TOP

جريدة المدى > سينما > "أرض ضائعة".. عن معاناة شعب الرّوهينيغا وبلغتهم

"أرض ضائعة".. عن معاناة شعب الرّوهينيغا وبلغتهم

نشر في: 22 يناير, 2026: 12:03 ص

ترجمة: قحطان المعموري

بعد أن ركّز المخرج الياباني أكيو فوجيموتو لفترة طويلة على معاناة اللاجئين، يوجّه اهتمامه اليوم إلى عائلة تخوض رحلة محفوفة بالمخاطر من بنغلاديش إلى ماليزيا. لطالما كان إخفاق القانون في حماية من هم في أمسّ الحاجة إليه، ولا سيما اللاجئين، موضوعًا محوريًا في أعمال المخرج أكيو فوجيموتو. ففي فيلمه (ممرّ الحياة) المُنتج عام 2017، نرى شخصًا بورميًا غير موثّق يتعرّض لتمزّقٍ قاسٍ في طوكيو بعدما تُجبره الظروف على اقتلاع نفسه مرة أخرى والانتقال إلى ميانمار، البلد الذي لم يعش فيه أطفاله قط، إذ وُلدوا ونشأوا في اليابان. أما فيلم (عبر البحر) المُنتج عام 2020، فيتناول استغلال العمال الأجانب، من خلال تتبّع ثلاث نساء فيتناميات يعملن في اليابان ويُحرمن من تلقي العلاج في المستشفى بعدما يصادر أرباب عملهن جوازات سفرهن.
يأتي فيلم (أرض ضائعة) ليشكّل الحلقة الثالثة في هذه السلسلة القوية من الدرامات التي تتناول العداء الشديد الذي تبديه المؤسسة الرسمية تجاه المشرّدين، مركّزًا هذه المرة على الروهينغا، وهم شعب مسلم بات عمليًا بلا وطن عقب الإبادة الجماعية في ميانمار. يتناول الفيلم الإحساس بفقدان الأرض تحت القدمين؛ فهو عمل يتحرك على الدوام إلى الأمام بحركة متوترة ومفككة وإيحائية، وهو يرسم رحلة عائلة من الروهينغا من بنغلادش إلى ماليزيا.، ويبدو منسجمًا مع فيلم مسابقة مهرجان طوكيو السينمائي الدولي (الأم بهومي) الذي يهتم بدوره بتاريخ المنطقة، ولا سيما بما يتعلق بمختلف الجماعات العرقية التي غذّت قرارات الحكم البريطاني التناحر فيما بينها.
يترك فيلم فوجيموتو سريعًا دفء وطمأنينة المنزل الصغير، إذ يراقب الطفلين (الشقيقين في الحياة الواقعية محمد شفيق رياض الدين وشوميرا رياض الدين) وهما يلعبان (الغُمّيضة) بينما تقوم عمتهما وعمهما، في حالة من الهلع، بحزم أمتعتهما استعدادًا للهجرة؛ وسرعان ما يُجبرا على اتخاذ خيارات مؤلمة بترك ما يملكانه من مقتنيات مادية من أجل رعاية الأطفال بشكل أفضل. الأخت الكبرى، سوميرا — البالغة من العمر تسع سنوات — تُجبر بسرعة وبشكل مأساوي على النضوج خلال أسبوع واحد فقط، إذ تجد نفسها مسؤولة عن شقيقها شافي ذي الأربع سنوات أثناء هذا النزوح المروّع. يصرخ قادة القوارب في العائلات مطالبين إياهم بالتخلي عن هواتفهم وإسكات أي قدر ضئيل من التعبير يستطيع الركاب التمسك به، يغني رجل: «أتساءل متى يمكنني العودة إلى وطننا»). وفي مرحلة لاحقة من الرحلة، تصطدم العائلة بالمهربين في تايلاند، ما يقود إلى وضع أكثر يأسًا، حيث يُضطر الأطفال إلى الاعتماد على أنفسهم للبقاء.
يصور فوجيموتو منذ البداية بأسلوب يكاد يكون وثائقيًا، لكن هذا لا يعني أن الفيلم كان بارداً أو تحليلياً في تناوله لهذه القصة. غالبًا ما تدور الكاميرا حول الأطفال ومن منظورهم، مبرزة ما يرونه ويشعرون به (مثل الإحساس بالاختناق داخل القارب الذي يستقلونه إلى ماليزيا)، وغرائز الهروب أو البقاء التي يُجبرون على تعلمها. يتعمد فوجيموتو جعل مشغّل الكاميرا حاضرًا في المشهد المصوَّر بوصفه شاهدًا غير مرئي: ففي بعض اللحظات تشعر أن المصوّر ينهض مع الشخصيات، أو في أحد المشاهد حين يسرق الأطفال بعض الخيزران بدافع اليأس، تشعر بوجوده وهو يركض معهم. غالبًا ما تُناقش معاناة الروهينغا من حيث حجمها واتساعها، لذلك تبدو الجهود البصرية لفوجيموتو في تقليصها إلى مستوى إنساني ذات دلالة عميقة للغاية.
يُركّب المخرج الفيلم بأسلوب متقطع، حبث يبدأ ببطاقات عناوين تعلن «اليوم الأول» و«اليوم الثاني»، ثم يقفز فجأة إلى «اليوم الثامن» ثم «اليوم الرابع عشر» حيث يبدأ الزمن بالانفلات. تُقابَل حكاية ترويها عمة سوميرا عن شجرة مانغو نجت من حرق قريتهم بردٍّ يأتي في شكل مونتاج حُلْمي للنار، يُروى بصوت دعاء من القرآن الكريم لأرواح الضائعين. ثم تنزلق هذه السلسلة لتُظهر أن أحد ركاب القارب قد توفي، وتحديدًا رجلًا مسنًا يؤكد أن «المقارنة بماضينا، لا تعدو شيئًا». إن عذاب فيلم «اأرض ضائعة» دائم ومتواصل؛ فهو لا يُجمِّل البؤس أو يضفي عليه طابعًا جماليًا، بل يعمل بمعنى انه يرثي أولئك الذين تُنقَل قصصهم إلى المخرج (إذ عمل فوجيموتو مباشرة مع شعب الروهينغا في صنع الفيلم، وهو ما يجعله أول عمل يُستخدم فيه لغة الروهينغا). والأهم أن مآسي الفيلم لا تنبع من نزعة تشاؤمية لدى صانعه، بل من التعاطف.
يتضح هذا الإحساس في مشهد صُوِّر تقريبًا على طريقة شهادات الأفلام الوثائقية: مونتاج للاجئين من الروهينغا يتحدثون عن الأحلام التي سيحققونها عندما يصلون إلى ماليزيا. تشمل تلك الأحلام افتتاح مشروع لبيع السيارات، أو أن يصبح المرء معلمًا، أو — في حالة الأطفال — شراء حذاء وقبعة. يبلغ الفيلم ذروته وحدّته عندما تكون العائلة الرئيسية مندمجة مع مجموعات أخرى من اللاجئين، ما يسمح له بأن يعمل نافذةً على سلسلة من القصص الأوسع، سواء عمّا يُجبَر لاجئو الروهينغا على تحمّله في بحثهم عن وطن، أو عن العداء الصريح الذي يواجهونه من الشرطة في بلدان مختلفة. وعلى الرغم من اهتمام الفيلم بشخصياته، بل وأمله بها في لحظات نادرة من اللطف والإحسان، فلا مكان هنا للتفكير السحري؛ إذ تظل النغمات التراجيدية الختامية عالقة ومؤلمة، حتى حين يتشبث أحد الشخصيات بذكرى شجرة المانغو الخاصة بالعمة، وكأنما للتأكيد على أن مشاركة الحكايات قد تمنح شكلًا من الخلاص الشخصي، لكن ذلك الخلاص لا يمكنه أن يمتد إلى ما لا نهاية.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

شاهدت لك: فيلم العقل المدبر

فيلم "موسم الحصاد" يحصد جائزة الدب الفضي: تقلبات الحياة الريفية في الصين في عيون طفل بريء

"أرض ضائعة".. عن معاناة شعب الرّوهينيغا وبلغتهم

مقالات ذات صلة

سينما

"أرض ضائعة".. عن معاناة شعب الرّوهينيغا وبلغتهم

ترجمة: قحطان المعموري بعد أن ركّز المخرج الياباني أكيو فوجيموتو لفترة طويلة على معاناة اللاجئين، يوجّه اهتمامه اليوم إلى عائلة تخوض رحلة محفوفة بالمخاطر من بنغلاديش إلى ماليزيا. لطالما كان إخفاق القانون في حماية...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram