TOP

جريدة المدى > عام > فاشية التخلف

فاشية التخلف

نشر في: 1 فبراير, 2026: 01:18 ص

ياسين النصير
بعض الكتب ليست إلا عود ثقاب يعرفك على غابة الاشجار المحترقة، فما حدث في العراق في 8شباط 1963 لم يكن ضد عبد الكريم قاسم وحده، ولا ضد ثورة تموز عام 1958 وحدها، ولا ضد الحزب الشيوعي العراقي وحده، بل كانت ضد العراق بكل تكويناته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والإنسانية، وضد المنطقة العربيىة تاريخها حين تلمست وجودها في العالم باسم الشرق الاوسط الحديث، وضد طماح الشعوب العربية في التغيير الجذري الذي يربط تاريخها الذي بدأ التفكير به في اوائل عشرينيات القرن الماضي من خلالما يحصل اليوم في عموم المنطقة،حيث تبلورت ثمرة ثقافية تدعي الارتباط بالقومية وترفض الوجود والنزعة التركية، والنتيجة التي نستخلصها من قراءة كتاب الدكتور حسين الهنداوي عن فاشية التخلف،هذه هي ما لحق بالعراق منذ استقلاله عندما فكرت النخب القومية باحتذاء الفكر الفاشي في ايطاليا والمانيا ونقل تلك التجارب الشوفينية باسم القومية والامة إلى الشرق ومنها مراكزه الاساسية مصر والعراق.
الكيفية التي اسقطت بها ثورة تموز 1958في شباط 1963، لم تكن وليدة جماعة صغيرة بل هي تكوين استخباري يمتد إلى موسليني في ايطاليا وهتلر في المانيا، وقد نفذ بايد بريطانيةوامريكية وعربية.وتشهد كتابات عفلق على هذا الاحتذاء باعتبار ان البعث نظرية قومية تقلد في بنيتها النظرية الفاشية، وكتاب الدكتور الهنداوي،يكشف عن جذور هذه العلاقة موثقا ايها بمصادر اجنبية وعربية.ويستخلص القارئ من هذا الكتاب المفصلي عن تاريخ التشكيلات الفاشية انها كانت من السعة بحيث شملت بلدانا عديدة: ايران ومصر وسوريا والعراق وغيرها، واحتضنتها السياسة الامريكية والبريطانية خاصة قبل ثورة مصدق ثم ما حدث لاحقا في العراق واندنوسيا وتشيلي.،ان القضاء على ثورة تموز في العراق ليس مجرد انقلاب فئة ضد نظام جمهوري خلص العراق من ارتباط بالاستعمار وحلف بغداد واسس قوانين ومدن ومؤسسات تعليمية وصحية كثيرة، وامم النفط وسن قوانين تقدمية،بل كان مسعى اسقاط النظام الجمهوري قد تم بمخطط عالمي شمل ليس العراق وحده بل بلدان عديدة، خاصة بعد هزيمة الفاشية في العالم. حيث نجح الاستعمار في اسقاط انظمة العراق واندنوسيا وتشيلي لاحقا وحتى بعض تصورات مصر القومية بشن حرب السويس عام 1956 دون ان يرتاح لتطور مصر إلابعد معاهدتها مع اسرائيل في كامب ديفيد، القضية العراقية في كل هذا البعد العالمي كانت محورا جدليا ليس بسبب طبيعة العراق ومركزه الاقتصادي والديني والحضاري فقط،بل في طبيعة النخب السياسية الثورية وبنية وتركيب المجتمع العراقي الاثنية والقومية والدينية وهو ما لم يكن عليه اي مجتمع متعدد متوافق ومبدأي وثقافي وحضاري مثل العراق خاصة وان عبد الكريم قاسم الذي قاد الثورة ونحج في اسقاط الملكية لم يكن من النخب الارستقراطية ولا العثمانية ولا العربية القومية والملكية،بل كان غارقا في الوطنية العراقية التي بدت ملامحها بالعودة إلى حضارة وادي الرافدين فانشات لهذه العودة نصبا وملامح دستورية وقانونية كان في مقدمتها قانون الاصلاح الزراعي وخروج العراق من الاحلاف الاستعمارية وتاميم الاراضي الباقية دون استثمار وبدء حركة وطنية في القانون وحقوق الانسان والمراة بوجه خاص والعمل وتوزيع الثروة وبدء سياسة للتعليم شاملة وللصحة عامة ولتنظيم الادارة والجيش والشرطة هكذا وبظرف اربع سنوات ونصف اصبح العراق قمة وقيمة عالمية وبداية لنهوض الشرق الاوسط من خلال نموذج وطني يستغل ثروات بلاده من اجل مستقبل ابنائه.
ولم يقف الأمر عند هذا التعميم أيضا،فوجدنا أن كل من انخرط في مساعدة البعثيين في انقلابهم الأسود قد جاءتهم مصائب اعمق من المصائب التي عمت حزب البعث عام 2003وماقبلها في حربين فاشلتين.ومن يقرأ تاريخ العراق الحديث لايجده واضحا، دون الربط بين القوى التي اسقطت ثورة تموز وطبيعة القوى الاستعمارية وبعض بلدان الجوار -تركيا وايران والاردن ومن ثم مصر مع الاسف-،ومن يستقرئ حوادث الزمن اللاحق يجد ان ذلك الحريق الذي اشعله البعثيون وبعض قوى الاستعمار ودول الجوار قد اتى عليهم، واحدا تلو الآخر وها هم محملون بالمشكلات الداخلية حتى انهم لم يعودوا يفكرون بانفسهم إلا من خلال ارتباطهم العلني والسري بقوى الاستبداد والتسلط العالمي ففقدوا حتى اسم الوطنية التي كانت ثورة تموز قد سعت لتثبيتها كهوية لدول الشرق الاوسط وكخطاب اقتصادي سياسي يمكن مجاورة اوربا به.
أن ما حدث ابتداء من حرب العراق مع إيران،كان بداية لوضوح الاسباب الحقيقية لهوية شباط الدموية من أنها هوية لاتمت بصلة إلى مفهوم القومية وطنيا،بل إلى مفهوم فئة سياسية ارتبطت بالامريكان وداوئر الاستخبارات الأجنبية والعربية من أجل القضاء على ارث ثورة تموز، التاريخ لايقرأ من خلال ما يكتبه المنتصرون،بل يقرأ من خلال ما يتكلم به السجناء والمهجرون إلى ان وصل بالبعثيين ان ينتقموا من الشعب العراقي بكل ما اوتي من قدرات علينة ومضمرة في شن حروب لا معنى لها ذهب ضحيتها اكثر من مليون انسان عراقي،وكانت نتائج هذه الحروب الداخلية والخارجية ان اصبحت المنطقة كلها هشة لم تملأها إلا قوى ارتبطت بالاستعمار ودوائر السياسة الامركية باعترافات من هنا ومن هناك.
ما اقوله قد سرده الباحث الدكتور هنداوي بعقلية جدلية مركبة لا تأخذ الظاهرة في العراق بمعزل عن ابعادها العالمية،ولا تتناول قضايا الثورة المضادة للاستعمار بالادوات نفسها،وتعتبر ما قامت به قوى البعث والتيارات القومية والدينية لاحقا هو النموذج الاكثرخبثا باحتواء الفئات الاجتماعية التي تحذفها الثورات الوطنية اننا نقرأ كتابا سفرا في هذا الموضوع الذي مضى عليه اكثر من ستين عاما،وكأننا نقرأ تاريخا للفاشية غير التاريخ الذي اسه النظام الايطالي والهتلري في العالم. هذا الكتاب لا يشببه أي كتاب آخرحتى تلك الكتب التي تحدثت من داخل نظام البعث رافضة أو ساردة ما حدث في انقلاب شباط الأسود،هذا الكتاب وثيقة مؤلمة حد الغثيان مما جرى في العراق، ويبدو الأمر من خلال الوثائق والتحليل أن فاشية التخلف ليست إلا صورة أخرى لقوى الاستعمار التي تمتهن توظيف قطاع من الجيش والأنظمة السياسية بحس انتمائي قومي أو ديني، لتدمير الأنظمة الوطنية وبالتالي للاستيلاء على ثروات البلدان واخضاعها للهيمنة تمهيدا لعصر جديد ترسمه الرأسمالية للقضاء على البعد الوطني الذي تعمد بالدم،فالحلقات مترابطة وان تباعدت سنواتها،والامر مخطط بعناية مركزية ومجهز باليات تنفيذ مختلفة، ولذلك يعد الكتاب ضمن ما قرأناه عن انقلاب شباط الأسود،نموذجا لفهم التفكير الاستعماري والصهيوني والعربي القومي والديني عندما يتفقون بالرغم من تباعدهم على اسقاط الأنظمة الوطنية.
بل ثمة ما هو أعمق من الظاهرة الفاشية للتخلف، وهي أن الثورات إذا لم تفكر باعدائها تسقط بمفاهيم قواها الداخلية، علمتنا التجارب أن اية ثورة وطنية تنقلب إلى بنية صيانية عندما تتبنى المشاريع التي تخص اطرافا دون أخرى،وهذا ما حدث لثورة تموز الوطنية أنها وسعت من أعدائها بقوانين وطنية ومهمة راعت فيها الفئات الشعبية والمهمشة والثانوية،وتركت الطبقات والفئات الرأسمالية والاقطاعية التي كانت راسخةفي البنية الاجتماعية وليس من السهل اقتلاعهابقوانين،كان من المفروض تحييدها والاستفادة من بعض خبراتها المستقلة،وعدم الاندفاع لاي تيار يرتبط بمعاداتها.، لان الثورة تبدأ بالتحلل إذا لم تعتمد النقد من داخل بنيتها،ويبدو ان هذه السمة الجدلية قائمة إلى اليوم في الفكر الوطني من أنه يخلق مواقف معادية للقوى الأخرى دون فهم اسسها الاقتصادية والثقافية، لا يصح ان يكون الشعب معاديا لو تمكنت الثورة من التوازن الذي تمسكه الايدي الوطنية والذي لا يتحول إلى سيطرة أو هيمنة بحيث تستفز القوى المعادية، علينا أن ندرك ان الكثير من المواقف المتشنجة وغير الدقيقة قد سببت بعض المواقف المضادة في داخل القوى الوطنية نفسها،ولكن هذا لايعني التنازل او الاصطفاف بل يعني ان فهما جدليا لحركة المجتمع كفيلة بتجنب الكثير من الاخطاء السريعة. ثقافة التخلف ليست مرتبطة بجهة دون أخرى،بل هي نتيجة الصراع غير المتكافئ بين القوى الاجتماعية،ويشير كتاب مارشال بيرمان "حداثة التخلف"إلى أن ظواهر اجتماعية متخلفة تمكنت بوعي ثوري خلق قاعدة مادية للتقدم. هذا لا يعني ان ثورة تموز 1958 قد اخطأت ولكن يعني ان تفكيرها لم يكن شاملا للبنى الاجتماعية المتناقضة في العراق وجذور ارتباطها بدول الجوار،وبالهيمنة الأنجليزية والامريكية.،ولنقل بصراحة أن القوى المعادية الداخلية وقوى الاستعمار وقوى الجيران لم تترك فرصة للعراق بان يتنفس الحرية الجديدة،مما سارع في القضاء على الثورة بطريقة شوفينية انهت حضور العراق في المنطقة وفي العالم واصبح كما هو اليوم مثخنا بجراح لم تضمد بعناية.
الحديث عن محتويات كتاب الدكتور الهنداوي لا تستوعبة هذا المقالة التي اقتربت كثيرا من مجمل محتواه، كما ابتعدت عنه ايضا، لان ثورة تموز خلقت بيئة جدلية لم تنته نتائجها إلى اطروحة مكتملة حيث بقيت ناقصة ومازالت تتغذى على نقصها لان الكثير من القوى لم تراجع نفسها ولم تدرس المرحلة وفق ما تراه النظريات الثورية. وسيكون لنا اكثر من عودة لهذا الكتاب المهم لانه لا يكتفي بطرح موضوع القضاء على ثورة تموزفقط، بل يطرح طريقة علمية لبنية ثورات المستقبل التي ستأخذ طرائق اعقد في بنيتها وفي فهم آلية تحولاتها.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 2

  1. اسراء حميد

    منذ 3 أيام

    لكم اننا نفتقر الى كتب ودراسات وبحوث تأرخ العمالة والخيانة والتآمر لحزب البعث العربي الاشتراكي في العراق وتفضح حقيقته . دام عطاءكم

  2. طارقالكناني

    منذ 2 أيام

    لايخفى التاريخ النضالي للمفكر الدكتور حسين الهنداوي ومعايشته لحقبة خطيرة من تاريخ العراق الحديث فهو شاهد حي على تلك الاحداث واسلوبه في تحليل تلك الوقائع تلامس الواقع وتبقى وثيقة تاريخية للباحث والدارس لتلك الحقبة الزمنية طارق الكناني

يحدث الآن

هل تنجح بغداد في تحويل أزمة التلوث إلى مصدر للكهرباء؟

لبنان: نواف سلام يؤكد رفض إدخال البلاد في مغامرة جديدة

أمطار رعدية تتوقعها الأنواء الجوية في معظم مناطق العراق

بغداد تعطل الدوام الرسمي ليوم غد الأربعاء

التجارة: لا ارتفاع بأسعار المواد إلا بمادتين فقط

ملحق منارات

الأكثر قراءة

فاشية التخلف

موسيقى الاحد: بوكستهوده في لوبك

ينافس عليها كاتب عراقي.. القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية

التنبؤ بزوال الرأسمالية.. نبوءات حول نهايتها

غرينلاند أرض الروائيين والشعراء

مقالات ذات صلة

د. حسين علي هارف: كثر الباحثون والمنظرون في المسرح  وقلّ النقاد الحقيقيون
عام

د. حسين علي هارف: كثر الباحثون والمنظرون في المسرح وقلّ النقاد الحقيقيون

علاء المفرجي د. حسين علي هارف، فنان مسرحي وأكاديمي عراقي، متخصص في الإخراج والنقد المسرحي والمسرح للأطفال. ولد في بغداد عام 1960، وحصل على الدكتوراه في أدب ونقد مسرحي من كلية الفنون الجميلة بجامعة...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram