TOP

جريدة المدى > عام > إرث ما بعد الدراما..أوروبا تراجع ونحن نزايد؟

إرث ما بعد الدراما..أوروبا تراجع ونحن نزايد؟

نشر في: 26 يناير, 2026: 12:20 ص

ناصر طه
1-2
قبل أن نتحدث بتفصيل عن مسرحنا العربي خلال العقدين الماضيين ونحلل هيمنة العروض الـ " ما بعد درامية " على خشباتها حد إغراقها مهرجانيا علينا أن نشير إلى أن أوروبا معقل هذه التيارات المسرحية تشهد اليوم صحوة لافتة داخل قلب التجريب نفسه، صحوة لا تسعى لنقض أو تهشيم إرث ما بعد الدراما بل تريد بجدية مراجعة شطحاته وإرهاصاته الشديدة الغلو لتعيد الاعتبار لما همّشه طويلا على مستوى النص والحكاية والقدرة الإبداعية على رواية معنى يعزز المتعة ولا يفرغها من محتواها بوصفها شرطا أساسيا في الغالب لأي عرض مسرحي.
هناك دراسات وممارسات مسرحية عديدة راحت تنبه وتحذر من مغبة الإفراط في المغامرة الشكلية، لأنها مهما بلغت في جرأتها، قد لا تثمر إبداعا حقيقيا عميقا ما لم تبن جسرا رصينا بينها وبين المتلقي! لذا عاد الحديث الجاد والحريص عما يسمى " المسرح اللفظي" بوصفه استعادة واعية للكتابة والسرد داخل عروض ما بعد الحداثة! ها هي الباحثة الفرنسية (إليزابيث آنجل - بيريز أستاذة الأدب الإنجليزي في جامعة السوربون والمتخصصة في المسرح البريطاني المعاصر) تؤكد أن هذا الميل يمثل( عودة إلى اللفظ) وإلى السرد في سياق جديد يشار إليه بما بعد- ما بعد الدراما وفيه يستعيد جيل من المسرحيين شرعية الخيال والحكاية داخل التجريب لأنهما وسيلتان لم تقدّم كثير من التجارب التي أطاحت بهما بديلا أقوى وأفضل وأكثر إقناعا منهما في إعادة خلق الدراما وربط العرض بجمهوره خارج بعض الدوائر النخبوية التي استمرأت النوم في عسل الغموض المر وحلا لها السير المتخبط في ضباب اللامعنى والفوضويات الشكلية.
وفي ألمانيا! انتقد المخرج الألماني (توماس أوستيرماير المدير الفني لمسرح شاوبونه في برلين) تحوّل بعض أشكال الأداء التجريبي إلى ما وصفها بـ " دوغما مغلقة أو المذهب الجامد " وحذر من عروضٍ تتفتت إلى شذرات مبهمة لا تجرؤ على تسمية القضايا الكبرى أو رواية قصص عنها. بالنسبة لـ " أوستيرماير" لا تنفصل القيمة الجمالية والسياسية للمسرح عن قدرته على إنتاج معنى قابل للفهم والتداول وعن شجاعة السرد حين يصبح المجتمع في مواجهة صراعات حادة.
أمام هذه المراجعة الأوروبية فإننا لسنا أمام مجرد تبدل ذوقي... بل درس منهجي يشدد على أن التجريب لا يحقق غايته إلا إذا استعاد أثره الملموس في المتلقي وأن النص ليس عدوا للتحديث بل قد يكون شرطا من شروط فاعليته. ومن هنا تحديدا نبدأ رحلة التساؤلات عن المسرح العربي في العقدين الأخيرين! هل كان تجريبنا مشروعا فنيا ينتج أثرا ومعنى؟ أم تحول إلى مستورد ومستنسخ لأشكال غربية يستعملها ليخفي ضعف الصنعة ويتهرب من حقيقة انقطاع صلته بالجمهور، ثم يعزز عزلته باللجوء إلى تضخيم الخطاب النقدي النظري على حساب الإنجاز المسرحي العملي الفعلي؟ لنحاول الإجابة عن هذه الأسئلة الإشكالية من متابعة عدد غير قليل من تجاربنا المسرحية التي اختارت أن تكون مهرجانية خاصة لا عامة وتتهرب من اختبار حقيقة تأثيرها في الجمهور لتكتفي بوريقات نقدية نخبوية تضج بالمصطلحات التي تزيد طين غموض العروض بلة.
ولكي لا يبقى توصيف "المهرجانية" مجرّد انطباع أو حكم شخصي قد يثير حفيظة "ما بعد الحداثويين" فلا بد من الإشارة إلى تحقيق نشرته جريدة (مسرحنا) التي تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة المصرية حيث استطلعت أراء مسرحيين ونقاد ومختصين اعترفوا بوجود ما سمّوه "مسرح المهرجانات" الذي يصنع عروضا موجهة "نحو أدمغة لجان التحكيم" وهذا التشخيص ليس شعارا عابرا بل يفصح عما وراءه! عروض تصاغ لفضاء واحد سريع اللمعان ثم تنطفئ بانطفاء منصته لأن معيارها يصبح دعوة وجائزة وتصفيق لجنة باعضاء آخر همهم هو أن يكون المسرح احتكاكا طويلا بحياة الناس.
والآراء الواردة في تحقيق الجريدة حذرت من الانزلاق إلى مظاهر تخفي ضعف البناء ووجهت نقدا واضحا لعروض قالت أنها "معتمدة على تهويمات سينوغرافية " بل أن بعض الأكاديميين وضعوا معيارا فاصلا ضد عبادة التقنية بإيرادهم عبارة حاسمة "جوهر المسرح هو الكلمة والممثل" لا الضباب والدخان وبهارج التكنولوجيا التي تصبح قناعا تقنيا يراد له أن يكون بديلا عن البناء! وفي تصوري أن اعتراض من استطلعت آراءهم ليس على السينوغرافيا بوصفها فنا وإنما على السعي الحثيث لتحويلها إلى ضباب يموه فراغ الحرفة ومحاولة قسرية لإقناع صناع هذا المسرح بأن الغموض إنجاز.
يتردد على ألسنة بعض من يصنفون أنفسهم ضمن قائمة "ما بعد الحداثيين أو الدراميين" العرب طرح مفاده أنهم أكثر تطورا من المسرح الأكاديمي التقليدي... بل إن بعضهم لا يتردد في التشدق بقدرته على تجاوز المسرح العالمي المهم لأنه يمتطي صهوة جواد يجري في طليعة ما بعد الحداثة. وهذه المزاعم مهما منحت أصحابها مكانة نخبوية... تبقى مفتقرة إلى معيار موضوعي يثبت صحتها! فالتطور في الفن لا يقاس بكثرة المصطلحات المستوردة ولا بالانشغال في نحت غرائبيتها! كما لا يعتمد على حجم القطيعة الشكلية مع السرد ولا بعدد الشاشات والإسقاطات التقنية على الخشبة.

.... يتبع

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

الـهـويـّة الـوطـنـيـّة: صراعٌ آيديولوجيٌّ أم ضرورة وجوديّة؟

قبل رفع الستار عن دراما رمضان: ما الذي يريده المشاهد العربي؟

بروتريه: حسين مردان.. بودلير العصر

في الذكرى العاشرة لرحيل عميد الصحافة العراقية: فائق بطي.. الصحفي الباحث عن الحقيقية لا المتاعب

"حمل كاذب".. نظرة سياسية على الربيع السوري

مقالات ذات صلة

إرث ما بعد الدراما..أوروبا تراجع ونحن نزايد؟
عام

إرث ما بعد الدراما..أوروبا تراجع ونحن نزايد؟

ناصر طه 1-2 قبل أن نتحدث بتفصيل عن مسرحنا العربي خلال العقدين الماضيين ونحلل هيمنة العروض الـ " ما بعد درامية " على خشباتها حد إغراقها مهرجانيا علينا أن نشير إلى أن أوروبا معقل...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram