محمد العبيدي
يثير التأخير المتكرر في تمويل الوزارات والمؤسسات الحكومية قلقاً متزايداً في الأوساط الرسمية والشعبية، مع اقتراب مواعيد صرف الرواتب وازدياد المؤشرات على شح السيولة داخل الجهاز المصرفي الحكومي.
وهذا التأخير، الذي لم يعد استثناءً، بات يطرح تساؤلات أعمق حول سلامة الإدارة المالية، وقدرة الدولة على الإيفاء بالتزاماتها الشهرية في ظل ضغوط داخلية وخارجية.
ويبرز ملف السيولة المالية مجدداً إلى الواجهة مع موعد صرف رواتب الموظفين، مع حديث متزايد عن تأخر إطلاق التمويلات المخصصة للوزارات، مقارنة بالأنماط المعتادة التي كانت تعتمدها وزارة المالية في السنوات السابقة.
وبعد أن كان التمويل يُطلق عادة في منتصف الشهر تقريباً، باتت المواعيد تتأخر إلى ما بعد اليوم العشرين، وسط ترقّب الموظفين والمتقاعدين لمصير رواتبهم.
رسائل سافايا
وتزامنت التطورات المالية مع رسالة سياسية – اقتصادية شديدة اللهجة وجهها المبعوث الأميركي الخاص لشؤون العراق مارك سافايا، حمل فيها الفساد المسؤولية الجوهرية عن اختلال الاستقرار المالي والإداري في البلاد.
واعتبر سافايا أن "الميليشيات" ليست سوى نتيجة مباشرة لمنظومة فساد مزمنة"، مؤكداً أن "شبكات الفساد لا تعمل فقط عبر كبار المسؤولين، بل من خلال هياكل معقدة تضم مستويات أدنى، صُممت بعناية لتوفير الغطاء والتنصل من المسؤولية، وتمكنت خلال أكثر من عقدين من الالتفاف على آليات التدقيق والرقابة الدولية.
وربط المبعوث الأميركي بشكل مباشر بين الفساد المالي واستمرار نفوذ الجماعات المسلحة، مشيراً إلى أن "منظومات التمويل غير المشروع، مثل الرواتب الوهمية والقروض الزائفة، كانت أحد أهم مصادر تغذية هذه الجماعات".
تمويل بالقطّارة
بدوره، أكد مصدر مطلع أن "التمويلات ما زالت تُطلق بشكل متقطع وبالقطارة، مقارنة بسنوات سابقة كانت فيها بعض الوزارات، ولا سيما الأمنية، تتسلم مخصصاتها في الخامس عشر من كل شهر"، مضيفاً أن "التأخير الحالي يعود بالدرجة الأساس إلى شح السيولة بانتظار تحويلات من البنك المركزي، حيث إن فارق خمسة أو سبعة أيام بات مؤثراً في دورة الصرف".
وأوضح المصدر الذي طلب حجب اسمه لـ(المدى) أن "تزويد الاحتياطي الفيدرالي بالدولار يشهد بدوره تأخيرات متكررة"، مرجحاً أن يكون ذلك "نتيجة إجراءات مشددة أو اعتبارات مقصودة تتعلق بإدارة التدفقات النقدية، الأمر الذي ينعكس مباشرة على قدرة المصارف الحكومية في الإيفاء بالتزاماتها الشهرية".
ومنذ أشهر عدة، أصبحت رواتب الموظفين وكذلك المتقاعدين تتأخر بشكل لافت، ما خلق حالة من التململ الشعبي والقلق إزاء الوضع المالي العام، لا سيما في ظل التحذيرات الاقتصادية المتكررة من خبراء بشأن هشاشة النموذج المالي القائم.
وهذا القلق يتزامن مع ارتفاع الالتزامات المعيشية للأسر، وتراجع القدرة الشرائية بفعل التضخم والرسوم الجديدة، إذ يرى باحثون اقتصاديون أن جذور الأزمة تتجاوز أزمة سيولة ظرفية، لتلامس بنية الاقتصاد الريعي ذاته.
ماذا عن "تنويع الإيرادات"
وفي هذا الإطار، قال الباحث في الشأن الاقتصادي دريد العنزي لـ(المدى) إن “الاعتماد شبه الكامل على تمويلات النفط سيُبقي العراق عرضة للاختناقات المالية، خصوصاً مع الزيادة المستمرة في أعداد الموظفين واستمرار التعيينات دون إصلاحات موازية”.
وأضاف أن “تنويع الموارد تحول إلى شعار مستهلك، جرى الترويج له مراراً من دون استجابة حقيقية أو سياسات تنفيذية فعالة"، محذراً من أن "غياب إجراءات اقتصادية ناجحة ومستدامة سيُبقي أي حلول آنية رهينة للظروف الخارجية، سواء المتعلقة بأسعار النفط أو بالقيود المالية الدولية".
وفي موازاة ذلك، اتخذت الحكومة العراقية خلال الفترة الماضية سلسلة إجراءات تقشفية، من بينها تفعيل قوانين الضرائب والرسوم، في محاولة لتعزيز الإيرادات غير النفطية، غير أن هذه الخطوات أثارت قلقاً واسعاً من انعكاساتها على أسعار البضائع والسلع، ما يضع الحكومة أمام معادلة صعبة بين سد العجز المالي والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي.
تمويل بالقطّارة وقلق متصاعد.. رواتب الموظفين عالقة بين شح السيولة ورسائل واشنطن

نشر في: 22 يناير, 2026: 12:02 ص









