TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > الإختناق الفكري بين السلوك العدمي والنظرة الشمولية

الإختناق الفكري بين السلوك العدمي والنظرة الشمولية

نشر في: 20 يناير, 2026: 12:04 ص

عصام الياسري

قبل الانتخابات البرلمانية الاتحادية الأخيرة في العراق تناولنا مرات عدة العملية الانتخابية وتداعياتها الفوضوية ـ على كل المستويات. وحذرنا من استعمال الطبقة السياسية المهيمنة على السلطة «المال الزبائني» الذي انصب لشراء أصوات الطبقة «الضالة» التي لا تملك لقمة العيش بهدف منع المعارضين للنظام السياسي من الوصول إلى قبة البرلمان بأي ثمن. ودعونا القوى والأحزاب الوطنية والمستقلة إلى عدم المشاركة في الانتخابات لعدم جدواها وشرعيتها؟. أيضا ـ وجوب مقاطعتها ـ من حيث ممارسة حقها القانوني والدستوري على المستوى الوطني والدولي. فإن تحققت المقاطعة على المستوى الشعبي ستجعل مثل هذه الممارسة الانتخابات من الناحية السياسية باطلة دستوريا وقانونيا. وهو ما كان متوقعا مسبقا حسب استطلاع رأي المحللين والخبراء والمتخصصين في علم الاجتماع. عندئذ يكون القيام بنقض نتائجها أمام المحافل الدولية المعنية ممكنا لعدم توفر الشرعية المجتمعية. مثال «شيلي» حينما ضغطت الأمم المتحدة نتيجة الحملة العالمية ضد نظام «بينوشة» الفاشي عام 1988 بعد 16 سنة على حكمه إلى إجراء انتخابات بإشراف دولي تحت مظلة الأمم المتحدة ـ سقط النظام ـ وتمت محاكمته!...
في العراق كان الكثير من وسائل الإعلام المحلية والعالمية تشير إلى نفس الرأي، بيد أن هناك من كان يصعب عليه الفصل بين المواقف السياسية المنسجمة مع مصالح الأغلبية الرافضة للنظام الطائفي والمراهنة على حسابات شكلية غير مضمونة لم ترتق إلى مستوى التحدي الذي تمثله أحزاب السلطة النتائج جاءت مخيبة كما غير متوقعة للكثير من راهنوا، إذ إن نسبة المشاركة في عموم العراق تجاوزت الـ 50% مما جعل الجميع يلتقطون أنفاسهم أمام مأزق سطوة المال مقابل معضلة اللاابالية الذي تشكله الأغلبية الصامتة. فكانت حصيلة تلك المواقف الديماغوجية الصراع السياسي لرئاسة الحكومة وانهيار كامل للدولة ومؤسساتها، أحداث أليمة ومظاهر غضب عامة في ساحات التظاهر...
بمشاركتها في الانتخابات وهي تعلم بأن أربع ركائز مفصلية لضمان نزاهة الانتخابات ومصداقيتها لم تتوفر، فلا يوجد قانون أحزاب ينظم أحكامها ولا قانون انتخابات منصف، وفيما المفوضية العليا للانتخابات غير نزيهة والدستور يشوبه الكثير من الألغام انحرف العديد من الأحزاب والمنظمات المدنية التقليدية والتيارات السياسية «ديمقراطيين وشيوعيين ومستقلين» عن مسار نضالها الجمعي ضد الطغمة المتسلطة رغم كل النصائح التي أتت حتى من داخل صفوفها. ولم تستوعب خطر المضي مع فئة بربرية تمسك بالمال والسلاح والميليشيات والسلطة على مستقبلها السياسي. بيد أنهم فضلوا المشاركة لأجل حفنة مكاسب رمزية أودت بسمعتهم وتاريخهم السياسي داخل المجتمع العراقي سيما بين الشباب الذين علمتهم الأزمات والمعاناة على يد طغمة فاسدة على مدى عقدين ونيف فن السياسة والنضج الفكري. حيث أفضى سلوكهم العدمي بالمعنى السياسي إلى نوع من «الاختناق الفكري» الذي يقود إلى عدم التطابق بين مفهوم طبيعة الصراع والظروف التي تعاني منها الطبقات المجتمعية المسحوقة، وبين الشروط «الموضوعية» التي لا تعني التجرد بقدر ما تعني ـ عمليا ونظريا ـ النظرة الشمولية، كما يقول عالم الاجتماع الفرنسي ريموند أرون Raymond Aaron وبذلك ارتكبوا خطأ فادحا يضاف إلى الأخطاء السابقة...
يسأل البعض لماذا الإصرار على مقاطعة الانتخابات، نقول باختصار: الأغلبية من الطبقة الصامتة المسحوقة في بلدنا ليس لها وطن. فماذا تعني لهم الانتخابات وهم لا يحسون بتلك «الرعاية الأبوية» ولا حتى بتفاصيل عضوية الناس والأشياء والكائنات الحية والتجريدات التي تقوم بمرور الوقت على صياغة الشعور «بالانتماء والهوية» إلى غاية تشمل «الوطن» حتى يصبح مجسدا. ويفترض أن يكون للوطن دستور يحمي حقوق أبناء المجتمع ويضمن مستقبلهم، وكبقية الأمم يكون له علم ونشيد وطني وأحزاب سياسية نزيهة حريصة على بناء البلد وتطوره وضمان أمن المواطن واستقراره. من هنا فإن المقاطعة كانت بعد كل هذه التجارب الانتخابية ووجود طغمة تعودت التزوير والكذب والتسويف والمماطلة، تشكل انعطاف سياسي مهم يسقط حالة الشعور «بالاغتراب» في الوطن، وولادة ثقافة مجتمعية جديدة تنسجم مع رغبة المواطنين ونظرتهم لمستقبل بلادهم...
منذ بدء حراكهم الثوري في أكتوبر 2019 رفع آلاف المتظاهرين شعارات تندد بنظام الحكم وتدين انتهاكات السلطة وتمردها على المجتمع. لكن واحدا منها "نريد وطنا" أصبح أيقونة التظاهر في جميع الساحات. أفرز سياقات استراتيجية وطنية قيمية جامعة، ووجه الصراع لانتزاع الوطن من الانهيار الكامل وإعادته إلى حيث إن يكون الشعب من جديد.. إن إصرار المتظاهرين في عموم البلاد لأن يكون شعار "نريد وطنا" شعارا مركزيا حقق أمرين أساسيين: تعاطف الجماهير ورفع معنوياتها لإنهاء هيمنة الأحزاب على الدولة والمجتمع وكسر حاجز الخوف وجدار الصمت. الأمر الآخر، خلق حالة من الوعي والشعور بالمسؤولية لدى الجماهير لمواجهة الأزمات السياسية والتراكمات الفكرية والفئوية التي ضختها المنظومة السياسية المافيوية داخل المجتمع. اتسمت بتحويل التناقضات من إطارها الضيق إلى مظاهر وأساليب أكثر دلالة ورمزية. وتتفاعل فكريا وسلوكيا مع الواقع بعقلانية تنسجم فلسفيا وماديا مع طبيعة المجتمع وطموحاته. ومن جانب آخر "نريد وطنا" أعاد إنتاج الذات للفرد العراقي وجعل المقاربة لديه بين مفهوم "الدولة" و "الوطن" حاضرة بوصفهما حاضنتين لكل الهويات بين كل الأوساط والطوائف والأجيال العراقية بدل الهرولة وراء طموحات رمادية غير قابلة للتحقيق دون نهاية نظام القمع والإستبداد الطائفي.!

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: حكاية سجاد

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

العمود الثامن: انقلاب الفتلاوي

العمود الثامن: لماذا تزعجهم بغداد؟

إستعادة المعنى المُغيَّب للبحث العلمي

العمود الثامن: راتب عالية وتقاعد لؤلؤة

 علي حسين تزدحم مواقع التواصل الاجتماعي هذه الأيام باخبار منحة المثقفين ، الوزارة تقول ان المبلغ لم يكتمل بعد ، والمالية تعلن ان العراقي عليه أن " يشد الحزام " ، والمثقف المسكين...
علي حسين

الإختناق الفكري بين السلوك العدمي والنظرة الشمولية

عصام الياسري قبل الانتخابات البرلمانية الاتحادية الأخيرة في العراق تناولنا مرات عدة العملية الانتخابية وتداعياتها الفوضوية ـ على كل المستويات. وحذرنا من استعمال الطبقة السياسية المهيمنة على السلطة «المال الزبائني» الذي انصب لشراء أصوات...
عصام الياسري

الشرق الاوسط بين البراغماتية الامريكية والعقيدة الاسرائيلية

محمد حسن الساعدي ‏مع أستقبال العالم لعام جديد يسوده السلام تزينت أضواء أعياد الميلاد منتجع "مارا لاغو" في فلوريدا لعقد الاجتماع ‏الخامس والأكثر خطورة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الكيان الإسرائيلي بنيامين نتنياهو...
محمد حسن الساعدي

يستحق جائزة نوبل ِ!

بينوا بريفيلي ترجمة: فؤاد الصفار كان الرئيس تيودور روزفلت من منظري « دبلوماسية النادي « وهي اجراء التواصل والتفاعل بين الدبلوماسيين وأعضاء النخب الاجتماعية والاقتصادية، لتعزيز العلاقات، تسهيل الأعمال، بناء الثقة، والتواصل غير الرسمي،...
بينوا بريفيلي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram