TOP

جريدة المدى > محليات > «صينية زكريا».. طقس بغدادي متجدد يجمع الدعاء والتراث

«صينية زكريا».. طقس بغدادي متجدد يجمع الدعاء والتراث

نشر في: 26 يناير, 2026: 12:03 ص

 متابعة / المدى

احيت العائلات البغدادية، امس الأحد، مناسبة «صينية زكريا»، إحدى العادات المتجذرة في الموروث الشعبي، والتي ارتبطت بترانيم يرددها الأطفال، من بينها «يا زكريا عودي عليّ»، في مشهد يجمع بين الطقس الديني والتقاليد الاجتماعية.
وتعود جذور هذه المناسبة إلى طلب النساء الذرية، استذكارًا لقصة النبي زكريا حين دعا ربه فوهبه يحيى. ومع مرور الزمن، تحولت هذه الممارسة إلى تقليد شعبي متوارث، يُحييه البغداديون سنويًا بطقوس خاصة.
وتُزيَّن «الصينية» بإشعال الشموع تعبيرًا عن الدعاء وتمني الأمنيات، ويُعد نبات الآس «الياس» من أبرز رموزها، إلى جانب أنواع مختلفة من الحلويات، فضلًا عن فخاريات مخصصة لوضع الشموع تُعرف بـ«التنك»، وتكون بنوعين، أحدهما للأولاد والآخر للبنات.
الموظفة الشابة ميسم الجنابي، اختارت إحياء المناسبة داخل دائرتها الوظيفية، حيث أشعلت الشموع وجلبت معها قطعًا من الكيك والحلوى لتوزيعها على زملائها، وسط أجواء من الدعوات والتمنيات بالنجاح.
وتقول الجنابي إن هذه العادة رافقتها منذ طفولتها، إذ كانت تراقب جدتها وهي تجمع العائلة في يوم زكريا، توقد الشموع، وتوزع الحلوى على الأطفال، ثم تطرق أبواب الجيران لتقديمها بهذه المناسبة. وتضيف أنها كانت تستقبل بدورها ما يقدمه أبناء المحلة من حلوى ومعجنات وشموع، في تقليد اعتادت عليه منطقة الأعظمية.
وتشير الجنابي إلى أنها لم تكن تدرك في صغرها معنى «صينية زكريا» ودلالاتها، لكنها مع مرور الوقت فهمت خلفيتها الدينية والاجتماعية، وواصلت إحياء هذه المناسبة حتى اليوم. وتوضح أن الدعاء في يوم زكريا لا يقتصر على طلب الإنجاب، رغم أنه من أبرز الأمنيات لدى الكثير من النساء، بل يمتد ليشمل السلامة وتحقيق الأمنيات عمومًا. ومن أبرز الأكلات التي تُحضَّر في هذا اليوم «الزردة»، وهي أرز أصفر مُحلّى، إضافة إلى وضع «الحناء» واللقم والجكليت وأنواع متعددة من الحلويات، لتتحول الصينية إلى لوحة تراثية متكاملة.
ولم يعد هذا التقليد حكرًا على النساء المتقدمات في العمر، إذ باتت الفتيات الشابات يشاركن في إحيائه.
وتقول الشابة إسراء الربيعي إنها تحرص على إقامة «صينية زكريا» كل عام، وتحتفل بها وفق الظروف، سواء مع العائلة أو في الدائرة أو مع الصديقات. وتؤكد الربيعي أن مقام «خضر الياس» يُعد المكان المفضل للاحتفال بهذه المناسبة، لما يتمتع به من رمزية وقدسية، إلا أن حملات الإعمار الجارية في المنطقة حالت دون احتفالها هناك، كما منعت العديد من العائلات البغدادية من إحياء الطقس في هذا الموقع.
وتشير إلى أن المشاركين يرددون أثناء التجوال بالصينية على الجيران أغنية تراثية تقول «يا زكريا عودي عليه، كل سنة وكل عام أنصب صينية»، موضحة أن هذه الأغنية تبعث في النفوس البهجة والسرور، خاصة مع مشاركة الجيران وتوزيع ما تحمله الصينية.
وبالنسبة لكبار السن، لا تُعد احتفالات زكريا مجرد مناسبة عابرة، بل تمثل سلوكًا اجتماعيًا يعزز الروابط ويشيع المحبة، عبر تبادل الأدعية ومشاركة الطعام، في مشهد يعكس أصالة التراث البغدادي.
ويقول الحاج حارث السعدي إن من الطقوس المعروفة لدى العائلات البغدادية القديمة هو الاحتفاء بالنبي زكريا، وما يرافق ذلك من تضرع ودعاء وتبادل للأطعمة من خلال «صينية زكريا».
ويضيف أن هذه الطقوس تحمل دلالات اجتماعية عميقة، وتعكس روح المشاركة والتكافل.
ويؤكد السعدي أن إحياء يوم زكريا يبعث الأمل في نفوس الناس، ويمثل مناسبة للتعاون الاجتماعي واستجابة الدعاء. ورغم أن طلب الزواج والذرية يُعد من أبرز ما يُرجى في هذا اليوم، فإن طقوس زكريا التراثية تظل مناسبة جامعة، يتشارك فيها الجميع ضمن مشهد يعكس روح الأخاء والتضامن.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

مقالات ذات صلة

احتجاجات جامعية تمتد من بغداد إلى أربع محافظات رفضاً لقطع المخصصات
محليات

احتجاجات جامعية تمتد من بغداد إلى أربع محافظات رفضاً لقطع المخصصات

 متابعة / المدى شهدت العاصمة بغداد ومحافظات ديالى وكركوك وبابل، أمس الأحد، موجة احتجاجات ووقفات سلمية نظمها المئات من خريجي وحملة الشهادات العليا من الملاكات الجامعية والتربوية وموظفي عدد من الدوائر الحكومية، رفضاً...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram