ترجمة: المدى
"أكون أو لا أكون..."، هذه العبارة الشهيرة التي وردت في مسرحية (هاملت) للكاتب الكبير وليم شكسبير، قدمت لها المخرجة كلوي تشاو تفسيراً مذهلاً ملقية ضوءاً جديداً على عمل شكسبير وهذا المنولوج الغامض الذي بات أسطورياً، في فيلمها الجديد المقتبس من رواية لماغي اوفاريل..فبعد إخراجها فيلم "الأبديون" عام ٢٠٢١، وهو الفيلم السادس والعشرون في سلسلة أفلام مارفل، تُوجّه المخرجة الصينية والاكثر أمريكية كلوي تشاو اهتمامها إلى شكسبير بفيلمٍ تاريخي يُسلّط الضوء على نشأة عملٍ أيقوني لأحد أعظم كُتّاب المسرح في التاريخ. ويُعرض فيلم "هامنت"، الحائز على جائزتي غولدن غلوب (أفضل فيلم درامي وأفضل ممثلة في فيلم درامي لجيسي باكلي)، حاليا ًفي دور العرض الفرنسية.
تجري أحداث الفيلم في عام 1580، في ستراتفورد، حيث يُعيّن شاب مثقف لتعليم اللغة اللاتينية لأطفال عائلة في بلدته الصغيرة. ومن اللحظة الأولى التي يرى فيها أغنيس، الابنة الكبرى، يُفتن بها. هذه الشابة، المُحبة للطبيعة، هي ابنة زوج سابق. تقضي وقتها في الغابة، تجمع النباتات الطبية أو تُطعم صقرًا روّضته وتُحادثه، كما تُفتن أغنيس بويل أيضًا على الفوربالشاب وتصفه قائلة: "رجلٌ يمتلك ثراءً داخليًا يفوق أي رجل آخر قابلته في حياتي».
عندما كانت لا تزال طفلة، فقدت أغنيس والدتها التي توفيت أثناء ولادتها. وقد ورثت أغنيس من والدتها معرفتها بالطبيعة والغابة والنباتات. كما ورثت الشابة من والدتها صلةً فريدةً بالعالم من حولها، وإدراكًا مُرهفًا لكنها لم تكن الزوجة المثالية في نظر عائلة ويليام، الذين يعتبرونها ساحرة وعديمة الفائدة. لكن الشابة حامل، لذا يُسمح لهما بالزواج. وبعد ولادة ابنتهما الأولى، يُرزقان بتوأم: صبي يُدعى هامنت، وفتاة تُدعى جوديث، وُلدت ميتة لكنها أُعيدت إلى الحياة..بعد ذلك، يرحل ويليام إلى لندن، حيث يبدأ مسيرته المهنية ككاتب مسرحي، بينما تتولى أغنيس رعاية الأطفال، إلى أن يأتي اليوم الذي تُحطم فيه المأساة وئام الأسرة بوفاة هامنت.
"أكون أو لا أكون... هذا هو السؤال." في هذا الفيلم الجديد، تقدم المخرجة البالغة من العمر 43 عامًا والحائزة على العديد من الجوائز (جائزة الأسد الذهبي في البندقية، وجائزتي غولدن غلوب، وثلاث جوائز أوسكار عن فيلم نومادلاند) تفسيرًا فريدًا حقًا لهذه العبارة الشهيرة التي نطق بها هاملت. فمن خلال سرد القصة الشخصية للكاتب المسرحي، يُلقي الفيلم، المقتبس من رواية ماغي أوفاريل، الضوء على أعمال شكسبير، وبشكل أوسع، على أسرار الإبداع. فبالنسبة لشكسبير، كما بالنسبة لأغنيس، تتحول الدراما الحميمة على خشبة المسرح إلى تطهيرٍ للنفس.
وتوضح الروائية وكاتبة السيناريو المشاركة ماغي أوفاريل قائلةً: "لطالما شعرتُ بالظلم الشديد تجاه هذا الطفل، إذ لم يربط أحد بين هذا الصبي الصغير، الذي كان اسمه هامنت، والمسرحية التي كُتبت بعد أربع أو خمس سنوات، والتي تحمل عنوان هاملت"، مُقتنعةً بأنه "لولا هامنت، لما كان لدينا هاملت. إننا مدينون بالكثير لهذا الطفل الذي كاد يُنسى تمامًا».
وفي إنتاجٍ مُبهر، تُقرّب كلوي تشاو الكاميرا من الشخصيات ومشاعرها وأحاسيسها، كما تُعطي مكانةً مركزيةً للحياة نفسها، وللطبيعة، وللغابة، كوحدةٍ متكاملة. إذ تبني المخرجة هذه القصة خطوة بخطوة لتقودنا إلى هذه اللحظة المؤثرة عندما تحضر أغنيس العرض الأول لمسرحية هاملت في مسرح غلوب الذي بناه شكسبير للاحتفاء بابنه المفقود.في البداية، شعرت بالغضب، لكنها سرعان ما انجذبت (ونحن معها) إلى المعجزة التي صنعها زوجها، الذي حلّ أعظم الألغاز على خشبة المسرح، وبذلك شفى كلا الوالدين من أعمق أحزانهما. تساءل ويليام: "أين موتانا؟"، ناصحًا أغنيس: "لا تتوقفي أبدًا عن البحث عن ابنك". وأجابها: "حيث نختار أن نخلق لهم مكانًا"، مُخلّدًا صورة ابنه الراحل في الأبدية من خلال عمله.
وبعيدًا عن بُعده شبه الصوفي، يُقدّم الفيلم منظورًا واقعيًا، دافعًا بنا إلى إنجلترا الإليزابيثية القاسية، بأماكنها وعاداتها، وقسوة العلاقات الأسرية والاجتماعية، والفقر، وانعدام الراحة، وهيمنة الدين، والخوف الدائم من الموت. ويُلقي هذا التجسيد الدقيق لتلك الحقبة الضوء على أعمال شكسبير، واضعًا إياها ضمن سياق جغرافي، ومناظر طبيعية، وأجواء، وبيئة، ومُبرزًا شخصيات مثل والد ويليام القاسي، أو شخصيتي أغنيس ووالدته اللتين تتسمان بالواقعية الشديدة. وتتنقل المخرجة بسلاسة بين هذين الأسلوبين، فمن جهة، تُقدم إعادة بناء واقعية للغاية، ومن جهة أخرى، صورًا تُشعرنا وكأننا ندخل عالمًا خياليًا، لا سيما في الغابة، أو منزل العائلة المُنمّق، أو الحديقة، حيث يُؤدي الأطفال المُقنّعون نصوص والدهم في عرض تمهيدي.
يُعدّ فيلم "هامنت" قصيدةً لقوى الطبيعة، وهو أيضًا فيلمٌ عن قوة المرأة والخوف الذي تُثيره عندما ترفض الانصياع للتوقعات الاجتماعية وتُقرر كيف تُريد أن تعيش، وتُحب، وتُنجب، وتُربي أطفالها. وأمام الممثل بول ميسكال، الذي يجسد دورالكاتب المسرحي العظيم في أعمق أبعاده الإنسانية، تُجسّد جيسي باكلي بكل جوارحها شخصية رائعة لامرأة قوية وذكية ومستقلة، عرفت كيف تُبقي قلبها مفتوحًا رغم المصاعب والموت الذي كاد يطرق بابها.فعندما تحلّ المأساة، يضعف الزوجان اللذان كانا متلازمين بشدة. ولكن من محنتهما المشتركة ستولد فكرة تحفة أدبية عالمية.
المخرجة كلوي تشاو تفكك لغز "هاملت" في فيلم آسر وفريد

نشر في: 29 يناير, 2026: 12:02 ص








