طالب عبد العزيز
لم تأتك المركباتُ بمن تحب، ولم ينحدر من الجبل الصوتُ الذي تأمله وترجوه، وسفنٌ رصاصيةٌ تقتربُ من الخليج وتملأه؛ تحمل اليك الكدر والغربة والموت، وبنادقٌ مسعورةٌ لا تعرف وجهتها قد لا تخطئوك المرةَ هذه، والذين ركبوا بحر نجاتك تأخروا في الضباب، أضلهم قمرٌ فقير، موجٌ عتيٌّ ثقيل أخذَ بناصية أيامهم، والذين أوثقوا أخيلتهم الى شجرة خيالك تعثروا بعشبة قلبك، تكتبُ ما لا تريده، وتسمع ما تكرهه وتنفر منه، وتأكل ما لا تستطعمه، حَسكُ وسعدانٌ كثير يعلق بك، هذه الغربة تقشطُ ما ظلَّ من جلد صبرك وتقواك... فأين أنت من هذه وتلك؟ ولماذا لا يتحققُ الممكنُ، ولا يُصلحُ سندانٌ صفيحَ روحك بمطرقة، ولا يرفو مِخرزٌ جلباب روحك. يأخذك (الدانوبُ الأزرق) من حيث تعلم بكماناته، يوهان بابتيست شتراوس الأبن هذا، لا يدعك تكملُ القطعة التي ترجوها رخيّةً، هادئةً. الصبحُ الأبيض من حولك يدعوك لأن تمدَّ بعنقك خارج ما أنت محاصِرٌ أنفاسك فيه من الحجر والاسمنت والاصباغ.
هم يملأون البحر سفنا رصاصية بخراطيش لا تعدُّ، وهم يثقبون السماء بما يطيرُ وينحطُّ، والأرض عمّا قريب ستهتزُّ خلف النافذة، فلا تشرق الشمس إلا ناحلةً، و(أندريه ريو) بثوبه الأسود الطويل؛ يعيد توزيع مياه الدانوب؛ بحسب مشيئة الابواق والكمنجات، التي تروح وتغدو بين الاذرع البضَّة العارية، لم آنس بالعرض الذي قدَّمه المتصفحُ الأول لي، فحِدتُ عنه؛ الى قطعة أخرى، وأخرى، فأخرى، لكنَّ الدانوبُ النهرُ ظلَّ يخترق العواصمَ البيض، ويتنزَّلُ عطراً وألواناً وخصوراً ورقصات بين فيينا والبولشوي، يا إلاهي من أينَ جاؤوا بالحشد من الراقصين هذا، وكيف تقودهم الموسيقى الى الابهاء والشرفات، وفيما ينتظر الجالسون زمجرة الألات الأخيرة كان ريو يعيد خصلات شعره الأشقر الى ما كانت عليه.
في القاعة التي لا تحدُّ ببصر، ولا تسبر بقلب وعين، ولا تؤتى مباهجُها من ثغر واحد، ويصطف الراقصون مخملاً من وهج، سُوريَنِ من أزرق ماسيٍّ طويل. النساء الراقصات بالابيض؛ والرجال الراقصون بالاسود، والصبايا الحافّات بالازرق والولدان الحافّون بالكرزيِّ المأنق.. صرتُ أبحث في الألوان عن لون آخر للسماء، التي تضيق بي، في الغرفة الصغيرة، التي لم تعد تطلُّ على النَّهر. الآن، ينسرحُ ثوبُ عازفة البيانو عن كتفيها، فتتركه ينسرح، حتى أبدِ الآبدين العازفين، وهذه السيدة تمسحُ دموعاً، لا أعرف كيف يبكي هؤلاء، تقول الصحافة بأنَّ موسيقى يوهان شتراوس ساعدت سكان فيينا على نسيان همومهم. هل أتصلُ بصديقي البصريّ عمر الراوي، عضو البرلمان النمساوي، أم أتركني لحيرتي بما أنا فيه؟
قد يأتي من يقول لي مَنْ أنتَ ياهذا، لكي تغرم بموسيقى الفالس؟ كن حيث أنت، مع هذه وتلك، من الانغام، التي لا ترشد الى الرقص أكثر من النواح، فأنت رجلُ فلاحٌ، تسكن آخر الأرض، وتحفُّك ألوانُ أرضك الكالحة، الأغبرةُ والاتربة والاطيان مادة روحك وأنفاسك، وتخمطُ عشبةَ قلبك إبلُ وأحصنةُ أهليك، ويتهددُ رأسكَ غيرُ واحد، ببندقية أو بغيرها، إن غامرت بكأس نبيذ، وإنْ أخذت خطوط للقاء امرأة في مقهى، ومن أنت لكي تنقِّب في طبقات لابتوبك عن العازفين والفرق التي قدمت (الدانوب الأزرق) فلا أجدُ أجوبةً، فأطأطئُ برأسٍ صغير أبيضَ مصغياً، أبحث في أذني عن صوت مختلف لي.
الآن أردُ بأنَّ الظنونَ التي أوقفتنا طويلاً على حقيقة ولع الشاعر محمود البريكان بالموسيقى الأجنبية فأكذبها؛ ولا أترددُ بتصديق ما كان يقصّه علينا من معرفته بقادة الفرق، والعازفين، والآلات، والفروق بين السيمفونية والكونشيرتو وهذه وتلك، الآن نعرف بأنه كان يهرب مما يضيق به، يراكم أخيلةً ليكون، يحفظ عن ظهر قلب مضطرب؛ أسماء القاعات والمسارح ودور الاوبرا، ويذهب الى بلاد يعرفها بأذنه التي صانها عن كثير نسمعه، كان البريكان يهرب من حروبنا جميعاً.









