علاء المفرجي
النشأة
الشاعر حسين مردان 1027-1972، ولد في الهندية بمحافظة ديالى، العراق، لقب بـ «ملك الصعاليك»، إضافة للشعر عمل كاتبا ومحرّر صحفي؛ كتب في عدة صحف ومجلات عراقية منها (الأهالي – الأخبار – مجلة ألف باء – المستقبل) وعمل في الإذاعة والتلفزيون العراقي في الشؤون الثقافية.
يعد حسين مردان يُعد من أبرز الأسماء في الشعر الحديث في العراق، وقد اشتهر بـ: كتابته الشعر الحر والنثر المركّز الذي يتميّز بالقوة اللغوية والصورة الشعرية المبتكرة. مجموعته المعروفة «قصائد عارية» التي أثارت جدلاً واسعًا في الوسط الثقافي وأسفرت عن مواجهات مع أجهزة الحكومة واعتقاله بسبب محتواها الذي اعتُبر مثيرًا للجدل في وقته. مقالاته الأدبية التي تحمل سمات شعرية واضحة، فتجمع بين النقد الفني والأسلوب الشعري.
كان مردان يبحث في كتاباته عن حرية التعبير والتجديد الفني، كما تناول في شعره موضوعات اجتماعية وإنسانية بطريقة جريئة وغير تقليدية بالنسبة لزمنه.
من اهم اعماله: قصائد عارية – دفعة شعرية أثارت الكثير من النقاش والنقد، الأزهار تورق داخل الصاعقة – مجموعة منشورة بعد وفاته، وله مقالات أدبية ونقدية أخرى نُشرت في صحف ومجلات أدبية. كما وضع الناقد الكبير علي جواد الطاهر عنه كتابا بعنوان (من يفرك الصدأ)، وكتاب أخر لشوقي يوسف بهنام بعنوان (أوراق حسين مردان السرية)
سيرته
ربما كان الشاعر حسين مردان خير ممثل للروح التي حلت في الشعراء العراقيين الشباب الذين ظهروا في أواخر أربعينيات القرن العشرين، وأصبحوا رواد ما عرف في ما بعد باسم « حركة الشعر الحر «، فقد كان جذوة هذه الروح في قلقه وتمرده واندفاعه وخروجه علي التقاليد وانهماكه في الكتابة والتجريب. وإذا كانوا هم قد عبروا عن قلقهم وتمردهم بالخروج المبكر علي نظام النظم التقليدي في الشعر العربي، فإنه عبر عن ذلك بسلوكه ونمط حياته وجرأته في اقتحام المجهول، قبل أن يعبر عنه في موقفه الشعري. فقد كان « بوهيمياً « قبل أن يَعرف معني « البوهيمية «، وكان « هيبياً « قبل أن يظهر « الهيبيون « علي المسرح، بل كان « رامبو « حقبته، قبل أن يسمع باسمه، حتي وصف بالتشرد والصعلكة، وظن أهل مدينته « بعقوبة « أنه « نصف مخبول « مثلما ظن أهل مدينة « شارلفيل « برامبو نفسه
وسط أسرة فقيرة؛ حيث الأب يعمل كـ»عريف» في الشرطة العراقية، ولد حسين مردان عام 1927، بقرية «الطويريج»، بمحافظة بابل. ومن مدينة إلى أخرى ظل يتنقل مع والده وأسرته، حتى استقر بهم الحال في قرية «جديدة الشط»، ظل الفقر يُحاصر الأسرة الصغيرة، فكان الفتى الصغير دائم التفكير في ماهية هذه الحياة القاسية، والواقع الشرس، الذي ينهش طفولته، وحياة أسرته. وفي المدرسة الابتدائية بمدينة بعقوبة، وجد الفتى الصغير عزاءه في دواوين الشعر العربي، والملاحم، والقصص، حيث عكف على قراءتها، وحفظها، وفي العاشرة من عمره كان قد كتب قصيدته الأولى.
في عالم الأدب وجد حسين الصبي، عالماً آخر، مختلفاً عن ذلك العالم الأسود الذي يعيش فيه، فكان أن تمسّك به، وحلم بالانتقال إليه، وهو ما تحقق بسفره إلى بغداد لأول مرة، أثناء أدائه للخدمة العسكرية، وهناك أصبح مشرداً لأول مرة في حديقة غازي. وفي تلك الفترة التقى الشاعر الشاب بجماعة «الوقت الضائع» الأدبية، التي ضمت بعض القصاصين مثل: نزار سليم وعبد الملك نوري. دُهش حسين مردان حين استمع إلى أحاديثهم الأدبية وثقافتهم الواسعة، واتصالهم بالرسامين البولنديين، وأيقن عندما ودعهم أن مكانه في بغداد.
هنا يقول حسين مردان- بحسب ما ورد في كتاب «شعراء من العراق»-: «وفجأة قررت هجر الدراسة والمجيء إلى بغداد. كنتُ حينذاك في العشرين من عمري... كتلة نار وسيوف وتلقفني شارع الرشيد... الفساتين الملونة والزجاج، وقلتُ لنفسي من هذا الرصيف الرمادي: ستبدأ مسيرتي الصعبة نحو قمة الجبل».
في مقاهي بغداد الأدبية مثل الزهاوي، والبلدية، والبرازيلية، وحسن العجمي، والرشيد، والعراق، تعرف حسين مردان على مجموعة من الشعراء والأدباء البارزين ومنهم: بلند الحيدري، عبد الرحمن البنا، وبدر شاكر السيّاب، وآخرين.
وكانت لهذه اللقاءات الأدبية، تأثيرات إيجابية على الشاعر الشاب، من حيث تبادل الخبرات والنقاشات حول الأدب والفن، وتم استضافة مردان في غرفة صغيرة تقع فوق مقهى «العراق»، وظل مقيماً بها لفترة محدودة حتى تركها، ليُطبق حياة التشرد فعلياً، حيث كان يبيت في حدائق بغداد العامة وبساتينها القريبة ومقبرة الإنكليز في «الكرنتينة» وهو يحمل في داخله عنفوان الشباب وكبرياء الشاعر. وفي تلك الأيام الرهيبة، التقى حسين مردان بوجه الجوع الأصفر، فكان كما ذكر في إحدى مقالاته: «كنت لا أتناول في اليوم أكثر من وجبة واحدة: صمونة نصف سمراء مع كأس شَربَت».
قصائد عارية
هكذا ووفقاً لتقاليد الصعلكة وسلوكياتها، صار حسين مردان «صعلوكاً» بامتياز، وأصبح وجهاً مألوفاً في مقاهي وحانات وبيوت هوى بغداد، وعُرف عنه جرأته في إبداء رأيه أمام أكبر الشعراء، وكذلك اشتهر بغرابته وآرائه الصادمة في الشعر والفن، وهو ما تجسد في ما بعد في ديوانه قصائد عارية؛ ففي عام 1948 كان الشعراء من رواد المقاهي الأدبية قد أصدروا دواوينهم، حيث أصدر السيّاب ديوانه «أزهار ذابلة»، وعبد الوهاب البياتي «ملائكة وشياطين»، وبلند الحيدري «خفقة طين»، وأصدرت نازك الملائكة ديوانها «شظايا ورماد»، وقد احتوت هذه الدواوين على الأسلوب الشعري الحديث، وكانت حافزاً لحسين مردان لإصدار ديوانه الشعري الأول «قصائد عارية» عام 1949، وقد أثار هذا الديوان جدلاً كبيراً في المشهد الثقافي العراقي، وصل هذا الجدل إلى المحاكم، حيث اتهم الشاعر بالإباحية، والرغبة في نشر الرذيلة بين الشباب.
وكان ديوان مردان يحمل حساً وصوتاً مغايراً عما يُكتب في ذلك الوقت؛ كان جريئاً في أفكاره ومفرداته، متجاوزاً للكثير من التجارب الشعرية العراقية آنذاك. وقد قامت السلطات الحاكمة آنذاك بمصادرة جميع نسخ الديوان، وإحالة الشاعر إلى المحاكمة بتهمة إفساد أفكار الشباب، وصعدت الصحف المحلية الأمر إلى المطالبة بإعدام مردان في ساحة الميدان وحرق كتبه في الشارع.
سجين بسبب قصائد عارية
وحينما اتجهت الشرطة للقبض عليه في مقر مجلة الزراعة التي كان يعمل حسين في تحريرها مع الشاعر بلند الحيدري، هرب صاحب القصائد العارية إلى شوارع بغداد، ومنها إلى محطة القطار، واتجه إلى أهله بمدينة بعقوبة، وهناك استقبلته أمُّه بمحراث التنور على وجهه، ولم ينتبه الشاعر إلا والدماء تسيل منه، وهنا قرر العودة إلى بغداد لا للدفاع عن نفسه، بل للدفاع عن حرية الفكر والإنسان.
وقد تضامن الكثير من الأدباء والشعراء مع حسين مردان في هذه القضية، ودافعوا عنه كشاعر موهوب ومختلف، لا يسعى إلى الرذيلة بل إلى الحرية، حتى حصل على البراءة من التهم المنسوبة إليه، قبل أن تطاله نفس التهم مرة أخرى، حين أصدر ديوانه الثاني «اللحن الأسود»، لكن القاضي نفسه، الذي كان يحكم في هذه القضية، كان معجباً بقصائد مردان، وطلب منه منحه نسخةً من ديوانه، وأطلق سراحه.
يقول الكاتب الفلسطيني سمير حاج: في عتبة ديوانه «قصائد عارية» يبرز غروره ونرجسيته. فهو يهدي ديوانه إلى نفسه بهذا التوصيف النرجسيّ « لم أحبّ شيئا مثلما أحببت نفسي، فإلى المارد الجبّار الملتف بثياب الضباب إلى الشاعر الثائر والمفكّر الحرّ إلى، حسين مردان أرفع هذه الصرخات التي انبعثت من عروقه في لحظات هانئة، من حياته الرهيبة» ـ ح. مردان بغداد 26-11-1949. هذه النرجسية كافية لشحن الشعر بالاستفزاز والصدام مع المتلقّي، وهو يعرف أنّ القارئ سيكره شعره، لكنّه سيقرأه، ففي عتبة الديوان يخاطب القارئ مستفزا وشاتما «وإنّي لأضحك ببلاهة أعجب كلما تصورتك وقد استبد بك الغضب، فرميت بكتابي بحنق واشمئزاز، وعلى شفتيك المرتجفتين ألف لعنة ولعنة. ولكن ثق أنّك لا تفضلني على الرغم من قذارتي، إلا بشيء واحد وهو إنّي أحيا عاريا بينما تحيا ساترا ذلك بألف قناع». ويطلب من القارئ العزوف عن قراءة الديوان إن كان يخشى ذلك، ويورد تحت عنوان قصيدته «للطين» مقولة ذكورية استعلائية ودونية تجاه المرأة عامة: «لن أحبّ إلا المرأة التي تحتقر جميع الرجال وتسجد تحت قدمي». وفي هذه القصيدة يرفض ويزيل «الشرف الرفيع» و«التقى» عن المرأة ويحثّها على الفجور «ما الطهر ما الشرف الرفيع، وما التقى غير اختلاقات الزمان الأقدم فاستهتري يا بنت آدم كلنا في الأصل للطين المدنّس ننتمي، وتهتكي وهبي لكل متيم، ما يشتهي من جسمك المتضرّم»، وكأنّه يتقمّص صوت ولادة بنت المستكفي (994-1091) في قولها «أمكّن عاشقي من صحن خدّي وأعطي قبلتي من يشتهيها». والمرأة عنده جسد شهوانيّ لا يلتقيها إلا في الحانات هذه العقدة وسمت جميع أشعاره.
صياد في شارع ضيق وخمسة أصوات
حسين مردان في بورتريه جبرا إبراهيم جبرا:
في «صيّادون في شارع ضيّق» 1960 لجبرا إبراهيم جبرا، التي تندرج ضمن جانب الرواية السيرذاتية، التي تحكي بتماه مع بطلها جميل فرّان مجيء جبرا إلى بغداد عام 1948 للتدريس في إحدى كلياتها، ترتسم ص صورة حسين مردان وراء اسم «حسين عبد الأمير» الصحافيّ العامل في جريدة «تلغراف الصباح» الذي تعرّف إليه السارد جميل فران في يومه الأوّل وهو يسير في أزقة بغداد، وفي شارع الرشيد. فقد قال حسين لجميل فران أنّه أتى بقصيدة ليريها لسميحة، التي تعمل بغيا، وكانت مشغولة وحين يسأله جميل إن كان يعشق بغيا؟ أجابه «لا أبدا. هذا أمر شائع في تاريخ الأدب وأنا دائما أذكر بودلير الذي كتب القصائد عن تلك الزنجية الفظيعة». ويصوّر حسين مردان المنعوت بالغريب والبوهيميّ من قبل جميل فرّان، بأنّه أشعث، ومهلهل الثياب. ولهجته بغدادية غريبة تجمع بين خشونة الصحراء وشهوانية الحضارات القديمة. ومن حيث مذهبه في الشعر، يعرّف نفسه بأنّه شاعر سيريالي. ويشير جبرا في مقدمة كتابه «أدونيس أو تموز» الذي هو ترجمة للجزء الأوّل من مجلد «الغصن الذهبي» The Golden Bough لجيمس فريزر، والذي ترجمه جبرا وهو في القدس في أواسط أربعينيات القرن العشرين، والذي صدر في بيروت عام 1957 بأنّ حسين مردان بيّض مسوّدته.
أما الكاتب ضياء خضير فيقول:
وجعل الروائي غائب طعمة فرمان حسين مردان واحدا من أبطاله الخمسة في (خمسة أصوات) التي صدرت عام ١٩٦٧. وفي الرواية والقصيدة كلتيهما هناك تصوّر أو صورة لحسين مردان يمكن أن تطلعنا على جانب من شخصية الرجل إنسانا وشاعرا جعل من الصعلكة منهجا وسلوكا خارجاً عن المألوف، ومن شأنه أن يكون محلّا للنظر والتحليل النقدي النثري والشعري. فهو، في غربته وغرابة أطواره، يبدو كما لو كان شخصية روائية خرجت من الورق لتبحث لها عن مكان على أرض الواقع العراقي في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، تسجّل حضورها فيه، وتكون شاهدا عليه بطريقتها الخاصة. وبما أننا لا نستطيع أن نستعرض كلَّ ما ورد عنه في الرواية والقصيدة.
قصيدة النثر عند حسين مردان
عدّت بنية النثر المركز في أدب حسين مردان بنية متمردة على جنس الشعر مثلما هي متمردة على جنس النثر، فالنص في هذا الاسلوب في الكتابة لا ينتمي الى الشعر، مثلما هو غير منتم الى النثر في نمطه التقليدي، وهذا الهجين الذي يضع المتضادات في وحدة منسجمة هو نتاج عقلية وروحية حسين مردان المتمردة (غير المنسجمة) مع واقعها الخارجي فالنثر المركز بنية غير خاضعة لشروط (الوزن) والقافية كما هي في الشعر التقليدي وهي في الوقت نفسه بنية (خارج) نمطية النثر التقليدي التي ورثها الآدب العربي الحديث المتصفة باعتمادها التوصيل وظيفة اساسية لوجودها،والنثر في كتابات حسين مردان لا يعتمد التوصيل فحسب بل يرتقي الى الجمالية اذ ترتفع فيه الشعرية احياناً وينسحب النثر أمام لغة مليئة بالايحاء والرؤيا والخلق، وبإيقاعات داخلية يمكن ان تقرب المتلقي منها وكأنها قصيدة موزونة ولكن ايقاعاتها الجاذبة غالباً ما تكون مختصة بطريقة كتابة النثر المركز وهذا ما ساد في كتابات حسين مردان (في نثره المركز).
أما من الناحية التشكيلية فانه يمكن ان تتخذ نصوص النثر المركز عند حسين مردان بنية بصرية مماثلة لبنية السطر الشعري في قصيدة التفعيلة وهذا ما ميز نثره وهذه – البنية تبدو من حيث التعيين الاجناسي منتمية للشعر اذ توفرت فيها لغة عالية فهناك على حد قول ياكوبسن لغة عن اللغة، تحتوي اللغة، وما وراء اللغة مما تحدثه الاشارات من موحيات لا تظهر في الكلمات ولكنها تختبئ في مساربها
وتتحقق هذه المواصفات في النثر المركز لحسين مردان فهي لغة عالية واقرب الى الشعر من حيث انزياح اللغة عن السياق التواصلي المجرد والبناء والصورة الشعرية واذا ما حللنا نص (كريم ولحظة الانفجار)، مثلاً الذي يقول مردان فيه: كنت صديق خمر..! ارضع دخان الحانات/ وانام والهم في رأسي/ واقلب قدمي على الأرصفة نجد ان السطر الأول من هذا النص موزونا وان الوزن متحقق في (كنت صدي) على وزن مفتعلن ووزن (أرضع دخ) على الوزن نفسه، وهذا الوزن المتشابه في علاقات مفردتي السطر الاول والسطر الثني من النص وفي الموقع نفسه تشير الى وجود تناسب وزني عمودي بين السطرين، ينتقل هذا التناسب الى السطر الثالث والرابع والخامس في مفردات (وأنام) بعد حذف الميم (واقلّبُ) بعد حذف اللام الثانية والباء، ومفردة (وأنا)، وفي هذه المفردات الثلاث هناك علاقة وزنية (فعلن)، وهذا التناسب الوزني المندرج نحو الاسفل يشير الى الروح الشاعرة التي تتلبس حسين مردان- لحظة كتابة نص (النثر المركز)، وهو تمرد اخر من دون ان يعيه حسين مردان على النمط التفعيلي للشعر العربي التقليدي والمعاصر، لذلك لم يكن النثر المركز، نثراً بمعناه التقليدي ولم يكن (قصيدة نثر) بمعناها التقليدي، واذا كان حسين مردان قد سبق في النثر المركز قصيدة النثر فهناك وظائف وسياقات لكل منهما فالنثر المركز لا يرتفع الى مستويات الانزياح الذي يرتفع الى الشعرية بشكل مطلق، بل يبقى محافظاً على اصل وجوده في تعريف النقد العربي القديم له والقائل: «واكثر النثر شرح أمور متيقنة واحوال مشاهدة، وما كثر فيه الجد والتحقيق افضل مما كثر فيه المحال والتقريب»
فوزي كريم يرثيه حيا
القصيدة بعنوان «حسين مردان» كتبها الشاعر العراقي فوزي كريم قبل وفاة حسين مردان بشهور قليلة، ونشرت لاحقًا في مجلة «الآداب».
والسبب وراء كتابتها: أن فوزي كريم رأى في حسين مردان، الشاعر المتمرد وصاحب الصوت القوي في الشعر العراقي الحديث، رمزًا للوجع والحزن والانكفاء الاجتماعي. أراد أن يخلّد وجوده وأثره الشعري والإنساني في لحظة كان مردان فيها لا يزال حيًا، وهذا نادر في التراث الشعري العربي حيث يُكتب الرثاء عادة بعد موت المحب أو الصديق.
وعندما قرأ حسين مردان هذه المرثية قبل وفاته، قال لفوزي كريم إنه (يرثيه) حتى وهو حيّ — لأن النص حمل عمقًا في التعبير عن حزن الوجود، ومعاناة الشاعر في بغداد والمجتمع. كانت مفاجأة كبيرة أن يُرثى شخص وهو على قيد الحياة بهذه القوة.
المرثية لا تقتصر على رثاء فرد فحسب، بل تقدّم صورة شعرية عن بغداد، وعن غربته الداخلية ومعاناته الإنسانية كفنان يعيش بين المدن والأزقة والمقاهي، وتربط بين الحزن الشخصي والحزن الجماعي. استُخدمت فيها صور قوية مثل قطار الشمال والجنوب، والمشي في الشوارع، ووحدة الشاعر على الجسر، لتجسّد هذا الشعور المعاش.
نُظر إلى هذه المرثية كقصيدة رثائية غير تقليدية لأنها كتبت قبل موت مردان، وتُظهِر تقديرًا لروحه الإبداعية ولثرائه الشعري الذي شكّل علامة في الأدب العراقي الحديث.
مقاطع من القصيدة
يا قطارَ الشَمال
يا قطارَ الجَنوب
يا قطاراً صدئتَ بلونِ المحطةِ،
نمتَ، استرحت أمام البيوت،
هل تُريدُ اسمه
كان يكره بغدادَ،
لكنّه حينَ يستودِعُ الله فيها يموتْ.
علّمته الشوارعُ كيفَ يباغتُ ضوءاً،
ويأسِرهُ،
… علّمه الفقراءُ المباحونَ والمستريحونَ في النفي
حزناً قديماً،
وحزناً جديداً،
وحزناً تجاوَزَه بين مقهى الرصافةِ والبيتِ.
ـ هل أطرقَ اليومَ؟
ـ كان يَطرُقُ أبوابنا كلَّ يوم!
وشربتُ العشيَّةَ خمرتها،
وتبّولتُ بينَ الرصافةِ والبيتِ،
علّمني النرجسُ العذبُ أن الحياةَ توابعُ،
والأصلَ في الميْتِ.
لكنه حين يلجأُ للماءِ نرجسةٌ من رمادٍ
يُلاشيه وجهٌ غريبٌ
ووجهٌ يوزَّعُ دائرةً، دائرة…
أيها النرجسُ العذبُ،
عاشرتُ بوّابةَ الفقراءِ المباحينَ، ما جاورتني!
تكالبتُ، حتى استُبِحتُ،
وما جاورتني.
خَبرَتُ الذي بينَ ملحِ الرصافةِ والأرصفة
والذي بينَ وجهيَ والأرغفة
… فما جاورتني!
بروتريه: حسين مردان.. بودلير العصر

نشر في: 20 يناير, 2026: 12:01 ص








