TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > الشتائم السياسية بوصفها نصّاً هامشياً مؤرِخاً للصراع

الشتائم السياسية بوصفها نصّاً هامشياً مؤرِخاً للصراع

نشر في: 1 فبراير, 2026: 01:13 ص

د. مشتاق عيدان اعبيد

في السياقات السياسية المحتدمة، لا تُنتَج الخطابات الكبرى فحسب، بل تتولد معها تعبيرات شعبية هامشية تفضح ما لا تقوله البيانات الرسمية، وتُلخِّص التحولات الاجتماعية والسياسية بلغة الشارع لا بلغة الدولة. العراق، كغيره من البلدان التي مرّت بتحولات عنيفة منذ الاحتلال الأميركي عام 2003، شهد صعود «قاموس شتائم سياسية» بات يمثل بحد ذاته مادةً لفهم الصراع، والهويات، والتجاذبات السياسية، وتحول مفهومي الولاء والخيانة إلى علامات لغوية تُختصر بكلمة، بل وتُهتف في الساحات. ومع تراكم هذا القاموس، تحوّلت الشتيمة من فعل لغوي عابر إلى وسيط تأريخي بديل، ومن صوت فردي إلى تعبير جماعي عن رفض وقهر وتصدّع في مفاهيم السيادة والانتماء.
قد يبدو للوهلة الأولى أن الشتيمة لا تستحق التوثيق، غير أن هذا الحكم يفترض أن التاريخ هو ما يُكتب في الوثائق والمؤسسات، بينما تنكر هذه النظرة ما يسميه المؤرخ البريطاني إريك هوبزباوم بـ»تاريخ من لا تاريخ لهم»، أي الذين لم يُسمح لهم بكتابة سيرتهم الرسمية، فعبّروا عنها بأدوات غير تقليدية، ومنها الشتائم، والسخرية، والنكتة، والأغنية، واللافتة. من هنا تُصبح الشتيمة السياسية نصاً ثقافياً مهمشاً، لكنه غني بالدلالة، وهي كما يرى ميشال فوكو، إحدى أدوات «الخطاب المضاد» الذي يُمارس من أسفل ضد منظومة السلطة والمعرفة التي تحتكر تعريف الشرعية، والوطنية، والهوية.
لا يمكن اختزال الشتيمة إلى فعل سبٍّ عابر، بل يمكن تأطيرها في سياق التحليل الثقافي بوصفها آلية مقاومة رمزية، ومرآة لصراع اجتماعي طبقي أو سياسي. الشتيمة السياسية تكشف عن المسكوت عنه في الخطاب العام، وتُعبّر عن الانفعالات الجمعية المترسبة في وعي الشارع. وقد انطلقت هذه الظاهرة في العراق منذ الأيام الأولى للاحتلال الأميركي، واشتدت مع فوضى العملية السياسية الطائفية، إذ سرعان ما أصبح تداول الألقاب مثل: «عميل»، «بوق»، و»ذيل» و «لاحوكَ» و «اولاد الرفيقات» و «ابن السفارة» جزءاً من التداول اليومي، وأداة لفضح الانتماءات أو نزع الشرعية عن الآخر.
برزت مفردة «ذيل» في الخطاب السياسي العراقي بوصفها اختزالاً للتابعية والانقياد، وخاصة حين يُشار بها إلى أولئك الذين يُعتقد أنهم موالون لإيران. وهي كلمة تلغي العقل السياسي للمخاطَب، وتُعيد تشكيله كامتداد تابع لإرادة خارجية، ما يعكس فشل الدولة الوطنية في بناء سردية موحدة للهوية. بالمقابل، وُصفت الشخصيات أو الحركات المقرّبة من الولايات المتحدة أو الداعية للتقارب مع الغرب بـ»لوكَي»، في إحالة إلى صفة التملق والرضوخ، وهي لفظة عراقية عامية تفيد التحقير والتصغير. وتحوّلت هاتان الكلمتان من ألقاب فردية إلى شعارات جماعية، حتى رفع المتظاهرون في احتجاجات تشرين 2019 شعاراً صارخاً في الميادين: «ذيل، لوكَي، انعل أبو...!»، وهو شعار يلخص تبرُّم الشارع من هيمنة القوى الخارجية، ورفضه لما يعتبره ارتهاناً كاملاً للقرار الوطني في ثنائية جديدة.
أما عبارة «ابن السفارة»، فهي تهمة ثقيلة تُوجَّه إلى الناشطين أو المثقفين الذين يُتَّهمون بأنهم على صلة بالسفارة الأميركية، أو يتلقون دعماً غربياً. وهي عبارة تعبّر عن ازدواج في المعايير، إذ تفضح هوس البعض بالتخوين، لكنها تكشف أيضاً عن أزمة ثقة مجتمعية عميقة، تتعلق بمن يمثل من، ولمصلحة من يُرفَع الصوت أو يُسكَت. وغالباً ما تستخدم هذه العبارة في السجالات السياسية والإعلامية لا لتفنيد الرأي، بل لتجريده من حقه في التعبير، وهو ما يذكّر بمفهوم «القتل الرمزي» الذي طرحه المفكر الفرنسي بيير بورديو، حين تكون الكلمات أدوات لإعدام الشخص معنوياً عبر سلبه شرعيته.
ومن العبارات اللافتة التي راجت أيضاً «لاحوكَ»، وهي تهكم لغوي شعبي على تعبيرات القوى الدينية والسياسية التي تُكثر من استخدام مفردات الأخوّة واللحمة الوطنية، مثل «أخوتكم السنة» أو «إخوانكم الشيعة»، أو تلك التي تستجدي التضامن بـ»لاحوكَ».
وبمرور الزمن، صارت هذه العبارات محل تندّر، تُستخدَم لا للدلالة على القرب، بل للسخرية من نفاق السلطة ومؤسساتها، وكشف زيف الخطابات الرسمية التي لا تعكس الواقع المعاش، بل تُمارس، بتعبير المفكر الألماني فالتر بنيامين، «عنفا رمزيا» حين تتحدث بلغة الوحدة وهي تُمارس التفتيت. هذه الشتائم ليست جزءاً من التاريخ الرسمي، لكنها تمثل وثيقة ثقافية حيّة، تُعبّر عن روح المرحلة أكثر مما تفعل الكتب السياسية أو تقارير المنظمات. إنها تجسيد للهامش وهو يتكلم، وهي أداة توثيق مشحونة بالعاطفة والغضب، تُغني فهمنا لما جرى ويجري في العراق. لقد تمكّن الشباب من تدوين لحظتهم السياسية ليس فقط عبر المقالات والتقارير، بل أيضاً من خلال «قواميسهم» اليومية، التي تنمو في الأزقة ومواقع التواصل الاجتماعي واللافتات الجدارية.
وهكذا، تصير الشتيمة سجلاً اجتماعياً بالغ الدلالة، يعكس المزاج العام أكثر مما تعكسه نشرات الأخبار أو خُطب البرلمان. وهي، من هذا المنظور، تشكل ما يسميه المفكر الثقافي ريموند وليامز بـ»البنية الشعورية» للمجتمع في لحظة تاريخية محددة، حيث تُختزن فيها الانفعالات اليومية بوصفها بديلاً عن الوعي الأيديولوجي المؤطر. إذا كانت الدولة تكتب تاريخها من خلال البيانات الرسمية والأرشيفات الكبرى، فإن الشعوب تكتب تاريخها عبر الموروث الشفهي، والعبارات الساخرة، والشتائم التي تنفلت من رقابة السلطة. «ذيل»، «لوكَي»، «ابن السفارة»، و»لاحوكَ» ليست مجرد شتائم، بل علامات لغوية على انهيارات سياسية، وتعبيرات عن وعي جمعي ساخط يسعى لتفسير الواقع بلسانه، لا بلغة النخب. إنها بقايا الأصوات المقموعة، التي، كما كتب بنيامين في أطروحاته عن فلسفة التاريخ، «تخترق الزمن من خارج تسلسله الخطي، لتُحدِث شروخاً في سردية المنتصر».
ولذلك، فإن تأريخ العراق المعاصر لن يكتمل دون الالتفات إلى هذه اللغة الهامشية، التي قالت ما لم تستطع الوثائق قوله، ودوّنت احتجاجها بكلمات قصيرة، جارحة، ومليئة بالدلالة.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: امريكا عزت الشابندر

محنة القوميات الصغيرة في العراق: من شركاء في التأسيس إلى ضحايا للتهميش

العمود الثامن: المالكي يتظاهر.. المالكي يتحاور!

الصراع الإيراني– الأمريكي في ضوء المدرسة الواقعية الجديدة

الدبلوماسية العراقية في ظلال البعث

العمود الثامن: بغداد أحمد رامي

 علي حسين قبل أكثر من نصف قرن، شاهد العراقيون من على شاشة تلفزيونهم الأبيض والأسود، الشاعر المصري أحمد رامي الذي ارتبط اسمه بكوكب الشرق أم كلثوم، وهو يلقي بمعطفه في الهواء منتشيا بصوت...
علي حسين

قناطر: زيادة عدد السكان تهدد مشاريع الخدمات

طالب عبد العزيز لنسلم(غصبن علينه) بأنَّ الأراضي الزراعية المحيطة بضفتي شط العرب خرجت رسمياً من كونها بساتين ومزراع نخيل، لا بسبب لسان الماء المالح الذي ما زال يلغ في شط العرب؛ وإنما لأنَّ الأراضي...
طالب عبد العزيز

تغييب التراكم المؤسسي وتحويل التوأمة العلمية الى سلعة استهلاكية

محمد الربيعي * تثير محاولات "التوأمة الجديدة" بين بعض الجامعات العراقية الاهلية والجامعات البريطانية اسئلة جوهرية حول فلسفة ادارة التعليم العالي اليوم. نحن امام مشهد يكرس سياسة القطيعة مع الماضي، حيث تجمد المشاريع الناجحة...
د. محمد الربيعي

السياسة الجديدة

يعقوب يوسف جبر بسبب المتغيرات الجيوسياسية في العراق خصوصا ومنطقة الشرق الأوسط عموما، ثمة تحولات جذرية سيشهدها الواقع السياسي في العراق من ابرزها تشكيل الحكومة الجديدة، بشكل مغاير تماما للحكومات التي سبقتها. فالقوى السياسية...
يعقوب يوسف جبر
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram