بغداد / محمد العبيدي
أعاد حراك تقوده فصائل عراقية مسلحة تحت عنوان «التطوع للدفاع عن إيران» إلى الواجهة مخاوف قديمة من انزلاق العراق مجدداً إلى قلب صراع إقليمي، في ظل تصاعد التهديدات الأميركية ضد طهران، وغياب موقف حكومي واضح يحدد حدود هذه التحركات وتداعياتها على السيادة والأمن الداخلي.
التحول الأبرز في هذا الحراك تمثل في فتح بعض الفصائل مكاتبها أمام متطوعين، وبدء تسجيل أسمائهم ضمن ما أطلقت عليه «حملات التطوع» أو «المشاريع الاستشهادية».
وأظهرت مقاطع مصوّرة تداولتها منصات تابعة لتلك الفصائل طوابير لأشخاص يرتدون الأكفان البيضاء، ويملأون استمارات تتضمن بياناتهم الشخصية وطبيعة الدور الذي ينوون القيام به في حال اندلاع مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة.
وبينما حاولت جهات التقليل من خطورة هذه التحركات، ووصفتها بأنها فعاليات «اجتماعية ودينية» لا تشكل تهديداً أمنياً مباشراً، فإن فيديوهات التسجيل العلني، وما رافقها من خطاب تعبوي عابر للحدود، فتحت باب تساؤلات واسعة حول ما إذا كان العراق يُدفع مرة أخرى إلى موقع متقدم في صراع إقليمي لا يمتلك قراره.
اختبار سيادي
يرى مراقبون أن فتح باب التطوع للقتال خارج الحدود، حتى وإن جرى تغليفه بخطاب ديني أو رمزي، يضع الدولة العراقية أمام اختبار سيادي حقيقي، يتعلق بقدرتها على ضبط السلاح، ومنع استخدام أراضيها وسكانها في صراعات إقليمية لا تخضع لقرار رسمي.
وفي هذا السياق، قال الباحث في الشأن السياسي قحطان الخفاجي لـ«المدى» إن «ما يجري هو حملة تطويع واضحة للمقاتلين تحت يافطة دعم إيران في حربها المحتملة مع الولايات المتحدة»، معتبراً أن هذه الخطوة تمثل «اصطفافاً صريحاً للفصائل مع الخندق الإيراني ضد الخندق الأميركي».
وأضاف الخفاجي أن «استمرار هذه الأنشطة من دون موقف حكومي واضح سيجعل من العراق محسوباً عسكرياً ضمن هذا الصراع»، محذراً من أن ذلك قد يفتح الباب أمام إجراءات أميركية، عسكرية أو غير عسكرية، تطال الداخل العراقي.
ويطرح هذا الواقع تساؤلات متزايدة حول حدود مسؤولية الحكومة، لا سيما في ظل غياب أي تعليق رسمي حتى الآن، سواء من رئاسة الوزراء أو من الجهات الأمنية المعنية، وهو صمت يرى فيه متابعون مؤشراً مقلقاً في توقيت بالغ الحساسية.
بروباغندا… لكن العواقب وخيمة
من جانبه، وصف الخبير الأمني عبدالغني الغضبان، في حديثه لـ«المدى»، مشاهد المتطوعين بأنها «بروباغندا في جوهرها»، مؤكداً في الوقت نفسه أنها «تحمل عواقب وخيمة على البلد والحكومة».
وأوضح الغضبان أن «العراق اليوم تحت أنظار الولايات المتحدة والدول الغربية، وكل تصرف أو خطاب يجري رصده وتحليله بدقة»، متسائلاً عن قدرة الحكومة الحالية، المنشغلة بأزمات تشكيل السلطة، على التعامل مع هذا النوع من التصعيد.
وأشار إلى أن «الإشكالية لا تكمن في غياب النصوص القانونية، بل في تطبيقها»، موضحاً أن «القوانين العراقية تجرّم أي نشاط عسكري أو تحريضي يعرض البلاد لخطر الحرب، فيما تبقى مسؤولية التنفيذ بيد المؤسسات الأمنية والقضائية».
وتزامنت هذه التحركات مع تجدد تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشن هجوم عسكري ضد إيران، مقابل تأكيدات إيرانية بالرد الشامل على أي استهداف، ما يضع العراق مرة أخرى في قلب معادلة إقليمية شديدة الاشتعال.
وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، طالب مدونون وناشطون عراقيون بضرورة منع هذه الفعاليات، محذرين من الزج بالشباب العراقي في صراعات إقليمية لا تخدم مصالح البلاد. واعتبروا أن فتح باب التطوع خارج إطار الدولة يمثل تهديداً مباشراً للأمن المجتمعي، ويعيد إنتاج مناخات التعبئة التي دفع العراق سابقاً أثماناً باهظة، داعين الحكومة إلى التدخل الفوري وفرض سلطة القانون، ومنع أي نشاط مسلح أو تعبوي يجري خارج القرار الرسمي.
خاص بالمدى«الأكفان» تعود إلى الواجهة.. حملات «تطوع استشهادية» تثير القلق مع تصاعد التهديدات الأميركية
«الأكفان» تعود إلى الواجهة.. حملات «تطوع استشهادية» تثير القلق مع تصاعد التهديدات الأميركية

نشر في: 1 فبراير, 2026: 01:35 ص








