TOP

جريدة المدى > عام > الصلة الوثيقة بين السينما والرسام إدوارد هوبر

الصلة الوثيقة بين السينما والرسام إدوارد هوبر

نشر في: 28 يناير, 2026: 12:02 ص

بقلم: كات بيلو
ترجمة بتصرف: خنساء العيداني
تتميز لوحات إدوارد هوبر بطابعها السينمائي الأيقوني، حيث تجسد لحظات من العزلة والتوتر، وقد أثرت أشهر أعماله، بما فيها "نايت هوكس" و"نيويورك موفي"، على صنّاع الأفلام وجماليات السينما لعقود؛ لإن موهبته في سرد ​​القصص بصريًا، جعل من فنه مصدر إلهام دائم في عالم الفنون الجميلة وهوليوود؛ فقلّما يحظى فنانون بشهرته ومكانته، وعلاقته الفريدة بالسينما، وشغفه بالأفلام؛ فتركت أعماله أثراً عميقاً وواسع النطاق على عالم السينما لعقود.
هل رسم مشاهد من الأفلام؟
يٌشار الى مشهد موظفة الاستقبال المتأملة في دار السينما في لوحة «فيلم نيويورك»، أو رتابة الحياة اليومية الكئيبة في لوحة «غاز»، بكثرة في الأفلام والرسوم المتحركة والبرامج التلفزيونية والإعلانات؛ فيُعتبر إدوارد هوبر معبرا مثاليا لعزلة القرن العشرين، فمارس الرسم بنشاط حتى عام ١٩٦٥، وغالبا ما يُذكر مصحوباً بكلمات: الوحدة والعزلة والاغتراب والخلود، حيث يُهيمن على لوحاته شعورٌ لا يُنكر بالكآبة، ففي مناهضة لمعظم معاصريه الواقعيين، صوّر هوبر الحياة الحضرية بأسلوبٍ أنيقٍ ودقيق، وزاخرٍ بالطبقات النفسية؛ لتصنف أعماله الفنية في مكانٍ ما بين الواقعية والانطباعية والتعبيرية والسريالية؛ فهي تزخر بشخصياتٍ وحيدة، ومبانٍ شاهقة، وسماءٍ مُلبّدةٍ بالغيوم، ونوافذَ تُوحي باستراق النظر، وواجهاتٍ غامضة، وتمنح الألوان النقية والإضاءة القوية والاقتصاد في تفاصيل الخلفية لوحاته ذلك التأثير الصامت والخلوّي الذي تشتهر به، وايضا يتميز ابطاله بالصلابة والصرامة، لكن أعماله مؤثرة، ومكثفة، ودرامية، وتُشبه، في كثير من الأحيان، لقطات ثابتة من الأفلام، من خلال تصويرية تعبيرية دقيقة في تكوينها، وتأطيرها، وإضاءتها، وتتناغم بشكل وثيق مع الأفلام.
عوالم هوبر السينمائية والتوتر السردي
يقول المخرج الألماني ويم فيندرز: «أمام لوحات إدوارد هوبر، ينتابني شعور بأنها مشاهد من أفلام لم تُصنع قط... أبدأ بالتساؤل عن القصة التي تبدأ هنا؛ ماذا سيحدث لهذه الشخصيات في اللحظة التالية؟»
وهذه قراءة مهمةً لأعمال إدوارد هوبر، وتكشف جوهر فنه، وإضفاء الحركة والسرد على لوحاته، وهو ليس مجرد قراءةٍ توضيحيةٍ لأعماله الفنية، ولكنه في الواقع استجابةٌ قويةٌ للتوتر السينمائي الذي يُعدّ جانبًا أساسيًا من مسيرة هوبر الفنية، فقد ابتكر هوبر عوالمَ زاخرةً بقواعدها وأجوائها وشخصياتها ومشاعرها وموضوعاتها الخاصة، ومساحات غنية بالإيحاءات السردية، حتى وإن لم تكن بحاجةٍ إلى خاتمةٍ سردية؛ فالصور قويةٌ بما يكفي لإثارة فضول المشاهد.
استكشاف التوتر السينمائي في فن إدوارد هوبر
كان هوبر يتجول في المدينة ويرسمها لساعات طويلة، تمامًا كما يفعل كشاف المواقع في فيلم سينمائي؛ فخطط لجميع لوحاته بعشرات الرسومات التخطيطية لتكون أشبه بلوحة قصصية تصاحبها زوجته الفنانة جوزفين هوبر بتعليقات تُشبه ترجمة مدير التصوير السينمائي للسيناريو إلى لغة بصرية.
يقول مدير التصوير السينمائي إد لاكمان، «لقد خلق هوبر حالة روحية وأجواءً وسياقات عاطفية لشخصياته، دون أن يروي قصة لأحد». لم يُقدّم سوى تلميحات. نحن، كمصورين ومخرجين فنيين، نعمل بنفس الطريقة. لغتنا، وقوة السينما، تكمن في الصور.
تقنيات هوبر السينمائية: الضوء، والمنظور، والتوتر
تتسم رؤية هوبر أحيانًا بنظرة استراقية، إذ يُرينا منظرًا خارجيًا لأشخاص غير مدركين لما يدور حولهم. وفي أحيان أخرى، يأخذنا إلى داخل غرف ومطاعم وعربات قطار وشوارع المدينة في عالمه الخاص. حتى عندما نُدخل إلى هذا العالم، نبقى منفصلين عنه، تمامًا كما هو الحال عند مشاهدة فيلم أو مسرحية. نتبع الشخصيات إلى عوالمها، لكننا نبقى عاجزين عن التأثير في المشهد.
يُعدّ الضوء عنصرًا أساسيًا في أعمال هوبر. يُروى أن الفنان صرّح ذات مرة: «كل ما أريده هو أن أرسم الضوء على جانب منزل». فالضوء عند هوبر ليس مجرد ضوء، بل هو لون وشكل وجوٌّ أيضًا.
إرث هوبر الخالد في السينما والثقافة الشعبية
كان هيتشكوك صريحًا جدًا بشأن تأثير هوبر على أعماله. كما أثر هذا الفنان الأمريكي الكبير على مايكل أنجلو أنطونيوني، وديفيد لينش، وروي أندرسن. ومن أشهر أعماله لوحة «المنزل بجوار السكة الحديد»، التي كانت مصدر إلهام رئيسي لفيلم هيتشكوك الشهير «سايكو» (١٩٦٠). كما ألهمت اللوحة تصميم المنازل الموحية بالشر في أفلام «العملاق»، و»أيام الجنة»، وحتى «عائلة آدامز».
حتى بعد وفاته عام ١٩٦٧، التي تزامنت مع ثورة سينمائية في هوليوود، ظلت أعمال هوبر تؤثر في العديد من صانعي الأفلام. ذُكر اسمه في العديد من الأعمال الكلاسيكية، وأفلام الإثارة، والدراما النفسية، ورسوم الكرتون الكوميدية، وبرامج المراهقين، والفيديوهات الموسيقية. بعد أربعين عامًا من أبراهام بولونسكي، اصطحب المخرج ريدلي سكوت طاقم عمله لمشاهدة فيلم «نايت هوكس»، ووجّههم لاستلهام التصميم البصري الكامل لفيلمه الرائد في الخيال العلمي «بليد رانر» منه.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

موسيقى الاحد: موتسارت الاعجوبة

في الذكرى العاشرة لرحيل عميد الصحافة العراقية: فائق بطي.. الصحفي الباحث عن الحقيقية لا المتاعب

إرث ما بعد الدراما..أوروبا تراجع ونحن نزايد؟

قطار الى سمرقند.. سرد يمزج الحقائق التاريخية والخيال الأدبي

نجيب محفوظ.. احتفاء وندوات في معرض القاهرة للكتاب

مقالات ذات صلة

كأنّ اللغة تمسك يدك
عام

كأنّ اللغة تمسك يدك

ناظم ناصر القريشي الزمن بوصفه رؤية للعالم ينفتح الديوان على بوابة لغوية تعمل كشقّ في جدار الزمن: «غراب يشحذ حفنة وقت». ليس الفعل هنا شحذ الحدّ، بل شحذ الحاجة؛ فالغراب لا يصنع الزمن، بل...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram