TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > الاحتجاجات الإيرانية: ليست فقط ضد النظام

الاحتجاجات الإيرانية: ليست فقط ضد النظام

نشر في: 21 يناير, 2026: 12:01 ص

سردار عزيز

ترجمة: عدوية الهلالي

ظهرت موجة جديدة من المظاهرات الشعبية في إيران، لتُساهم في نمطٍ هام من موجات الاحتجاج المتكررة التي طبعت تاريخ البلاد الحديث ولا تزال تُشكّله. وبينما تميل هذه الحركات الاجتماعية إلى الظهور بشكلٍ متقطع، فإن كل واحدة منها تتشكل بفعل عوامل هيكلية وتكوينات اجتماعية ودلالات سياسية مُختلفة. ويُمكن تحليل دورة الاحتجاجات الحالية كلحظةٍ تكشف فيها العلاقة بين سلطة الدولة والمجتمع عن توتراتٍ كامنةٍ تُخفى جزئيًا في فترات الهدوء النسبي. لذا، تختلف موجة المظاهرات الحالية، من نواحٍ عديدة، عن حلقات الصراع السابقة. فما أشعل فتيل الاحتجاجات الحالية هو ميزانية الحكومة المُخطط لها للسنة المالية المقبلة، والتي تبدأ مع عيد النوروز في 21 آذار، فمن المعروف أن هذه الميزانية تُضفي طابعًا رسميًا على توقعات اقتصادية مُتدهورة بالفعل، لا سيما من خلال توقع معدلات تضخم من المُتوقع أن تتجاوز نمو الأجور بشكلٍ كبير. ولا ترتبط مفاهيم الميزانية والتضخم المُفرط والأجور عادةً بالتعبئة الثورية. مع ذلك، وكما يشير المؤرخون، يمكن أن تُشكّل ضغوط التضخم المفرط قوىً مُزعزعة للاستقرار في ظل ظروف معينة. فعلى سبيل المثال، تُؤكد دراسات الثورة الفرنسية على دور التضخم المفرط بين عامي 1794 و1796 كعامل رئيسي في تآكل الثقة الاجتماعية والشرعية السياسية.
إن الخوف المُحيط بالميزانية القادمة هو، في جوهره، خوفٌ على المستقبل. ففي الوقت الذي تشهد فيه العملة الإيرانية انهيارًا حادًا، يُتوقع أن يزداد الوضع سوءًا. ويزداد الامرصعوبةً على أفقر شرائح المجتمع. ويبدو أن الحكومة تفتقر إلى حلول عملية للأزمة الاقتصادية الراهنة، باستثناء التقشف والترشيد. وعلى الرغم من أن التصريحات بهذا الشأن تُطرح على أنها مسألة ثروة وطنية ومسؤولية جماعية، إلا أنها تشير إلى أن مشروع الميزانية يهدف إلى تحميل المجتمع عجزه المالي المزمن مباشرةً. ورغم أن الاحتجاجات ذات أصول اقتصادية، فمن غير المرجح أن تبقى محصورة في المجال الاقتصادي. ففي دولة شمولية كإيران، تكتسب جميع الأنشطة حتمًا بُعدًا سياسيًا.
لقد أشار محمد جواد ظريف في مقالته التي تحمل عنوانًا بليغًا "حان وقت تغيير النموذج الفكري"، إلى هذا التحول الجذري. وذكر أن "إيران قادرة على إحداث هذا الانتقال الحاسم من نهج يركز على مواجهة التهديدات الدائمة إلى نهج يركز على استغلال الفرص. وهذا ليس ممكنًا فحسب، بل يصبّ أيضًا في مصلحة إيران والمنطقة والمجتمع الدولي. ويتطلب تحقيقه عزيمة داخلية راسخة وعدم تدخل خارجي، لا يحركه بالضرورة الأخلاق أو القانون الدولي، بل المصلحة الذاتية فحسب". ورغم هذا النداء المنطقي، لا يزال صوت ظريف غير مسموع بين النخب الحالية. ويُعدّ هذا التحول بمثابة تمهيد لما يُسمى بالنهج البونابرتي، أي سيناريو ظهور شخصية قوية محتملة من داخل النظام.
ومن بين شخصيات المعارضة، برز اسم رضا بهلوي مع موجة الاحتجاجات الحالية. وليس من الواضح ما إذا كان ذكر اسمه "تنظيميًا أم تحفيزيًا". إنه شخصية معقدة فمعظم مؤيديه من الشباب الإيرانيين الذين لم يعايشوا حكم والده الاستبدادي، وفي كثير من الحالات، لم يلتقوا به قط. يشيرون إليه بـ"الأمير رضا". لقد غادر إيران في سن المراهقة ولم يعد إليها قط. ليس من الواضح ما إذا كان الشباب الإيراني يريد عودة الملكية أم أن دعمهم ليس إلا رد فعل على كل الشعارات والقصص المناهضة للشاه التي تم تلقينها لهم على مر السنين. مع ذلك، يُعدّ ظهور رضا بهلوي مؤشراً على أزمة القيادة داخل المعارضة الإيرانية. فهو ليس شخصية جامعة، لا سيما بين الأقليات والطوائف الدينية. إنه يُشبه أولئك السياسيين المنفيين الذين يتمتعون بقوة ظاهرة وضعف داخلي. وكما قال ماركس في كتابه "الثامن عشر من برومير لويس بونابرت": إذا كان والد رضا مأساة، فإن ابنه رضا مهزلة.
إن انطلاق المظاهرات الحالية من البازار الكبير له دلالة كبيرة، إذ يُنظر إلى البازار على أنه معقل للسلطة المحافظة و"أحد أركان الدولة الإيرانية." ومع ذلك، وكما في احتجاجات عام 2018، يبدو أن المظالم الاقتصادية هي المحرك الرئيسي لتعبئة البازار. تاريخيًا، عارض أصحاب الأسواق مشروع التحديث الذي تبناه الشاه، والذي اعتبروه تهديدًا للبنى الاقتصادية والاجتماعية التقليدية؛ وبهذا المعنى، لطالما اعتُبرت الأسواق رمزًا للتقاليد، على عكس مراكز التسوق الحديثة. وشكّل السوق، إلى جانب المسجد، أحد الجهازين المركزيين اللذين يقوم عليهما نظام الجمهورية الإسلامية. إلا أن المسجد فقد تدريجيًا الكثير من سلطته الاجتماعية والرمزية، لا سيما بين الأجيال الشابة. وإذا ما سحب السوق دعمه بالمثل، فسيفقد النظام عنصرًا حاسمًا من قاعدته المادية والاقتصادية. فبينما كان المسجد بمثابة جهاز روحي وأيديولوجي في المقام الأول، وفّر السوق للنظام جهازًا اقتصاديًا. وسيؤدي تآكل كليهما إلى جعل الدولة تعتمد بشكل متزايد على القوة القسرية من أجل بقائها. وقد يُجبر هذا الواقع الجديد النخب الإيرانية الحالية على التحول من نظام حكم شمولي إلى نموذج استبدادي. وبذلك، سيغيرون وجه النظام وخطابه، وقد يسمحون بمزيد من الحريات الاجتماعية. وقد بدأوا بالفعل في اتخاذ خطوات في هذا الاتجاه، من خلال تخفيف قواعد الحجاب. ومع ذلك، ولأسباب متنوعة، ستكون هذه خطوة محفوفة بالمخاطر وغير مؤكدة وعلى عكس الماضي، تحاول الحكومة الحالية استيعاب الغضب الشعبي. وقد بدأ ذلك باستقالة محافظ البنك المركزي، محمد رضا فرزين،إذ كانت الاستقالة محاولة لتصوير الأزمة على أنها مالية وليست سياسية، وتحمل المسؤولية. وبعد يومين، عُيّن عبد الناصر همتي، الذي شغل منصب وزير الاقتصاد من آب 2024 إلى آذار 2025، لرئاسة البنك المركزي. كما تحاول الحكومة التفاوض مع الباعة عبر تخفيف الضرائب. إلا أن هذه المحاولات باءت بالفشل حتى الآن في وقف الاحتجاجات. ومع ذلك، يُظهر ذلك أن الحكومة تُدرك الواقع الجديد وتسعى للتكيف معه.
وتبدو خيارات طهران محدودة بشكل متزايد. فالتحديات التي تواجه إيران عميقة الجذور وهيكلية، وأي تحسن دائم يتطلب تحولات سياسية وفكرية تتجاوز قدرة إدارة بيزشكيان على تحقيقها. فهل لا يزال بإمكان النظام الإيراني أن يمر بتغيير دون أن ينهار؟ هل تُشبه إيران الاتحاد السوفيتي أم الصين؟ لا توجد إجابات لهذه الأسئلة حتى الآن. إذ يبدو أن الحكومة الإيرانية عاجزة عن حل المشاكل. فإذا كان المتظاهرون يضغطون على النظام من خارجه، فإن المؤسسة نفسها تعجز عن احتواء أزماتها البنيوية.
في ظل هذه الخلفية، لن يُقدم أي من القومية أو التدين حلًا للأزمة متعددة الأوجه التي تُعاني منها إيران. لذا، فإن الاحتجاجات الإيرانية ليست مُوجهة ضد النظام فحسب، بل ضد الفكرة السائدة عن إيران نفسها. قد تتوق إيران الآن إلى الحرية والعيش الكريم، لكن سرعان ما ستُؤثر قضايا عدم المساواة والبيئة وندرة الاحتياجات الأساسية كالماء على المجتمعات الإيرانية ككل.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: راتب عالية وتقاعد لؤلؤة

العمود الثامن: انقلاب الفتلاوي

إستعادة المعنى المُغيَّب للبحث العلمي

العمود الثامن: لماذا تزعجهم بغداد؟

قناطر: نريد جسراً نعبره إلى الحياة

العمود الثامن: الصيهود قبل وبعد.. وبعد

 علي حسين أُتابع تصريحات النائب البرلماني المخضرم، محمد الصيهود، حين يتحدث عن احقية السيد نوري المالكي بالجلوس من جديد على كرسي رئاسة الوزراء ، وابتسم حيت اراه يفند مقولة " المجرب لا يجرب...
علي حسين

قناطر: الى متى؟

طالب عبد العزيز المنقلب الذي حدث في شرق سوريا زلزال جغرافي انتهي لصالح دمشق وحكومة الشرع، لكنه زلزال قائم على الحدود العراقية السورية، فالشرع رجل لا يمكنه الجام المجاميع المسلحة المتشددة، ولنا في مدن...
طالب عبد العزيز

هل سينجح ترامب في جعل أمريكا عظيمة؟!

فراس ناجي قد يبدو الحكم على سياسات الرئيس الأمريكي ترامب صعباً للوهلة الأولى، نظراً لتناقض تصريحاته وتقلّب قراراته، إلا إن هذا التخبط الظاهري يخفي رؤية متماسكة تهدف في جوهرها إلى محاولة إعادة بناء أمريكا...
فراس ناجي

الاحتجاجات الإيرانية: ليست فقط ضد النظام

سردار عزيز ترجمة: عدوية الهلالي ظهرت موجة جديدة من المظاهرات الشعبية في إيران، لتُساهم في نمطٍ هام من موجات الاحتجاج المتكررة التي طبعت تاريخ البلاد الحديث ولا تزال تُشكّله. وبينما تميل هذه الحركات الاجتماعية...
سردار عزيز
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram