متابعة / المدى
أعادت السياسات الاقتصادية للرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الواجهة نقاشًا عالميًا عميقًا حول مستقبل النظام المالي الدولي، في ظل تصاعد الخطاب الحمائي وتداخل الأدوات الاقتصادية مع الحسابات الجيوسياسية. ومع توسّع استخدام الرسوم الجمركية والضغوط المالية، لم يعد الصراع مقتصرًا على التجارة، بل امتد ليطال حركة رؤوس الأموال نفسها، ما دفع خبراء ومؤسسات مالية إلى التحذير من دخول العالم مرحلة جديدة توصف بـ«حروب رأس المال».
ويشير مراقبون إلى أن السياسات الاقتصادية الأميركية في عهد ترامب تمثل تحوّلًا نوعيًا في طبيعة التنافس الدولي، إذ لم تعد الأدوات التجارية التقليدية كافية لتحقيق الأهداف المعلنة، بل جرى اللجوء إلى تسييس المال والاستثمار. هذا التحول، وفق محللين، يهدد بتقويض أسس الثقة التي قام عليها النظام المالي العالمي لعقود، ويعيد رسم خريطة تدفقات رأس المال على أسس سياسية لا اقتصادية.
في هذا السياق، حذّر المستثمر الملياردير راي داليو، مؤسس شركة بريدجووتر أسوشييتس، من أن العالم قد يكون مقبلًا على صراعات مالية واسعة، معتبرًا أن نهج ترامب قد يفضي إلى ما وصفه بـ«حروب رأس المال». ويرى داليو أن هذه الصراعات لا تتعلق فقط بالتجارة أو الرسوم، بل بمدى استعداد المستثمرين والدول لتمويل العجوزات والاحتفاظ بأصول دول بعينها، وفي مقدمتها الدين الأميركي.
ويحذّر داليو من أن تآكل الثقة بالولايات المتحدة قد يدفع المستثمرين العالميين إلى تقليص حيازاتهم من سندات الخزانة الأميركية، وهو ما من شأنه أن يرفع كلفة الاقتراض ويضغط على الاستقرار المالي. هذه المخاوف تعززت عقب إعلان ترامب، في الثاني من نيسان/أبريل 2025، فرض رسوم جمركية مرتفعة تراوحت بين 10 و49 بالمئة على واردات معظم الشركاء التجاريين، في خطوة وصفها بأنها «يوم التحرير» للاقتصاد الأميركي.
لكن ردّة فعل الأسواق جاءت معاكسة للتوقعات. فبحسب تقارير اقتصادية ألمانية، سجّل مؤشر داو جونز الصناعي تراجعًا حادًا تجاوز 1600 نقطة، كما شهدت أسواق عالمية أخرى موجات هبوط، وسط مخاوف من اندلاع حرب تجارية شاملة قد تدفع الاقتصاد العالمي نحو الركود. وبدل أن تعزز هذه القرارات موقع الدولار، تسببت في عزوف نسبي عن العملة الأميركية والسندات المرتبطة بها.
تاريخيًا، شكّل الدولار العمود الفقري للنظام المالي الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ولا سيما بعد إرساء نظام بريتون وودز عام 1944، الذي ربط العملات العالمية بالدولار المدعوم بالذهب. ورغم انهيار هذا النظام في أوائل سبعينيات القرن الماضي، حافظ الدولار على مكانته بفضل قوة الاقتصاد الأميركي وثقة المستثمرين في مؤسساته واستقلالية سياساته النقدية.
إلا أن هذه المسلّمات بدأت تتعرض للاهتزاز. فخبراء اقتصاديون يرون أن سعي ترامب لإضعاف الدولار بهدف دعم الصادرات الأميركية يحمل مخاطر كبيرة، إذ إن ضعف العملة يُفسَّر في الأسواق بوصفه إشارة إلى تراجع الثقة. ويؤدي ذلك إلى ارتفاع عوائد سندات الخزانة وزيادة أعباء الفائدة، في وقت يعاني فيه الاقتصاد الأميركي من تضخم الدين العام.
وتتفاقم هذه المخاوف مع الحديث عن ضغوط سياسية على الاحتياطي الفيدرالي. فاستقلالية البنك المركزي تُعد عنصرًا حاسمًا في استقرار العملة، وأي مساس بها قد يعزز توقعات التضخم ويدفع المستثمرين إلى البحث عن بدائل أكثر أمانًا.
في هذا المناخ، عاد الذهب ليتصدر المشهد بوصفه ملاذًا آمنًا. ويؤكد داليو أن المعدن الأصفر يظل أحد أكثر الأصول قدرة على الصمود في أوقات الاضطراب، داعيًا إلى تخصيص ما بين 5 و15 بالمئة من المحافظ الاستثمارية له، ليس بهدف تحقيق مكاسب سريعة، بل لحماية الثروة على المدى الطويل في ظل تقلبات الأسواق وتراجع الثقة بالعملات الرئيسية.
ولا يقتصر التحول على الأفراد، إذ بدأت دول وصناديق سيادية بإعادة النظر في حجم انكشافها على الدولار. فالاستخدام المتكرر للعملة الأميركية ونظام المدفوعات العالمي كأداة ضغط سياسي دفع العديد من الأطراف إلى تنويع احتياطياتها. وفي هذا السياق، يُطرح اليورو بوصفه بديلًا محتملًا، مدعومًا باستقلالية البنك المركزي الأوروبي واستقراره المؤسسي.
ولا يزال الاقتصاد الأميركي يتمتع بمؤشرات إيجابية نسبيًا، إذ تتراوح أسعار الفائدة بين 3.5 و3.75 بالمئة، وبلغ معدل التضخم نحو 2.7 بالمئة. غير أن توقعات المستهلكين تشير إلى مخاوف تضخمية أعلى، كما أن السياسات الصارمة بشأن الهجرة قد تضغط على سوق العمل. وتشير دراسات صادرة عن مؤسسة بروكينغز إلى احتمال تراجع صافي الهجرة إلى مستويات غير مسبوقة، ما قد يرفع تكاليف العمالة ويغذي التضخم.
في المحصلة، يرى محللون أن العالم يقف عند مفترق طرق مالي. فـ«حروب رأس المال» قد لا تكون مجرد توصيف نظري، بل مسارًا يتبلور تدريجيًا مع إعادة رسم خرائط الاستثمار، وصعود الأصول الحقيقية، وتراجع الثقة بالمسلمات القديمة. مكاسب قصيرة الأجل قد تتحقق لبعض الاقتصادات، لكن كلفتها طويلة الأمد قد تكون تفتيت النظام المالي العالمي وزيادة عدم اليقين، في مرحلة يصبح فيها المال سلاحًا ودرعًا في آن واحد.









