TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > في متابعة ما يجري .. وفي فحص انتظاراتنا البائسة!

في متابعة ما يجري .. وفي فحص انتظاراتنا البائسة!

نشر في: 27 يناير, 2026: 12:03 ص

سهيل سامي نادر

كنت قد كتبت مايأتي : "ها نحن بانتظار ما تسفر عنه اجتماعات الاطار التنسيقي لاختيار رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة، ومن ثم ننتظر حصول اتقاق على منصبي رئيس مجلس النواب ورئيس الجمهورية، من غير تأليف الحكومة"

والحال حسم منصب رئيس مجلس النواب لمصلحة السيد هيبت الحلبوسي . سرعة الحسم جاءت لأن الاطار التنسيقي لا يرى في هذا المنصب سوى استحقاق طائفة وليس منصبا يؤثر على سير الامور في الاقتصاد والسياسة والقوانين والتعليم  والثقافة . منصب هو حصة في سياسة  تقوم على توزيع الحصص. صاحب المنصب ممسوك باتفاقات بين كتل، وقوة مركزه لا تتجسد بشخصه ومؤهلاته، بل بالمنصب الذي يشكل مركز علاقات بين كتلته والكتل مع بعضها البعض وبين السلطة. إن فضاء المجلس بسبب هذا النظام يفضي الى فضاء السلطة، بكل ما في هذه السلطة من مكاسب وتوزيعات غامضة بعيدة عن الرقابة. لم يفز الحلبوسي بأصوات السنة وحدهم بل بأصوات آخرين، بالأحرى هي ليست مجرد أصوات بل اعلان اتفاق. فيما عدا هذا لا يترك رئيس مجلس النواب وحده بل يجري انتخاب نوابه الاثنين من كتلتين شيعية وكردية، بما يكمل نظام الحصص في هذا المجال.

إذن لا أفراد في المجلس النيابي إلا إذا جاءت بهم مصادفة رقمية، الباقي ممثلو كتل. وياله من عراق ينتقل من عبادة الأفراد الى عبادة التمثيل، اختزال لتراتبية غير ظاهرة بل وغير مكتوبة بدستور إنما باتفاقات نسجت لها تقليدا. مبدأ انتصار التقاليد بريطاني النزعة لكن تقاليد نظامنا السياسي ناتجة عن متنافسين متناقضين بسبب الانتماء الطائفي المعبر عنه سياسيا يجلسون في  مكان واحد ما يستدعي أعمال السيطرة والتحكم لدرء التصادم. العراق السياسي، الممسوك بالعملية السياسية، وتمثيل المكونات، والمحاصصة، والنظام السياسي، وكل هذه التسميات متماثلة بسبب ضغط الكتل العددي والفيزيائي، يمضي بنا كل أربع سنوات بما يشبه تجديد الرخص لنفس المركبة.

منصب رئيس الجمهورية محسوم للمكون الكردي، لكن ثمة حالة من ديمقراطية لا مثيل لها في العالم جعلت من إشغال هذا المنصب مفتوحا لعدد من المرشحين تبدو المنافسة بينهم مستحيلة وتنم عن استهانة في المنصب، علما أن إغراءات المنصب اعتبارية ومادية، والأخيرة تساوي شيئا في الوليمة العراقية التي تتقاسم الجسد العراقي. منصب رئيس الجمهورية وضع بما يشبه المزاد العلني ، فهناك 81 مرشحا حسب بعض القوائم ، ثم هناك قائمة (أم الأربعين) مرشحا، يجري منها انتقاء مرشحي السباق الرئاسي. ولأنه لاسبيل لتجاوز المكون الكردي لهذا المنصب، فإن أغلب المرشحين لا هدف لكثرتهم غير توفير شكل انتخابي في تمثيل منصب. إنها لعبة روليت حتى وهي محسومة بنظام العادة ، والعادة التي استحالت الى قوة!

يمكن اعتبار الإطار التنسيقي شاهول مسبحة النظام السياسي القائم على المكونات، ولقد حسم هذا الشاهول المناصب التي لا تتمركز فيها القوة، أما المنصب المركزي، مركز المراكز فنحن ما زلنا ننتظر ما يقرره الشاهول السياسي. إنه الأن مشغول لاخراج رجل من معجنته!

وبالانتظار كتبت ايضا ما يأتي:" ما يحدث في فترة ما يعرف بحكومة تصريف الأعمال أن عوامل الوقت والندرة والتناقض واعمال التنسيق التوافقي تحاصر الاطاريين . بل إن عامل الندرة وحده يدير رؤوسهم يمينا ويسارا لأنهم استنفدوا الكارزمات المعول عليها والمعروفة ، وراحوا يجربون غيرها في مفاوضات مملة وترجيحات متناقضة. إنها فترة الشائعات وليس فترة اعادة التقييم ونقد التجربة" .

لحد الآن لم نسمع غير الشائعات والترجيحات في سياق صعوبة حسم هذا المنصب المركزي، ما يؤكد عامل الندرة ، والاختلاف بشأن اختيار شخص لا (يوصوص) حسب تعبير واحد من اركان الإطار قالها بحق الكاظمي وتصلح لفحص المرشحين إن كانوا من جماعة الوصوصة ام الطاعة. ما معنى ذلك التعبير المعبر؟ معناه أن المختار لهذا المنصب لا يراد منه أن يتصرف كشخص مستقل عن الإطار التنسيقي، بل أن يمثله ويطيع توجيهاته حتى لو لم تتفق مع معطيات الواقع ومتطلباته.

هكذا نعلم أننا يمكن عدّ الاطار التنسيقي ورشة نجارة تجري فيه سمفرة المرشح المركزي ومعالجة فرديته لكي تشفطها فيزياء الكتلة وإرادتها!

والحال هذه النتيجة مطلوبة لكن لا يعني أنها متحققة. فأزمة بعض قادة الإطار التنسيقي مع رئيس الوزراء السيد محمد شياع السوداني خرجت الى العلن، والمؤاخذات عليه لا تخلو من حقيقة: الديون والتنصت والفساد، والفاسدين الذين يخرجون بمكفولية سياسية ومالية وغيرها. لكن هذه المؤاخذات من داخل الاطار التنسيقي لم تظهر الى العلن الا بعد أن أصبح السوداني يمتلك كتلة قوية في انتخابات 2025 وصار مشروعاً لولاية ثانية. إن الطريقة السرية التي تدار فيها النقاشات داخل الاطار لا تتعلق ببرنامج إصلاحي يحتاج الى وقت وأرقام، بل إنه لا يتعدى البحث عن مرشح في سياق وحدة الإطار وتماسكه كممثل للمكون الشيعي!

سبق أن وصف السيد نوري المالكي النخب السياسية الحاكمة بالفاشلة، بما فيهم شخصه، هو الرجل العمدة . انه تصريح صادم في الحقيقة، لكنه فارغ بلا معلومات وجاء بعد أن أنهى ولايتين انتهت بخزينة فارغة وثلث العراق بيد الارهابيين. لكن ثمة نقدا لا يعتمد التصريحات الصادمة تقدم به السيد علي الاديب، قدم فيه تبريرا للاخطاء في سياق تحليل التجربة السياسية ومشاكلها، مع برنامج لتجاوز هذه الاخفاقات في محاضرة قديمة لم تتكرر ألقاها في منظمة السلم والتضامن حسب ما اتذكر، وسبق أن كتبت عن مضمونها.

إن ما يحيّر هنا وجود قادة إطاريين يعترفون بالاخفاق .. لكن الاخفاق يستمر ويصبح خانقاً ومحرجا للجميع. نستنتج من هذا أن الاخفاق الحقيقي يكمن في عدم وجود إرادة سياسية تمضي بنقد التجربة الى مسار جديد يطلق مشروع الاصلاح، وكلما غابت هذه الإرادة السياسية تغولت الاخطاء وباتت نهجاً سياسياً.

لماذا تغيب الإرادة السياسية؟

لأن النظام لا يعتمد على سياسة بناءة، أي سياسة تعمل على تحويل العلاقات بين الحياة الاجتماعية والبيئة السياسية الى  نسيج متضافر ومنسجم، بل يعتمد على طريقة العلاقات العامة والزبائنية وزيادة الانقسام الاجتماعي.

بعيدا عن الشخصنة ، وإن كنت لا أنفي وجود أشخاص سيئي السيرة ، أرى أن النظام السياسي القائم على المكونات بحصصها وما تسميه استحقاقاتها وابتزازاتها وأفرادها المهيمنين عديمي الكفاءة المهنية، يمنع من نمو هذه الإرادة، ويمنع أي مشروع لإعادة بناء الدولة على أسس الكفاءة المهنية والاخلاقية والتقاليد الديمقراطية. إنه نظام غريب يبني ممرات مصالح وزبائنية بين  الجهاز التشريعي والجهاز التنفيذي، تلتحق به السلطة القضائية وجميع الهيئات المستقلة.. ممرات إرضاع وإرضاء وتقاسم حصص وتواطؤات وفساد.

مثل هذا النظام يشكل من المجلس النيابي دائرة مغلقة شبه ماسونية من تبادل المنافع وتمريرها باسم الدستور والاغلبية، دائرة متصلة بالحكومة الموزعة على الكتل، فتدير الدولة بالطريقة نفسها، والناتج  دائرة أوسع تجمع مصالح ورشاوي متبادلة وفساد وحماقات يجري التستر عليها.

من هنا لا ينتج المجلس النيابي معارضة سياسية، لكنه يمرر الحصص والابتزازات المرتبطة بها ويحسبها استحقاقاً. البرلمانيون على اختلاف مللهم يمررون تشريعات تناسب موضع كتلهم ومصالحها، على طريقة واحدة لك وواحدة لي، وتلك هي صيغة الوحدة الوطنية القائمة على الزبائنية وانعدام الوطنية الحقيقية الجامعة. لا تنمو معارضة في مجلس نيابي كهذا له أذرع في الحكومة وممرات اليها وله ويقسم الحكومة الى حصص متغاضيا عن الكفاءة والسرقات.

إن عدم وجود معارضة برلمانية أدى إلى تخلف البيئة السياسية والحضاري للنظام مبتعدا ومتغرباً عن متطلبات الواقع والمجتمع. هذا التخلف ضيّق الحياة السياسية وحولها الى نشاط مغلق خاص بالكتل المهيمنة لتمرير مصالحها.

النتائج الخطيرة من هذه الوضعية أن ممثلي الشعب مرتهنون بكتلهم والكتلة الأكبر، كما يرتبطون بالحكومة عن طريق وجود تمثيل آخر، فالحكومة تمثل كتلهم عن طريق الحصص والامتيازات. إن أعمال التمثيل تجري في نظام مغلق تسوده المنافع المتبادلة. تبعات كل هذا أن هذا النظام المغلق لا يمتلك خارجية تحس بالمواطنين، بل هو يلبس جلدا غليظا من اللامبالاة والسطحية، من هنا تنمو المعارضة في الشارع حيث الحرائق الاجتماعية والطحن الفوضوي داخل فضاءات محتقنة بانعدام العدالة وسوء الادارة واللصوصية!

للشارع قوانين خاصة لا يمكن التنبؤ بها.

فهل يتفادى النظام السياسي الاحتقانات بإطلاق النار مرة أخرى كما فعل بالتشرينيين الذين لم يطالبوا باسقاط النظام بل بوطن؟ انظروا ما حدث ويحدث عند جيرانينا الغربي والشرقي الذين اعتادا اطلاق النار!

أثناء ما كنت أكتب هذا المقال جاء خبر تأكد من عدة جهات أن الاطار التنسيقي رشح المالكي لمنصب رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة. خبر لم يفاجئني، وإن شعرت أنه تسريب يسعى الى استدراك المفاجآت غير السارة وقطع الطريق على التكهنات وجس نبض الخارج. في كل الاحوال فقد جرت العادة أن المجرب يجرب سواء كان فاشلا باعترافه او لا نعرف عنه الكثير. الفشل ابو التجربة والتجربة سر النجاح، ولقد تأكد لي ما ذكرته عن عامل الندرة، والتكرار ، وانعدام برنامج للاصلاح وثبات برنامج وحدة الاطار التنسيقي الذي يوهم نفسه أن وحدته تعبر عن وحدة الطائفة حتى لو زيّف إرادتها في العيش الحر الكريم.

نقلا عن موقع 964 فقد صرح القيادي في ائتلاف دولة القانون، جاسم محمد جعفر، أن ترشيح نوري المالكي جاء بقرار “ثنائي” مع محمد شياع السوداني، لقطع الطريق أمام ظهور “زعيم جديد” قد يفتت وحدة الإطار التنسيقي مستقبلاً.

ومن هذا التصريح نقرأ ايضا:" اجتماع السيد المالكي والسيد السوداني كان للخروج من الانسداد السياسي، ولعدم الذهاب إلى خيار التسوية، لأننا في حال ذهبنا للتسوية سنصنع زعيماً آخر بعد أربع سنوات من إدارته للدولة، لينافس الزعماء الحاليين، فنحن لا نريد شخصية جديدة تصبح زعيماً وتعقد الأمور وتفتت الإطار"

ان معنى الندرة يتأكد في هذا التصريح الفقير جدا بالفكر السياسي، المأزوم ويثير الأزمة. الندرة اخت الفقر في حين أنها ترفع القيمة. الندرة تجعلك تبحث عن قائد فلا تجده الا عند مجرب بالفشل مرتين فالرهان عليه يقلل غير المتوقع والمخاوف من غير المتوقع. تتجلى الندرة كذك في البحث عن كلام مفيد بعد الصخب والثرثرة، والندرة هي البحث عن وحدة رأي وسط خلافات ليست ناتجة عن الفكر ومناقشات الاصلاح بل عن حب البقاء والسيطرة والتحكم!

يبدو أن الإطار التنسيقي اختار شخصاً مثخنا بالتجارب .. والعراق بلد المثخنين!

وانا اكتب كنت انتظر شيئا آخر. فكرت: ربما جرى استعجال طرح اسم المالكي. فالاطار التنسيقي يعاني من ضغوط داخلية وخارجية، في حين أن نصره الأخير في الانتخابات يقوي في بعض قادته روح العجرفة وما يعرف بالاستحقاق الذي يشبه عقد ملكية عقار.

بيد أن أي اختيار يتخذه الاطار التنسيقي بشأن ترشيح هذا الشخص او ذاك ليس بأهمية اختياره الاصلي في تكريس التمثيل الطائفي، فلأنه يقود العملية السياسية ويسيطر على السلطة فأن هذه السياسة تشكل فضاءً اجتماعياً وسياسياً يحفز الطوائف والاثنيات الأخرى لكي تمارس التمركز الذاتي والانكفاء. لا تصلح التمركزات الطائفية والتكتلات العشائرية والمناطقية لبناء دولة عادلة ولا لبناء مجتمع صحي. إن التعددية الاجتماعية الطبيعية تنقلب الى فوضى وانسدادات تتكرر وزمن اجتماعي يتبدد.

إذا كان للاطار التنسيقي برنامجا للاصلاح، أو له الاستعداد لنقد التجربة السياسية بوضوح، فسيكون عليه دعم مرشحه ببرنامج للاصلاح معلن وصريح ومفتوح على وعي الاخرين واقتراحاتهم. إن أفضل ما يمكن عمله قبل كل شيء هو الانتباه الى أن سيادة الروح العشائرية والطائفية والمناطقية يفكك المجتمع ويعرضه للانقسام، ما يستدعي خططا جديدة، وأولها إعادة بناء الدولة على اسس ديمقراطية وحديثة وفك اشتباكاتها مع النزعة الطائفية السائدة والسلاح المنفلت. إن بناء دولة القانون لا يمكن ان تكون الا دولة المواطنين الأحرار.

يقدم الحدث السوري درسا على ما تفعله طائفية وضعت يدها لكي تنتصر بيد الاجانب والامبريالية.

ما زلنا ننتظر!

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: مئوية سليم البصري ومحنتنا

هل يمكن للثقافة أن تنهض في ظل الطائفية؟

العمود الثامن: الصيهود قبل وبعد.. وبعد

العمود الثامن: المالكي والصفارة الثالثةً

العمود الثامن: "شنطة" نجيب محفوظ

العمود الثامن: ام كلثوم تستقبلني في المطار

 علي حسين ما ان هبطت بنا الطائرة القاهرة ، حتى وجدت ثلاثي النغم العظيم " ام كلثوم ومحمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ ، يستقبلون زوار مصر المحروسة بابتسامة اطمئنان ، سألت رفيقي...
علي حسين

في متابعة ما يجري .. وفي فحص انتظاراتنا البائسة!

سهيل سامي نادر كنت قد كتبت مايأتي : "ها نحن بانتظار ما تسفر عنه اجتماعات الاطار التنسيقي لاختيار رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة، ومن ثم ننتظر حصول اتقاق على منصبي رئيس مجلس النواب...
سهيل سامي نادر

المالكي لرئاسة الحكومة بعد 12 عاما.. دورة كاملة للسياسة العراقية

د. اياد العنبر ‎ لطالما حاول فلاسفة السياسة، تفسير تقلبات أنظمة الحكم ‎في دورات التاريخ، واختلفوا في توصيف كيفية حدوثها. فأفلاطون كان يعتقد أن دورة أنظمة الحكم تسير بطريقة دائرية، أما مكيافيللي فكان يعتقد...
اياد العنبر

النكوص الرجعي في بنية الأحزاب العراقية

د. أمجد السوّاد لم تُنشأ الأحزاب السياسية الحديثة بوصفها تجمعات ولاء أو أطرًا قرابية، بل باعتبارها مؤسسات إنتاج فكر وسياسات تتفاعل مع المجتمع، وتحمل آليات للمساءلة والتجديد. غير أن التجربة العراقية لم تسلك هذا...
د. امجد السواد
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram