متابعة / المدى
عاد التوتر بين إيران والولايات المتحدة إلى الواجهة، مع تبادل رسائل سياسية حادة في العلن، في وقت تتسارع فيه التحركات العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط. فبينما وجهت طهران تحذيراً مباشراً لواشنطن عبر مقال لوزير خارجيتها عباس عراقجي، تواصل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب مناقشة خيارات عسكرية محتملة ضد إيران، وسط تصعيد لفظي وربط بين الاحتجاجات الداخلية الإيرانية والدور الأميركي – الإسرائيلي في المنطقة.
ووجهت إيران رسالة جديدة إلى الولايات المتحدة ورئيسها دونالد ترامب، على خلفية التهديدات الأميركية المتكررة بشن هجمات عليها، استناداً إلى ما تقول واشنطن إنه «قمع للمتظاهرين» خلال الاحتجاجات التي شهدتها مدن إيرانية عدة في الآونة الأخيرة. وجاءت هذه الرسالة عبر مقال وقّعه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، ونشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية، في خطوة نادرة تعكس رغبة طهران في إيصال موقفها مباشرة إلى الرأي العام الأميركي وصناع القرار في واشنطن.
وقال عراقجي في مقاله إن «على عكس ضبط النفس الذي أظهرته إيران في يونيو 2025، فإن قواتنا المسلحة القوية لن تتردد في الرد بكل ما لديها إذا تعرضنا لهجوم جديد»، في إشارة إلى الهجمات الأميركية التي استهدفت، قبل أشهر، ثلاثة مواقع نووية إيرانية، في خضم الحرب التي بدأت إسرائيل بشنها على إيران. وأضاف أن هذا الموقف «ليس تهديداً، بل واقع» أراد توضيحه «بصراحة تامة».
وأكد الوزير الإيراني، الذي وصف نفسه بـ«الدبلوماسي المخضرم الذي يكره الحرب»، أن أي مواجهة شاملة لن تكون قصيرة أو محدودة، محذراً من أنها «ستكون شرسة للغاية وستستمر لفترة أطول بكثير من الجداول الزمنية الوهمية التي تحاول إسرائيل ووكلاؤها إقناع البيت الأبيض بها». ورأى أن أي عمل عسكري أميركي ضد بلاده سيؤدي إلى حرب «تشمل المنطقة بأسرها»، ولن تقتصر آثارها على الأطراف المباشرة، بل «ستؤثر على الناس العاديين في جميع أنحاء العالم».
ورغم هذا التحذير، شدد عراقجي على التزامه الشخصي بمحاولة تفادي التصعيد، قائلاً: «سأفعل كل ما في وسعي لمنع حدوث هذا السيناريو». وفي السياق ذاته، هاجم ما وصفه بـ«موجة الأخبار المزيفة الواضحة» في وسائل الإعلام الغربية حول الأحداث الأخيرة في إيران، معتبراً أن الاحتجاجات «بدأت سلمية واعترفت بها الحكومة الإيرانية»، قبل أن «تتحول فجأة إلى العنف» نتيجة تدخل «عناصر إرهابية داخلية وخارجية».
وأوضح أن السلطات الإيرانية رأت نفسها مضطرة إلى قطع وسائل الاتصال «بين منظمي المظاهرات والمثيرين للشغب»، متهماً أطرافاً خارجية بمحاولة استغلال الاحتجاجات لزعزعة الاستقرار الداخلي. وربط عراقجي بين هذه التطورات وما سماه «محاولات جر الولايات المتحدة إلى حرب جديدة نيابة عن إسرائيل»، لافتاً إلى تهديدات متكررة أطلقها ترامب بتوجيه ضربات إلى إيران.
وفي هذا الإطار، أشار الوزير الإيراني إلى ما قال إنه اعتراف من مدير سابق لوكالة الاستخبارات الأميركية بتورط جهاز الموساد الإسرائيلي في المظاهرات، معتبراً أن هذه «حقيقة لا يمكن تجاهلها». وأضاف أن الاحتجاجات كانت في بدايتها «من دون أسلحة»، إلا أن الوضع تغير، بحسب قوله، «بعد ساعات قليلة من إعلان ترامب عن إمكانية التدخل في حال حدوث عنف جماعي»، حيث فوجئت قوات الأمن الإيرانية بـ«هجمات مسلحة منسقة وعلى نطاق واسع»، استُهدف خلالها رجال الشرطة ومدنيون، وأصيب ضباط، وأُحرقت جثث، بل و«قُطعت رؤوس بعضهم».
وانتقد عراقجي بشدة سياسة ترامب الخارجية، قائلاً: «يرى ترامب نفسه صانع صفقات، لكن ما جلبه حتى الآن لمنطقتنا كان فقط الحرب». ودعا إلى النظر في حصيلة الضحايا في «فلسطين ولبنان وسوريا واليمن وإيران وحتى قطر»، متسائلاً عن عدد الأرواح التي فُقدت خلال «12 شهراً من رئاسته»، قبل أن يخلص إلى أن «الوقت قد حان لتغيير النهج».
كما اتهم «وكلاء إسرائيل في البيت الأبيض»، على حد وصفه، بإفشال فرص التوصل إلى حل وسط خلال المفاوضات النووية التي جرت بين واشنطن وطهران في سلطنة عمان في وقت سابق من العام الماضي، معتبراً أنهم «لا يهتمون بمصالح الولايات المتحدة على الإطلاق». وأكد أن إيران «دائماً تختار السلام على الحرب»، وأنها أبدت استعداداً متكرراً لـ«مفاوضات جادة» تهدف إلى اتفاق «عادل ومتوازن»، لكنه أشار إلى أن التجارب الأخيرة، ولا سيما في يونيو وسبتمبر 2025، جعلت طهران غير مقتنعة بأن واشنطن «تتبنى العقلية نفسها».
وختم عراقجي مقاله برسالة مباشرة إلى ترامب، قال فيها إن الولايات المتحدة «جرّبت كل أشكال الأعمال العدائية الممكنة ضد إيران»، من العقوبات الاقتصادية والهجمات الإلكترونية، وصولاً إلى «الهجوم العسكري المباشر»، وآخرها «دعم عملية إرهابية كبرى»، مؤكداً أن «جميعها فشلت». ودعا الإدارة الأميركية إلى «التفكير بطريقة مختلفة»، مضيفاً: «جرّبوا الاحترام، فسيتيح لنا ذلك التقدم أكثر مما يعتقد البعض».
في المقابل، ورغم تراجعه عن شن ضربات على إيران الأسبوع الماضي، لا يزال الرئيس الأميركي دونالد ترامب يضغط على مساعديه من أجل تنفيذ ما يسميه «خيارات عسكرية حاسمة» ضد طهران. وذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن هذه المناقشات تتزامن مع إرسال الولايات المتحدة حاملة طائرات وطائرات مقاتلة إلى الشرق الأوسط، في انتشار قد يشكل بداية لحشد عسكري أوسع يمنح ترامب القدرة على توجيه ضربات إذا قرر ذلك.
وبحسب مسؤولين أميركيين، استخدم ترامب مراراً كلمة «حاسمة» لوصف الأثر الذي يرغب في أن تحققه أي خطوة عسكرية محتملة، ما دفع مساعديه في وزارة الدفاع والبيت الأبيض إلى إعداد مجموعة من الخيارات، تتراوح بين خطوات تهدف إلى «إجبار النظام الإيراني على التنحي»، وأخرى «أكثر اعتدالاً» قد تشمل استهداف مواقع تابعة للحرس الثوري الإيراني.
ورغم عدم صدور أوامر مباشرة بتنفيذ ضربات حتى الآن، يشير استمرار النقاشات داخل الإدارة الأميركية إلى أن خيار «معاقبة طهران» لا يزال مطروحاً، خصوصاً بعد مقتل آلاف المتظاهرين خلال الاحتجاجات الأخيرة في إيران. وعندما سُئل ترامب، الثلاثاء، عما إذا كانت الولايات المتحدة قد تشن ضربة، قال إن «النظام استجاب لتحذيرات واشنطن وألغى خطط إعدام 837 شخصاً الأسبوع الماضي»، مضيفاً: «علينا أن ننتظر لنرى ما سيحدث مع إيران».
وبينما تتواصل هذه المداولات، سارع البنتاغون إلى تعزيز وجوده العسكري في المنطقة. فقد هبطت طائرات مقاتلة أميركية من طراز «إف 15 إي» في الأردن، الأحد، وفقاً لمسؤولين أميركيين وبيانات تتبع الرحلات، في حين رُصدت حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس أبراهام لينكولن» ومجموعتها الضاربة، التي تضم مدمرات وطائرات «إف 35» ومقاتلات أخرى وطائرات تشويش إلكتروني، وهي تبحر غرباً من بحر الصين الجنوبي باتجاه الشرق الأوسط. وأفاد مسؤولون أميركيون بأنه سيتم أيضاً تعزيز الدفاعات الجوية في المنطقة، بما في ذلك نشر المزيد من منظومات «باتريوت» و«ثاد» المضادة للصواريخ، تحسباً لأي رد إيراني محتمل.









