّتها بامتياز؛ عراقية الجذر والذاكرة واللغة، وفي الوقت ذاته إنسانة بهوية كونية، لا ترى في الحدود سوى خرائط مؤقتة للفهم.
ما يميّز أدبها أنّه لا يكتفي بالحكاية، بل يشتغل على تفكيكها. نصوصها تتحرّك بين الفيزياء والرياضيات والعلوم والجغرافيا، لا بوصفها زينة معرفية، بل كبنية تفكير. القوانين والمعادلات والخرائط تتحوّل في كتابتها إلى أدوات لقراءة الإنسان: هشاشته، وحدته، وأسئلته الوجودية.
هي منقّبة في أغوار النفس البشرية، لا بالحفر العنيف، بل بالإصغاء الطويل. شخصياتها لا تُدان ولا تُبرّأ؛ تُفهم. تُترك لتتكشّف ببطء، كما تتكشّف القارات في خرائط قديمة. وفي هذا الكشف تكمن أخلاقيتها العميقة: احترام التعقيد الإنساني ورفض الاختزال.
ثباتها هادئ، ورسوخها نابع من معرفة عميقة ومن احترامٍ للعقل وللزمن. علوّ مقامها لا تصنعه المنابر، ولا تصعد به الضوضاء، بل يتكوّن بصمتٍ من كتابةٍ نظيفة، وموقفٍ أخلاقي، ووعيٍ لا يطلب التصفيق.
لهذا تُقرأ… لا لأنها حاضرة، بل لأنها باقية.
ولهذا أيضًا، تبقى واحدة من أفضل ما أنجبته الثقافة العراقية المعاصرة: عقلٌ حرّ، وحسّ إنساني نادر، وأدبٌ يعرف أن المعرفة-في جوهرها-شكلٌ من أشكال الرحمة.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

فاروق صبري: المسرح يعني الاحتجاج والتمرد وطرح التساؤلات الكبرى

الرغبةُ حين تستيقظُ من الحِبر حكايةُ نصٍّ يكتبُ ذاته

وجهة نظر : لماذا نكتب ونستعرض؟

(وصفات طعام بسيطة) قصص تكشف دوافع صراع الأجيال

عثمانُ الموصليّ

مقالات ذات صلة

رواية (كولخوز) الفائزة بجائزة ميديسيس لعام 2025: ملحمة عائلية آسرة، وتكريم رائع لوالدة الكاتب
عام

رواية (كولخوز) الفائزة بجائزة ميديسيس لعام 2025: ملحمة عائلية آسرة، وتكريم رائع لوالدة الكاتب

ترجمة: عدوية الهلالي «أنا سعيد للغاية لأنها جائزة تحمل معنى خاصًا بالنسبة لي"، هكذا علّق الروائي إيمانويل كارير بعد منحه جائزة ميديسيس لعام 2025 عن روايته "كولخوز" أي "المزرعة الجماعية السوفيتية)، وهي ملحمة عائلية...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram