TOP

جريدة المدى > اخبار وتقارير > من صراع الزعامة إلى اغتيالات ميسان.. كيف تحوّل انشقاق الخزعلي عن الصدر لـ"ثأر مفتوح"

من صراع الزعامة إلى اغتيالات ميسان.. كيف تحوّل انشقاق الخزعلي عن الصدر لـ"ثأر مفتوح"

نشر في: 26 يناير, 2026: 07:30 م

متابعة/ المدى

لم يكن الخلاف بين زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر وزعيم العصائب قيس الخزعلي خلافاً عابراً داخل تيار واحد، بل تحوّل، على امتداد ما يقارب عقدين، إلى واحد من أعنف وأطول الصراعات داخل البيت الشيعي العراقي.
صراعٌ بدأ بانشقاق تنظيمي، ثم تطوّر إلى خصومة سياسية، قبل أن يستقر كعداء مفتوح ذي أبعاد أمنية واجتماعية، تُستدعى فيه الذاكرة، ويُستحضر الثأر، وتُغذّى به الأجيال الجديدة من الأنصار. في هذا الصراع، لم تعد الخلافات مرتبطة ببرنامج أو رؤية، بقدر ما أصبحت معركة نفوذ وزعامة وإرث، انعكست على الشارع، وتجلّت في اشتباكات مسلّحة، واغتيالات، وحملات تحريض متبادلة، جعلت من أي احتكاك بسيط شرارةً كافية لإشعال مواجهة واسعة.
ففي بداية العام 2026 تحوّلت مدينة العمارة، مركز محافظة ميسان، خلال ثالث ليالي هذا العام إلى ما يشبه ساحة حرب، بسبب التوتر الأمني والأجواء المشحونة.

إذ أقدمت عناصر من سرايا السلام، الجناح المسلّح للتيار الصدري، على حرق مكتب رئيس مجلس محافظة ميسان مصطفى دعير، على خلفية مقتل القيادي البارز في التيار الصدري حسين العلاق الملقب بـ”الدعلج”. بعد ذلك، فرضت قوات الأمن حظراً للتجوال في العمارة، وقطعت بعض الطرق الرئيسة للسيطرة على الوضع.

كان "الدعلج"، الذي قتله مسلحون مجهولون بمنطقة حي المعلمين وسط العمارة مركز المحافظة، وأردوه قتيلاً، مطلوباً للقضاء بعدة جرائم، أبرزها اتهامه بقضية مقتل القيادي في عصائب أهل الحق وسام العلياوي قبل سنوات، حسبما شاع.

في أعقاب مقتله، دارت اشتباكات مسلحة بين سرايا السلام وعصائب أهل الحق، وفقاً لمنصات إعلامية، واستُهدف أحد مقرات العصائب في قضاء الكحلاء في المحافظة.

تضاعف التوتر فأعلن قيس الخزعلي، زعيم العصائب، براءته وفصيله من العملية، ودعا زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، إلى ضبط النفس ومنع التصعيد، وطالبا بترك الأمر للقانون.

لم تكن عملية اغتيال “الدعلج” وما تبعها أول احتكاك واتهام وتوتر بين الطرفين في ميسان والعراق؛ فقد سبقتها حالات كثيرة، ولا يمكن إلّا توقّع أن تلحقها أخرى في ظل التاريخ المثقل بالخلاف والاتهامات المتبادلة، وعدم الالتقاء بين الفصيلين وزعيميهما، رغم العلاقة الشخصية التي جمعتهما قبل أن ينشقّ الخزعلي، تلميذ الصدر الأب، وصديق الابن، في مشروعه الخاص “عصائب أهل الحق”، مصطحباً معه حزمة من القدرات المادية والبشرية.

العراق المختلف

رغم أن الانشقاق وتأسيس الأحزاب والتيارات في البيئات الديمقراطية الأخرى أمر طبيعي، إلّا أن دوافعه وتبعاته في العراق عادة ما تكون غير طبيعية، وهو سلوك مصاب بـ”غياب القضايا الكبرى” عن المشاريع السياسية، فالانشقاق والتشظي من المفترض أنهما ينتجان من خلاف في الرؤية تجاه قضية مصيرية، إلّا أن الانشقاقات في المشهد السياسي العراقي غالباً ما تكون غير مفهومة، فتجد تياراً سياسياً ينشقّ من آخر، لكنْ كلا التيارين يتكلمان بلغة مشتركة وخطاب واحد، وينطلقان من مبادئ واحدة، وأهدافهما واحدة، دون تحديد نقطة أو موقف واحد مختلَف عليه تجاه قضية كبرى أو محورية تجعل من الاجتماع بينهما مستحيلاً، لذلك فإن غالبية الانشقاقات وانشطار المشاريع السياسية في العراق تنطلق من هدف واحد عادة، وهو رغبة كلّ فرد بـ”الزعامة”، فالأمر يشبه أن يفتح صانع ما مشروعه الخاص بعد أن يتعلم المهنة من أستاذه أو ما يُعرف شعبياً بـ”الأسطة”.

العصائب والصدر.. عندما يصبح الانشقاق "ثأراً"

في الحالة العراقية، قد تخلق بعض الانشقاقات خصومة لا نهائية، تبقى آثارها 20 عاماً، وتتحوّل إلى “ثأر” تُغذى به وتسير على نهجه الأجيال، كما حصل، ويحصل، بين التيار الصدري وعصائب أهل الحق، اللذين سيحوّلان أيّ احتكاك سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي، إلى تنكيل بالآخر، يُستحضَر خلاله “الثأر” الذي لا ينتهي.

تأسست “عصائب أهل الحق” عندما قرّر القيادي في التيار الصدري، قيس الخزعلي، الانشقاق عن “جيش المهدي” بين عامي 2005 و2006، بعد قرار وقف إطلاق النار مع الجيش الأمريكي حينها، حيث انفصل الخزعلي بالقرار العملياتي على الأرض واختار استمرار العمليات العسكرية، وبعض الشهادات تشير إلى أن انشقاقه عن الصدر كان بدعم من الحرس الثوري الإيراني، ويصف الخزعلي، بحسب اعترافاته التي نشرها الجانب الأمريكي عندما كان معتقلاً في سجون الاحتلال عام 2007، أسبابَ انشقاقه بأنها كانت ماليةً وأيديولوجية.

خروج ليس كغيره

لم تكن العصائب “المولودةَ” الوحيدة من رحم جيش المهدي، الجناح العسكري الأول للتيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر، بل كذلك كانت حركة النجباء التي يقودها أكرم الكعبي، وكذلك كتائب الإمام علي بقيادة شبل الزيدي، جميعهم وُلِدوا من رحم جيش المهدي، لكن بظروف وتواريخ مختلفة جاءت بعد العصائب. خلال الـ20 عاماً الماضية، وجد كل من الصدريين والعصائبيين تحديداً مناسبات عديدة ومختلفة للتصادم والاشتباك، خلافاً للفصائل الأخرى.

تأتي الاشتباكات بين العصائب وسرايا السلام -النسخة الأخيرة لأجنحة التيار الصدري المسلحة بعد لواء اليوم الموعود وجيش المهدي- لأسباب مختلفة وبأشكال مختلفة، فقد تكون الانتخابات أو تعليق دعاية انتخابية فقط فرصةً مناسبة للاشتباك ووقوع مصابين من الطرفين، كما حصل في أيلول 2025 في البصرة، أو بسبب مشاجرة شخصية بين شخصين يتضح لاحقاً أن أحدهما ينتمي إلى العصائب والآخر إلى السرايا، لتكون المشاجرة مناسبة مهمة للاشتباك، كما حصل في بغداد في كانون الأول 2024، أو بسبب صورة لقائد فيلق القدس قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد أبي مهدي المهندس، اللذين استهدفتهما غارة أمريكية مطلع 2020 قرب مطار بغداد، كما حصل في منطقة حي العامل ببغداد عام 2023، أو خلال تفتيش عجلة من قبل العصائب يصدف أنها تعود لسرايا السلام، كما حصل في أيلول 2022 في محافظة البصرة، وفي خضم الأوضاع المتأزمة حينها في المنطقة الخضراء خلال ما يعرف بثورة عاشوراء، التي قادها الصدريون ضد الإطار التنسيقي عقب استقالة نواب الكتلة الصدرية، أو بسبب شجار بين طفلين صادف أن والد أحدهما من العصائب ووالد الآخر ينتمي إلى سرايا السلام، أو خلال تظاهرات شعبية عامة، كما في تشرين عندما تكرر حرق مقرات الأحزاب والفصائل بكثرة في مختلف المحافظات، وتحوّل الأمر في ميسان إلى حادثة لا تزال آثارها مستمرة، عندما قتل القيادي في العصائب وسام العلياوي وشقيقه عصام العلياوي، بعد أن فُتحت النار على صدريين مع المتظاهرين أثناء هجومهم على مقر العصائب، فجرّت هذه الحادثة إلى عمليات اغتيال وانتقام مضاد لا تزال مستمرة حتى الآن، ولا يزال الجميع يتذكر تعهد زعيم العصائب قيس الخزعلي بـ”الثأر” من قاتليهم.

"هفوات العصائب".. ظرف مشدد 

تتنوّع الأسباب التي تقود للاشتباك بين العصائب وسرايا السلام، إلى درجة لا تشهدها الفصائل الأخرى المنشقّة عن جيش المهدي، وتكشف عن “غيظ” تحمله صدور الصدريين تجاه العصائب تحديداً، فالصدريون ينظرون للعصائب كعنصر استفزازي.

ولهذا الغيظ أسباب اجتماعية وسياسية وعقائدية، فبدايةً، كان قائد الانشقاق من جيش المهدي هو قيس الخزعلي، أما باقي قادة الفصائل، مثل أكرم الكعبي وشبل الزيدي، فكانوا ضمن العصائب في بادئ الأمر، ثم انشقوا عن العصائب، ما ترتب عليه اعتبارات أخرى، فالمنشق عن جيش المهدي كرأس مثل الخزعلي يعني أنه جعل نفسه قائداً قبالة الصدر، يساويه في القوة ويعاكسه في الاتجاه، وهذا يختلف عمّن ينشق كشخص ثانوي، أو عمّن ينشق من الكيان المنشق في البدء، فهو لم يخرج من عباءة التيار إلى كيانه الجديد، بل خرج من عباءة العصائب. كما أن الانشقاق التالي عن العصائب قد يشفي شيئاً من الغيظ الصدري تجاههم، فالانشقاق شهادة قدح في الخزعلي، وهو ما يتوافق مع النظرة الصدرية تجاهه.

انفراد العصائب والخزعلي بـ”غيظ الصدريين” يعني بالضرورة انفراد الخزعلي بما لا يتوفر في قادة الفصائل المنشقة الأخرى، والحديث هنا عن “كاريزما القائد” التي يعمل عليها الخزعلي، الذي يقف على رأس مشروع “يجمع الأنصار”، ويوسع القاعدة الجماهيرية، ويعمل على كسب المزيد من الأتباع بالخطاب أو بتوفير مكاسب للانتماء، تجعل من العصائب حركة اجتماعية سياسية مسلحة تنافس التيار الصدري، وقبلة مغرية لجذب المزيد من الجماهير الصدرية، خصوصاً مع انعدام أو ضعف المكاسب التي قد تحصل عليها الجماهير والأتباع في الجناح الصدري، الذين ينحدر معظمهم من طبقات مسحوقة اجتماعياً واقتصادياً.

كما أن صورة المرجع الشهيد الثاني محمد محمد صادق الصدر، التي تزيّن مواقع العصائب ومقراتهم وتلازم سيرته أحاديثهم، تجعل العصائب والخزعلي بمثابة “سارقي إرث الصدر”، الذي من المفترض أنه “ملك” لنجله مقتدى الصدر. بالإضافة إلى أن الخزعلي أخذ معه العديد من كبار القادة والشخصيات المؤثرة في جيش المهدي، وليس انتهاء بالنجاح السياسي المتصاعد الذي يحقّقه الخزعلي، حتى بات أحد الشخصيات المؤثرة في المشهد السياسي وبقرار الإطار التنسيقي الشيعي بالمجمل.

كلّ هذه الأسباب، وعلى رأسها احتفاظ مقتدى الصدر شخصياً بموقف سلبي تجاه الخزعلي، ووصفه للعصائب بأنهم “قتلة لا دين لهم”، تجعل من العصائب والخزعلي العدو الأوحد والأبرز للصدريين خلافاً لجميع الفصائل الأخرى، فضلاً عن أن الصدريين يتهمون العصائب بتنفيذ عمليات الاغتيال الطائفية التي أُلصقت بتاريخ جيش المهدي، حتى أصبحوا “ميليشيات وقحة ومنفلتة وقتلة” في قاموس الصدر.

 "فإن لم تستطع فبلسانك"

ليس الرصاص اللغة الوحيدة، فالاشتباكات معارك جانبية في حرب دائمة تُخاض يومياً على مواقع التواصل الاجتماعي، وربما في المنزل الواحد.

فالعصائبيون خرجوا من منازل صدرية بالنهاية، وإذا نجح الخزعلي بجذب أحد نحوه، فهذا لا يعني بالضرورة أن ينجح في جذب شقيقه المتمسك بـ”صدريته الأولى”، ويمكن تخيّل علاقة معقدة في المنزل الواحد قد تضطر العصائبي تحديداً إلى مغادرة المنزل، والحرص على عدم بقاء "عصائبي وصدري" تحت سقف واحد، لأن رد فعل الصدري غالباً ما يكون أكثر غيظاً تجاه العصائبي، مقارنة بالعصائبي الذي قد يتمكن من "التعايش" مع الصدري.

وهذا ما يظهر على مواقع التواصل الاجتماعي أيضاً، فهناك جماهير صدرية تهاجم العصائب وأمينها العام الخزعلي بشراسة، بينما لا ينخرط العصائبيون غالباً بأسمائهم الصريحة في هذه المعارك، وبدلاً من ذلك، تنشط صفحات ومنصات إلكترونية مجهولة وقريبة من المحور الولائي، تقدح بالصدر وأنصاره رداً على مواقف تخرج من الصدريين للسخرية من "المحور الولائي والفصائل"، الذين يصفونهم بالتبعية.

وتأتي حملات السخرية هذه بالتزامن مع أحداث المنطقة، ودعوات نزع السلاح، والتهديدات الأمريكية، والتحولات في المواقف الفصائلية والسياسية، في وقت تصل فيه حملات “المنصات الولائية” ضد الصدريين إلى الطعن بـ”شيعيتهم”، وهو أمر طال الصدر ذاته.

تستمر مغذيات الصراع بين العصائب والصدريين دون وضوح مستقبلي لمصيره، فمن أكثر المغذيات إدامة لهذا الصراع استمرار هجرة الصدريين إلى العصائب، لأسباب اقتصادية تارة، أو بسبب سلوك الصدر المتمثل بـ”طرد” بعض العناصر من التيار وسرايا السلام، بدواعي عدم الالتزام أو “الانحراف” أو غيرها من الممارسات التي يعتقد الصدر أنها تسيء لسمعة التيار، وآخرها طرد 12 عنصراً من سرايا السلام على خلفية اشتباكات تورط بها عناصر من السرايا مع الشرطة الاتحادية في منطقة الشعب شمالي بغداد. وعندما تُطرد عناصر مسلحة اعتادت على هذا النمط من الحياة ولا تعرف عملاً غيره، ستتوجه بالنهاية للانضمام إلى حاضنة توفر فرصة استمرار هذه الوظيفة، ويا حبذا أن تكون بمقابل مادي أفضل، فتظهر العصائب كفرصة مفتوحة اليدين، ترحب بالمنشقين لتتحوّل شيئاً فشيئاً إلى “خزّان الصدريين المسيئين”، حسب اعتقاد ووصف الصدر، لكن في الوقت ذاته، فإن باب الصدر مفتوح لـ”الهجرة العكسية” أو ما اصطلح عليه “باب التوبة”، لمن يريد العودة إلى كنف الصدر مجدداً، وغسل “ذنوبه!”، في حركة لا نهائية من الانشقاق والانشقاق المضاد، ومن الخروج والعودة، تستمر، لتكون مغذياً آخر لما يمكن اعتباره “حقداً” لا يمكن التنبؤ بنهايته.

عن: نيريج

 

 

 

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

مقالات ذات صلة

نعيم قاسم: أي حرب على إيران قد تشعل المنطقة ولسنا على الحياد

نعيم قاسم: أي حرب على إيران قد تشعل المنطقة ولسنا على الحياد

متابعة/ المدى أكد الأمين العام لحزب الله ​نعيم قاسم​، اليوم الإثنين، أن الحرب على إيران هذه المرة قد تشعل المنطقة. وقال قاسم​ في كلمة له، إنّه "عندما يهدّد الرّئيس الأميركي ​دونالد ترامب، الخامنئي، فهو...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram