د. فالح الحمراني
أبرزت دراسة مفصلة تناولت أزمة المياه في الشرق الأوسط العراق كنموذج واضح على هشاشة التوازن المائي الإقليمي؛ إذ تعتمد البلاد بحوالي 98% من مواردها المائية على نهري دجلة والفرات، وكلاهما ينبع من خارج الأراضي العراقية. هذا التركيب المائي يجعل بغداد شديدة الاعتماد على قرارات الدول المجاورة، ويزيد من حساسية البلاد تجاه أي تغييرات في إدارة المياه العابرة للحدود.
ورصدت الدراسة التي نشرتها صحيفة "إزفيستيا» الروسية واسعة الانتشار (ونعرض أدناه أبرز محاورها)، أن الوضع يستمر في التدهور في ظل تغير المناخ وتزايد سحب المياه من أعالي النهرين. فبين عامي 1933 و2023، تضاعف حجم موارد المياه المتاحة في العراق أكثر من ثلاث مرات، حيث انخفض من 30 مليار متر مكعب إلى 9.5 مليار متر مكعب. وكان عام 2025 الأكثر جفافاً في البلاد منذ عام 1993. وصرح مستشار لوزارة الزراعة العراقية، بضرورة تشكيل مجموعة تفاوضية مع دول الجوار لضمان الأمن المائي الكامل. وإذا استمرت الأوضاع المناخية والسياسية الراهنة، فإن العراق يواجه خطر فقدان التدفقات النهرية الدائمة الحالية بحلول عام 2040.
. تتجاوز التداعيات البيئية لندرة المياه المؤشرات الاقتصادية بشكل كبير. فأهوار بلاد ما بين النهرين، وهي أحد أهم النظم البيئية في المنطقة ومدرجة على قائمة اليونسكو للتراث العالمي، وموطن لعشرات الأنواع النادرة والمهددة بالانقراض، تواجه خطر الجفاف مجدداً. ويؤثر انخفاض تدفقات المياه بالفعل على التنوع البيولوجي، ونمط الحياة التقليدي للمجتمعات المحلية، واستدامة المناطق الجنوبية من البلاد. وتُعد أزمة المياه المتفاقمة في العراق جزءاً من أزمة المياه الأوسع التي يواجها الشرق الأوسط عموماً؛ فبحلول عام 2030، قد يتجاوز الطلب على هذا المورد في المنطقة العرض بنحو 50%. وتؤدي ندرة المياه إلى تفاقم المخاطر الاقتصادية، وتقويض الأمن الغذائي، وتصعيد النزاعات على الأنهار العابرة للحدود - من دجلة والفرات إلى النيل - مما يجعلها عاملاً رئيسياً في زعزعة الاستقرار الإقليمي.
وعلاوة على ذلك، يتفاقم نقص الموارد بسبب تغير المناخ، والنمو السكاني، والقضايا العابرة للحدود. يُعد الطلب على المياه ضعف العرض، وتصبح ندرة المياه تحدياً رئيسياً لدول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فمن بين أكثر 17 دولة تعاني من شح المياه في العالم، تقع 12 دولة في الشرق الأوسط، مما يؤثر فعلياً على السياسات الاقتصادية وقضايا الأمن الإقليمي. ويتفاقم الوضع بسبب تغير المناخ، والنمو السكاني السريع، وسوء إدارة موارد المياه.
وتشير الخبيرة دانييلا بوستروم، التي عملت سابقاً في هيئة الأمم المتحدة للمياه، إلى أن ندرة المياه تزيد بشكل مباشر من احتمالية نشوب النزاعات. وتُشير تقديراتها إلى أن تدهور الأراضي الرطبة في دول الساحل، والذي يعود معظمه إلى مشاريع تنمية المياه غير المدروسة، قد فاقم النزاعات المحلية حول الوصول إلى المياه والأراضي الخصبة. أفادت الخبيرة لصحيفة "إزفستيا»: «يتجلى منطق مماثل في العالم العربي، حيث أدت النزاعات المستمرة في عدة دول إلى تدهور البنية التحتية للمياه، وتعقيد إدارة الموارد، وإعاقة فرص التعاون الإقليمي في الشؤون المائية». وتتأثر المنطقة بشكل غير متناسب بتغير المناخ؛ فارتفاع درجات الحرارة، وعدم انتظام هطول الأمطار، وزيادة التبخر، تزيد الضغط على موارد المياه العذبة الشحيحة أصلاً.
ورغم أن الشرق الأوسط يضم 1% فقط من موارد المياه العالمية، فإنه يضم نحو 6% من سكان العالم. ويقل نصيب الفرد من المياه في معظم دول المنطقة كثيراً عن عتبة الندرة المطلقة. ففي الأردن واليمن والعديد من دول الخليج، انخفض هذا النصيب إلى أقل من 100 متر مكعب سنوياً (في المقابل، يبلغ 29 ألف متر مكعب في روسيا)، ومن المتوقع أن يتجاوز الطلب على المياه العرض بنحو 50% بحلول عام 2030. قد تكون العواقب الاقتصادية لهذا الخلل وخيمة؛ فبحلول منتصف القرن، قد يتسبب نقص المياه في انخفاض الناتج المحلي الإجمالي لدول المنطقة بنسبة تصل إلى 14%، مما يزيد من تدفقات الهجرة واحتمالية اندلاع الصراعات. وفي العراق وسوريا، أدى نقص المياه بالفعل إلى تراجع الإنتاج الزراعي ونزوح السكان من المناطق الريفية. أما في مصر، فإن أي اضطراب في تدفق النيل يهدد الأمن الغذائي والطاقة والاستقرار الاقتصادي الكلي. تلفت ميسون الزعبي، الخبيرة في سياسات المياه الدولية ودبلوماسية المياه، الانتباه إلى المخاطر طويلة الأجل التي تهدد الأمن الغذائي. فوفقًا لتوقعات مقلقة، قد تواجه دول المنطقة العربية بحلول عام 2050 تحديًا يتمثل في وقوع منابع النيل – النيل الأبيض والنيل الأزرق – خارج سيطرتها، مما يزيد من هشاشتها. ويُعد بناء إثيوبيا لسد النهضة، أكبر مشروع للطاقة الكهرومائية في القارة الأفريقية والذي ينبع منه النيل الأزرق، المصدر الرئيسي للتوتر.
وقد أدى اتخاذ القرارات بشأن ملء الخزان بشكل أحادي الجانب، ودون اتفاقيات قانونية مع القاهرة، إلى تقويض الثقة بين الطرفين. وتخشى مصر من أن يؤدي خزان السد الضخم، المصمم لاستيعاب حوالي 74 مليار متر مكعب من المياه، إلى انخفاض تدفق المياه إلى المصب، خاصة خلال فترات الملء الأولية وفي سنوات الجفاف. ويشكل هذا مخاطر جسيمة على مصر، بما في ذلك انخفاض منسوب مياه بحيرة ناصر خلف السد العالي في أسوان، وما يترتب على ذلك من آثار محتملة على الري، وإنتاج الغذاء، وتوليد الكهرباء. وعلى الرغم من أنه لم يُسجل أي انخفاض ملحوظ في تدفق النيل عند افتتاح سد النهضة في سبتمبر 2025، فإن نظام تشغيل السد يسمح بتنظيم التدفق، مما قد يسهم في استقرار جريان المياه السطحية، مع تعزيز سيطرة إثيوبيا على مواردها المائية خلال فترات الجفاف. ويشير الخبير، في تصريح لصحيفة إزفستيا، إلى احتمال انخفاض توافر المياه بنسبة 30% تقريبًا، مما سيؤدي إلى تراجع الإنتاج الزراعي بنسبة تتراوح بين 30 و60%. وفقاً لميسون الزعبي، يمثل هذا الوضع تهديداً بنيوياً للمنطقة؛ حيث تعاني المنطقة من تدهور واسع النطاق في الأراضي - مع العلم أن ما يقرب من نصف مساحة اليابسة في العالم تقع ضمن الدول العربية - بالإضافة إلى اعتماد كبير على واردات الغذاء يتجاوز 50%.
ويظل حوض النيل نقطة خلاف مائي رئيسية أخرى في المنطقة، إذ يُعد النهر شرياناً حيوياً لمصر والسودان، حيث يمد السكان والزراعة والصناعات الأخرى بالجزء الأكبر من مياهها العذبة.









