علاء المفرجي
بعد ترشيحه لجائزة أوسكار أفضل فيلم دولي طويل، ينضم (صوت هند رجب) للقائمة القصيرة لجائزة البافتا.
يمزج فيلم "صوت هند رجب» بين التوثيق والدراما، مستخدماً صوت هند الحقيقي، ليقدم تجربة سينمائية مؤثرة تعكس الواقع القاسي وتثير تساؤلات حول استغلال أو تقديس الضحايا. التونسية كوثر بن هنية توثق مأساة الطفلة الفلسطينية هند رجب التي قتلت مع عائلتها على يد الاحتلال الإسرائيلي بداية 2024.
فيلم "صوت هند رجب»، أحدث أفلام كوثر بن هنية، التي رُشِّح فيلماها السابقان "الرجل الذي باع جلده " و» أربع بنات " لجائزة الأوسكار، هو فيلم وثائقي درامي مؤثر، يستند إلى مكالمات هند الهاتفية مع جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني أثناء تنسيق جهودهم لإنقاذ حياتها.
ففي 29 كانون الثاني 2024، أمر الجيش الإسرائيلي بإخلاء حي تل الهوى في قطاع غزة. في ذلك اليوم، حوصر ستة أفراد من عائلة حمادة، بالإضافة إلى ابنة أختهم هند رجب البالغة من العمر ست سنوات، داخل سيارتهم بعد أن أطلق الجيش الإسرائيلي النار عليهم، ما أسفر عن مقتل خمسة من ركاب السيارة على الفور. وبمعجزة، أمنت فتاة تبلغ من العمر خمسة عشر عامًا تُدعى ليان الاتصال بجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني وطلب المساعدة قبل أن تفارق الحياة متأثرة بجراحها. وهكذا بقيت هند وحيدة في السيارة، محاطة بجثث أفراد عائلتها القتلى، ولم يكن لديها سوى هاتف محمول ضعيف الإشارة كأملها الوحيد.
تستخدم بن هنيا، في فيلمها مخططًا طيفيًا لعرض الملفات الصوتية، مما يسمح لصوت هند الرقيق والعميق، أحيانًا، بأن يملأ الشاشة بأكملها. وتتيح هذه النسبة لكلٍّ من عمال الإغاثة في الهلال الأحمر - رنا اللطيفة (ساجا كيلاني)، وعمر المفعم بالحيوية (معتز ملهيس)، ومهدي الصارم (عامر خليل)، ونسرين الهادئة (كلارا خوري) - الظهور في نفس الإطار في آنٍ واحد، وهم يعملون معًا لتنسيق عملية إنقاذ هند. وباستثناء مشهد واحد تمزج فيه بن هنيا بسلاسة بين أسلوبه الوثائقي الدرامي ولقطات حقيقية من المكتب تم تصويرها لوسائل التواصل الاجتماعي، يبقى أسلوبه السينمائي كلاسيكيًا في الغالب، معتمدًا على اللقطات المقربة لوجوه ممثليه وهم يعبرون عن مختلف المشاعر أثناء حديثهم مع هند في أحلك لحظات حياتها، أو وهم يحاولون الحفاظ على هدوئهم أثناء العمل على تجاوز التعقيدات البيروقراطية اللازمة لتنسيق عملية إنقاذ في منطقة محظورة. وعلى هذا النحو، يبدو الفيلم وكأنه دراما حميمية، تركز على عمال الهلال الأحمر الذين يعملون بلا كلل لإنقاذ حياتها، مع صوت هند الذي يتم توصيله عبر خط هاتف ضعيف، وهو خط غالباً ما يقوم الجيش الإسرائيلي بتشويشه.
يسعى هذا الفيلم الدرامي، مع ذلك، إلى استعادة شيء آخر: شرارة إنسانية لا يمكن تجاهلها وسط منظومة إعلامية تهيمن عليها العناوين والإحصائيات، والتي لا تُدرك دائمًا مدى بُعدها عن الواقع. تكمن فكرة بن هنيا في دمج أدوات الدراما الوثائقية مع دليل مأساة مروعة: التسجيل الصوتي الحقيقي لصوت هند رجب، البالغة من العمر ست سنوات، وهي محاصرة داخل سيارة في محطة وقود بحي محاصر من قبل القوات الإسرائيلية، تتوسل لإنقاذها.
داخل مركز الاتصالات، تتصاعد التوترات. عمر (معتز ملهيس)، الذي يتلقى المكالمة في البداية، والذي يزداد غضبه، يتذمر من البروتوكول المعقد (الذي يشمل كلاً من الصليب الأحمر ووزارة الصحة) الذي يصر عليه رئيسه المتزن، مهدي (عامر خليل). لكن مهدي شهد مقتل العديد من المستجيبين الأبطال دون داعٍ، ملصقٌ يحمل صور وجوههم معلقٌ على الحائط تذكيرٌ مؤلم، ولن يضحي بأي شخص آخر في مهمة غير مصرح بها، حتى لو كانت مهمة من المفترض أن تستغرق دقائق معدودة فقط.
الفيلم أداةٌ قويةٌ وصريحةٌ للتعبير عن التعاطف. إصرار بن هنيا على استخدام اللقطات المقربة الدرامية - وجوهٌ في حالة عذاب، وكاميرا محمولة مثبتة عليها - يطغى أحيانًا على الرغبة في شيءٍ أكثر تحليلًا. لكنه بالتأكيد رؤيةٌ، رؤيةٌ غارقةٌ في ألمٍ متأجج. وبينما يظل ذلك التسجيل الشبح دائمًا ركيزةً للمشاعر الصادقة، فإنّ استخدام موقع تصوير واحد لا يُساعد الممثلين بالضرورة، الذين لا يسعهم إلا أن يُذكّرونا بأنهم جزءٌ تمثيليٌ من هذا الحدث البائس.









