عبد الخالق كيطان
مثل كل عام، القصة نفسها تتكرر. تزدحم جداول النجوم وترتفع سقوف الديكورات وتبدأ الكاميرات بالدوران. موسم دراما رمضان على الابواب.. فماذا يريد الجمهور العربي؟
الدراما بحد ذاتها سلعة مرغوب بها في كل الأحوال وفي كل المواسم. هي جزء من وجودنا الدرامي في هذا الزمن. هنالك من ينظر للموضوع من زاوية تجارية، ترفيهية، تثقيفية، فكرية… الخ.. وكل ذلك صحيح ومحمود. ذلك أن الدراما التي خلقت للاهداف النبيلة، او هكذا كانت بداياتها في متون الكتب المؤسسة، لا تتعارض مع الأغراض الأخرى، وفي ظني كلها نبيلة بما فيها الغرض التجاري.
ولكن لأعمال رمضان خصيصة مضافة. وهذه الخصيصة تتعلق بالشهر الفضيل نفسه، مزاجه ومتطلباته. فعلاوة على الجانب الروحي لشهر رمضان الكريم، هنالك جانب معرفي فيه. بمعنى أن الصائم يريد ان يقضي يومه، على ما أزعم، ما بين العبادات والروحانيات من جهة، ومن جهة ثانية في الترويح وسد ساعات السباة.
في ايام القناة الرسمية الواحدة كانت التلفزيونات العربية، الحكومية بالضرورة، تعتمد شروطا معينة لهذا النوع من الدراما.. فتنتج مثلا: دراما دينية، أو دراما تراثية، أو دراما إجتماعية. هذه الأنواع الثلاثة كانت زاد المتفرج منذ الستينيات والى حوالي منتصف التسعينيات، أي إلى زمن الغزو التلفزيوني الفضائي.
الأعمال التي كانت تقدم في الفترة الأولى متقنة. يتم صرف ميزانيات مالية كبيرة من أجل إنتاجها. ولنأخذ الأعمال الدينية والتراثية على سبيل المثال. فهي أعمال تتطلب مؤلفين دراميين ملمين بالتاريخ العربي والإسلامي. هؤلاء قد يواجهون نقدا قاسيا فيما لو تهاونوا في سرد الرواية التاريخية أو محاولة تأويلها أو إخضاعها للمنطق الدرامي. ثم إن أعمالهم تخضع لمراجعة مختصين قبل البدء في إنتاجها. وفي ضوء ما تقدم يتم اختيار الممثلين، المشرف اللغوي، الازياء، الديكورات، التقنيات.. الخ.
من المؤسف أن ذلك صار حكاية من الماضي. لا أحد اليوم يجرؤ على تقديم مثل هذه الأعمال وذلك لسببين مباشرين هما: الكلفة الإنتاجية العالية، والاستسهال الفج. الدراما التاريخية أصبحت عملة نادرة بالرغم من أهميتها التربوية والاجتماعية. والأمر لا يقتصر على الدراما الدينية، بل حتى تلك المستندة على الحكايات الخرافية المسلية، مثل حكايات ألف ليلة وليلة. هل من الصحيح القول إن الجمهور العربي لا يريد متابعة هذا النوع من الأعمال في شهر رمضان؟ ولكن السؤال المباشر هنا هو: هل هنالك من قام باستبيان مسحي للجمهور العربي عن نوع الدراما التي يتمنى مشاهدتها في رمضان؟ اكاد اجزم بالنفي. لماذا؟ لأن ما يقدم على الأعم الأغلب لا يراعي شروط أو متطلبات دراما الشهر الفضيل.
تغرق الدراما العربية الآن في موضوعات بعيدة كليا عن شهر رمضان. هنالك، مثلا، قصص مملة عن المخدرات والجريمة والعري.. ولكنك لن تشاهد عملا مستوحى من التراث، على سبيل المثال، لأن الحجة غالبا ما تكون في تكلفة مثل هذا النوع من الأعمال، وهي تكلفة عالية ولا شك.
وإذا انتقلت الى دراما العائلة، أو الدراما الاجتماعية، فانك تشاهد مسلسلات تكرس أو تدعو إلى أو تعرض قصصا مغالية في التفكك الأسري. اي نعم ان هذه القصص مستلة من واقعنا الحياتي، ولكن السؤال: لماذا تقدم في الموسم الرمضاني؟ الجواب: نعم.. إنه سوق رائج.
دراما العائلة هي احد ارقى انواع الدرامات عالميا. بل تكاد اليوم تكون الوحيدة القادرة على شد انتباه المشاهد. ولكنها سلاح ذو حدين ايضا. الذهاب نحو البطل الشعبي الخارق، مفتول العضلات، الذي يحمي الضعيف بسبب ما تعرض له هو شخصيا من محن، أصبحت قصة مملة ومكررة. لماذا يتم نسيان دور الأب في العائلة العربية؟ الأم وسيرتها العطرة في كل بيت؟ الحياة التقليدية للعائلة العربية؟ هل من الصعب استنباط الحكايات من قصص الناس البسطاء؟
تستطيع أن تنظر بعين الرضا لتطور دراما رمضان في الخليج العربي مثلا. وتستطيع القول إن الدراما المصرية محكمة الانتاج وان السورية فيها مفاتن في فن التمثيل.. تستطيع أن تقول الكثير عن دراما العراق والمغرب العربي.. ولكنك ستقف عاجزا امام الاصرار على تجاهل المتلقي، وعدم الاستئناس برأيه فيما يقدم من مواضيع.
وفي الحديث عن حاجات المشاهد العربي سترى الإسفاف في الكوميديا بوصفها نافذة معقولة للترفيه في الشهر الفضيل. لقد فهمت الكوميديا عندنا لا بوصفها "كوميديا موقف" وإنما كوميديا البذاءة والشتيمة والسخرية من معايب الجسد. يكرر الكثير من الممثلين أنفسهم في هذا النوع من الدراما بعد أن أصابوا نجاحا معينا في أعمال سابقة. وبالرغم من أن الجمهور يصفق لهم، ولكن الحقيقة التاريخية أنهم شيئا فشيئا يتحولون الى الرف بمجرد وصول نموذج جديد الى مساحتهم التمثيلية. والأمر لا يحتاج الى عناء تفسير ما دام هؤلاء يكررون أنفسهم في كل دور يناط بهم. والمخرج الذي يستسهل عمله هو الاخر، يسند الى هؤلاء الأدوار ذاتها.
بالطبع ثمة أنواع اخرى من الدراما افتقدت كليا في العقد الأخير، مثل: دراما الفوازير. أو تحولها إلى فجاجة متناهية مثل دراما: الكاميرا الخفية. أو تحولها للفضائحية مثل دراما لقاءات النجوم.
أن الموسم الرمضاني يقدم فرصة ذهبية لصناع الدراما العربية في عرض أعمالهم على شريحة واسعة جدا من المتلقين، ولكن هذا لا يكفي إذا لم يرافقه مراجعات دورية تحاول فهم مزاج المشاهد العربي وما يتوق الى مشاهدته على الشاشة طيلة أيام شهر رمضان المبارك.
*كاتب عراقي
قبل رفع الستار عن دراما رمضان: ما الذي يريده المشاهد العربي؟

نشر في: 21 يناير, 2026: 12:02 ص








