TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > قناديل: فخٌّ عنوانُهُ "كائن الأفكار "

قناديل: فخٌّ عنوانُهُ "كائن الأفكار "

نشر في: 25 يناير, 2026: 12:04 ص

 لطفية الدليمي

هناك أسئلةٌ تبدو بسيطة عاديّةً في ظاهرها؛ لكنّك كلما اقتربتَ منها اكتشفتَ أنّها فخاخٌ أنيقة ومرعبة. أحدُ هذه الأسئلة»هل يمكنك أن تعيش مع أفكارك فقط؟». لا بشر، لا ضجيج علاقات، لا احتكاك يوميّاً، فقط أنت وما يحومُ في رأسك. السؤال يُطرَحُ غالباً بوصفه وعداً بالصفاء الروحي تماشياً مع الإعلان السارتري «الآخرون هم الجحيم»؛ لكنّه في العمق قد يكون إعلاناً مبكراً عن عزلة قاسية.
عنوان المقالة يحيلني إلى ذاكرة السينما: فيلم Rain Man، أواخر ثمانينيّات القرن الماضي. داستن هوفمان يؤدي دور رجل عبقري، يعيش داخل فقاعة صلبة من أفكاره، غارق في الإنفصال عن العالم، شديد الإلتصاق بنظامه الداخلي المغلق. الفيلم، مثل كثيرٍ من الأعمال التي تناولت العبقرية، يلمّح إلى فكرة راسخة: العباقرة يعيشون مع أفكارهم أكثر مما يفعلون مع البشر. الفكرة مغرية، شاعرية، جاذبةٌ لمن لم يزل شاباً يغريه بريقُ الإعلانات البرّاقة؛ لكنّما هذه الفكرة هي بعضُ الحقيقة فقط. نعم، هناك بشرٌ يملكون حياة داخلية طاغية، أفكارُهُمْ كثيفة، عوالمهم الذهنية أوسع من غرفهم وأصدقائهم؛ لكن هل يستطيع هؤلاء الإستغناء الكامل عن البشر؟ أم أنّ هذه صورةٌ رومانسيةٌ اخترعناها كي نفسّر ألم العزلة بوصفه ثمناً معقولاً ومقبولاً للتميّز والإنجاز؟
أتذكر أنني ترجمتُ يوماً مقالة في صحيفة الغارديان البريطانيّة، عنوانُها (لماذا يحتاج عقلك بشراً آخرين؟). كانت المقالة صادمةً في هدوئها العلمي، لا تتحدّثُ عن العلاقات البشريّة، وبخاصّة مع من نحبّ، بوصفها ترفاً بل ضرورة عصبية لنموّنا النفسي والجسدي. الدماغ لا ينمو في الفراغ، ولا يستقرُّ في الصمت الاجتماعي. حتى أبسطُ الفعاليات الذهنية - من التركيز إلى إتّخاذ القرار - تحتاج شبكة من التفاعلات الإنسانية كي تتوازن. من هناك، من نقطة التوازن الروحي – النفسي- الجسدي تتصاعد مراتبُ الإنجاز البشري من الإيفاء بأساسيات الحياة اللازمة للمعيش اليومي قُدُماً إلى أعلى مراتب الإبداع. بعبارة أخرى: الفكرة لا تعيشُ وحدها طويلاً. تحتاج جسداً آخر يسمعها، يعترض عليها، يربِكُها، أو حتى يسيء فهمها. سوء الفهم نفسه غذاءٌ ذهني. هل انتبهت إلى ذلك؟
وبرغم هذا ستجدُ من يتهلّلُ فرحاً إذا قيل له: (ثمّة فرصةٌ لك لتعيشَ مع أفكارك فقط). ستجد من يبتسم للحلم ويقعُ في غواية التخيّلات اللذيذة: كوخ خشبي، نافذة تطلُّ على بياض أبدي، مكانٌ بعيد في جزيرة سفالبارد قرب تخوم القطب الشمالي. لا مكالمات، لا إلتزامات إجتماعية، لا استنزاف عاطفي. فقط أفكارك، نقية، باردة، ممتدّة أمامك مثلما يفعل الجليد المرئي عبر نافذتك. الكلام ليس كالفعل. لا بأس من تجربة لبضعة أيّام على سبيل تمثّل تجارب عيش جديدة؛ لكن من غير أن تتحوّل التجربة الوقتيّة إلى عيش مديد.
أنا جربتُ ذلك وإن لم يكن في سفالبارد المثلجة. جربتُهُ في باريس. مدينة يُفترَضُ أنّها صديقةُ الروح، حاضنةُ للفكر، مختبرٌ مفتوح للمثقّفين. عشتُ هناك مع أفكاري أكثر مما عشْتُ مع البشر. كنتُ أظنُّ أنّ المدينة ستعوّض غياب العلاقات، وأنّ الشوارع والمقاهي والمتاحف ستكفي؛ لكنّها لم تفعل. التجربة كانت ثقيلة الوَقْع: ثقيلة على الروح أولاً، ثم على العقل، ثم على القلب. الأفكار، حين تُترَكُ وحدها طويلاً، لا تصبح أكثر صفاءً بل أكثر قسوة. تدور حول نفسها، تعيدُ إنتاج مخاوفها، وتفقد حسّ الإبداع. ما كان يبدو تأمّلاً عميقاً تحوّل ببطء إلى اجترار، وما كان يُظَنُّ أنّه حريةٌ ذهنيةٌ صار عبئاً يوميّاً. اكتشفتُ هناك حقيقة مزعجة: الإنسان لا يفكّرُ فقط لكي يفهَمَ، بل لكي يُرى. الأفكار تحتاج شاهداً حتى لو كان صامتاً. تحتاج وجهاً آخر يؤكّدُ أنّك كائنٌ بشريٌّ لا يتموضعُ فقط في نطاق الأفكار المتصارعة داخل رأسك. هنا تسقط خدعة (كائن الأفكار) بمفهومها الكلاسيكيّ الصلب، وتتهافتُ الفكرة التي تقول بوسعك أن تسكن رأسك إلى الأبد دون ثمن. الثمن مدفوعٌ ربّما من غير أن تدري، وقد يكون مؤجَّلاً. يأتي في شكل تعب غير مفهوم، ضيق بلا سبب واضح، ثقلٌ في الصدر لا تعالجُهُ الكتبُ ولا الموسيقى.
ليس المطلوبُ أن نهرب من أفكارنا، ولا أن نُذيب أنفسنا في الآخرين. المطلوب هو هذا التوازن الهش: أن نعود إلى أفكارنا لنفهم، ثم نخرج إلى البشر لنختبر. العبقريُّ الحقيقي ليس من ينعزل كليّاً بل من يعرف متى يغلق الباب ومتى يفتحُهُ.
الأفكار، مهما بدت مكتفية بذاتها، تُصابُ بالهشاشة إذا لم تُلامس حياة أخرى تبادلها الحبّ والمودّة والرّفقة المنعشة. وحدهم البشر، ومهما بدوا مشتّتين ومزعجين، هم المرآة الوحيدة التي تمنَعُ أفكارنا من التحوّل إلى سجن أنيق.
*****
الأفكار حين تطول إقامتُها في العقل تغدو معضلة قاسية. المشكلة لا تبدأ منذ اليوم الأول للعزلة. في البداية قد تشعرُ بنشوة خفيفة، كأنّك أخيراً تخلّصتَ من الضجيج الزائد، من المجاملات الإجتماعية، من الإستهلاك العاطفي اليومي. أفكارُكَ تبدو أكثر ترتيباً، ولغتك الداخلية أكثر أناقة، وصوتك الذهني أعلى من أيّ وقت مضى. هنا بالضبط تبدأ الخدعة بالعمل. الأفكار، مثل الضيوف، تكون مهذّبة في الزيارة القصيرة؛ لكنها تصبح مّتطلّبة إن طالت الإقامة. تبدأ في فرض إيقاعها عليك. تستيقظ معها، تنام معها، وتجد نفسك تدور داخل المسألة ذاتها لساعات، لا لأنّك تقترب من حلّ بل لأنّك فقدت قيادة المؤشّر الذي يقولُ لك: كفى. في غياب البشر، لا شيء يكسرُ جاذبية الفكرة نحو ذاتها. لا أحد يقاطعكَ بسؤال ساذج يعيدُكَ إلى الأرض. لا أحد يسخر من جدّيتك المفرطة. لا أحد يذكّركَ، دون قصد، بأنّ العالم أوسعُ ممّا يجولُ داخل رأسك.
نحن في العادة نحبُّ صورة الإنسان المنعزل الذكي. هكذا علّمتنا تقاليدنا الثقافيّة. نحبُّ أن نبرّر وحدته بوصفها ضرورة، وأن نفسّر إنكفاءه الإجتماعي كعَرَض جانبيّ مُمتَدَح للروح المبدعة. هكذا نريح ضمائرنا، ونحوّل الألم إلى وسام؛ لكنّ هذا التفسير الكسول يتجاهل حقيقة أساسية: معظمُ العقول اللامعة لم تعمل في الفراغ بل في بيئات كثيفة بالإختلاف والإحتكاك. حتى أولئك الذين اعتزلوا في لحظات معينة من حياتهم، لم يفعلوا ذلك إلّا بعد أن جرّبوا شتّى العلاقات البشريّة. أكرّرُها ثانية: العزلة، حين تكون اختياراً مؤقتاً، قد تكون أداة. أما حين تتحوّلُ إلى نمط حياة دائم فهي غالباً ما تكون هروباً مُتْقَنَ الصياغة.
أعود ثانية إلى باريس. ظننتُ بادئ إقامتي فيها أنّ المدينة نفسها ستنهضُ بدور الآخر البشري. المقاهي، الأرصفة، الوجوه العابرة،،،. لكنّ المدينة، مهما كانت جميلة، لا تجيبك. لا تعارضك. لا تصدمُكَ بحقيقتها الخاصة. هي مسرحٌ وأنت ممثل وحيدٌ فيها.
هناك أدركتُ أنّ الجمال لا يعوّض العلاقة البشريّة، وأنّ الثقافة لا تسدّ فجوة الوجود. يمكنك أن تمشي لساعات بين المتاحف، ثم تعود إلى غرفتك محمّلاً بالأفكار نفسها التي خرجتَ بها، بلا تعديل، بلا جرْحٍ صغير يذكّرُكَ بأنّك حي.
العقل، كما تقول العلوم العصبية، ليس آلة تفكير مستقلة بل جهاز إجتماعي بإمتياز، يتغذّى على التفاعل، ويضعف في العزلة. وحتّى الإبداع، ذلك الكائن المتعجرف، يحتاج جمهوراً ولو كان عديدُهُ شخصاً واحداً فقط لا سواه.
ربما لا يمكنُنا أن نعيش دون أفكارنا؛ لكن المؤكّد أنّنا لا نستطيع أن نعيش بها وحدها. لذلك، حين يُعرَضُ علينا، ولأيّ سبب كان، حلمُ العيش مع أفكارنا فقط، سيكونُ مفيداً لنا أن نتذكّرالتالي: الفكرة التي لا تمرّ عبر إنسان آخر قد تكون ذكيّة؛ لكنّها لن تكون حيّة.
السؤال الحقيقي ليس: هل تستطيع أن تعيش مع أفكارك وحدها؟. هذه أخدوعة. السؤال الحقيقي الأكثر ملامسةً لنبض الحياة هو: كم من الوقت تستطيع أن تفعل ذلك قبل أن تطلب النجدة في أوقات الأزمات الوجوديّة التي لا مفرّ منها في الحياة؟ أفكارُك ستعجزُ عن إنقاذك. مَنْ يحبّكَ أولاً، ثمّ عمومُ الناس بكلّ خواصهم ومراتبهم وأنماطهم، هم طوقُ نجاتك في تلك الأزمات.
أختمُ بسؤال إشكالي: إذا كانت الأفكارُ نتاجَ البشر؛ فلماذا نغلّبُها على صانعها؟ فكّروا معي في هذا.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

إستعادة المعنى المُغيَّب للبحث العلمي

العمود الثامن: راتب عالية وتقاعد لؤلؤة

العمود الثامن: الصيهود قبل وبعد.. وبعد

العمود الثامن: مئوية سليم البصري ومحنتنا

العمود الثامن: لماذا تزعجهم بغداد؟

العمود الثامن: "شنطة" نجيب محفوظ

 علي حسين يعيد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته لهذا العام الاحتفاء بعميد الرواية العربية نجيب محفوظ، الروائي وقائد الفكر الذي ساهم في تأسيس سؤال المعرفة في مرحلة مبكرة من تاريخنا المعاصر، وهي...
علي حسين

قناديل: فخٌّ عنوانُهُ "كائن الأفكار "

 لطفية الدليمي هناك أسئلةٌ تبدو بسيطة عاديّةً في ظاهرها؛ لكنّك كلما اقتربتَ منها اكتشفتَ أنّها فخاخٌ أنيقة ومرعبة. أحدُ هذه الأسئلة»هل يمكنك أن تعيش مع أفكارك فقط؟». لا بشر، لا ضجيج علاقات، لا...
لطفية الدليمي

قناطر: ماذا بعد الحرب الأخيرة؟

طالب عبد العزيز أمرٌ يحزُّ في القلب ما تنوي فعله الاساطيل الامريكية بايران، الشعوب الإيرانية تستحق الحياة، والبلاد العظيمة؛ بجغرافيتها المتنوعة الجميلة؛ وتاريخها العريق، وما بيننا من مشتركات دينية، وإنسانية تقف بأعيننا، والله؛ نحن...
طالب عبد العزيز

هل يمثل النموذج العراقي مخرجاً للأزمة السورية؟

سعد سلوم (2-2) في سياق إشكالية محاكاة «النموذج العراقي» في سوريا، ناقشنا في المقال الأول ضرورة إيجاد «طريق ثالث» يتجاوز جمود المركزية الصلبة وفوضى المكونات، وهو المسار الذي أطلقنا عليه «شراكة المواطنة المطمئنة» القائم...
سعد سلّوم
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram