متابعة / المدى
في وقت تشهد فيه الأسواق العراقية ارتفاعًا متواصلًا في أسعار الدولار والذهب والمواد الغذائية، وتتزايد فيه شكاوى المواطنين من تآكل الرواتب وارتفاع الضرائب وكلفة المعيشة، فجّر تنظيم «المعرض الأول لمجوهرات العراق» في بغداد موجة واسعة من الجدل، وسط اتهامات بأنه يعكس انفصالًا واضحًا بين الخطاب الاقتصادي الرسمي وواقع معيشة غالبية العراقيين.
أقيم المعرض برعاية وزارة التجارة وبإشراف مستشارية الأمن القومي، واستمرت فعالياته حتى نهار أمس الاثنين، متضمنًا حفل افتتاح موسعًا شهد مشاركة نخبة من التجار والصاغة من داخل العراق وخارجه. كما نُظّمت جلسة حوارية ناقشت فكرة «توطين الصناعات الثمينة» كالذهب والفضة، والمعوقات التي تواجه هذا القطاع، وسبل دعمه عبر مبادرات حكومية ومصرفية.
وخلال الجلسة، جرى استعراض خطط لإنشاء «مدينة الذهب» في العراق، بوصفها مشروعًا يهدف إلى تقليل الاعتماد على النفط وتنويع مصادر الدخل، إضافة إلى تخفيض كلف الصياغة الخارجية. كما عرض تجار من إقليم كردستان تجربتهم في تشغيل مكائن أوروبية حديثة للبدء بصياغة محلية، في وقت ما تزال بغداد تشكو من نقص الأيدي العاملة الماهرة في هذا المجال. وأكد مشاركون اهتمامهم بخطة «مدينة الذهب»، وتوفير قروض ميسرة مدعومة من البنك المركزي، مع إعفاءات وتخفيضات مرتبطة بنسبة التصدير، معتبرين الذهب «ركيزة اقتصادية موازية للنفط». وشددوا على ضرورة توطين صناعة المشغولات الثمينة لتقليل الاستيراد وخفض كلف الصياغة، رغم تحديات تتعلق بندرة الكفاءات، وصعوبة تأمين قطع الغيار، والحاجة إلى خطط تسويقية ترفع حصة المنتج المحلي في السوق. كما استُعرضت تجارب لمعامل محلية بدأت تقلّل الاعتماد على الاستيراد، مع طموح للتحول نحو التصدير إلى دول الجوار. وعدّ المشاركون المعرض خطوة لتعزيز الثقة بالمنتج الوطني، مؤكدين استعدادهم لنقل خبراتهم من الخارج إلى الداخل، شريطة توفير دعم حكومي وبيئة استثمارية مستقرة.
غير أن هذه الصورة الإيجابية لسوق الذهب والصياغة لم تقنع شريحة واسعة من المواطنين، الذين يتابعون يوميًا ارتفاع الأسعار بقلق متزايد. فصعود الذهب، بحسب منتقدين، يعني للطبقات الميسورة فرصة استثمار وربح إضافية، بينما يتحول بالنسبة لغالبية الأسر إلى مؤشر خوف من موجات جديدة في ارتفاع الدولار. ويشير هؤلاء إلى أن الذهب استُخدم خلال السنوات الماضية أداة لتغذية المضاربات وترهيب السوق، إذ غالبًا ما يتزامن ارتفاعه مع صعود موازٍ في سعر الدولار، أو العكس، في حلقة تغذي نفسها وتدفع الأسعار إلى مستويات أعلى. في الأحياء الشعبية، يُختصر المشهد بلغة مباشرة: كلما ارتفع الذهب شعر الناس بأن الدولار يتجه إلى مستويات جديدة «فوق 1500» دينار للدولار الواحد في السوق الموازي، ومع كل صعود للدولار ترتفع سلة واسعة من الأسعار، من المواد الغذائية والخضروات إلى الإيجارات وكلف النقل. وفي هذه الدائرة المغلقة، يضطر كثيرون إلى تأجيل أحلامهم؛ شاب يؤجل الزواج لأن المهر والمصوغات باتت خارج قدرته، وأسرة تؤجل شراء قطعة ذهب بسيطة لابنتها أو للادخار، لصالح أولويات أكثر إلحاحًا كالمستلزمات المدرسية، وقناني الغاز، وفواتير المولدات.
من هذا المنظور، يُنظر إلى معرض المجوهرات، وفق منتقدين، بوصفه حدثًا منفصلًا عن المزاج العام، يستعرض ثراء فئة محدودة في وقت تتآكل فيه القدرة الشرائية للأغلبية بفعل ارتفاع الدولار والضرائب والرسوم. ويُقرأ الحدث على أنه رسالة غير مباشرة بوجود طبقة لا يتأثر نمط حياتها كثيرًا بموجات الغلاء، بل قد تستفيد منها، طالما يُعدّ الذهب بالنسبة لها مخزنًا للقيمة ووسيلة لتعظيم المكاسب، فيما يتحول لدى الفقراء إلى رمز لفجوة طبقية متسعة وحلم مؤجل بالاستقرار والزواج والأمان الاقتصادي.
وبين خطاب رسمي يتحدث عن «توطين صناعة الذهب» و«مدينة ذهب» و«تنويع مصادر الدخل»، وشكاوى يومية من ارتفاع سعر الدولار وتآكل الرواتب وعبء الضرائب على أبسط الخدمات، يبقى سؤال واحد حاضرًا في أذهان كثير من العراقيين: هل تُصاغ سياسات السوق فعلًا لمصلحة الاقتصاد والمواطن، أم لمصلحة قلة قادرة على تحويل كل موجة ارتفاع جديدة في الذهب والدولار إلى فرصة إضافية، بينما يدفع الباقون كلفتها على موائد المعيشة والسكن والزواج؟
المصدر: وكالات









