طالب عبد العزيز
الى حيدر نضير
صباحٌ مشرقٌ آخر يأتي؛ وأنا رجلٌ عاطفيٌّ جدّاً، لا أستطيعُ كتم مشاعري والله، حتى أنَّ الكلمات الصادقة تؤثّر بي أكثر مما تؤثر الأفعال. تُدمعُ عيني كلماتُ أغنية، لامست قلبي، ويبكيني حدَّ الجَّزع مشهدٌ حزينٌ في فيلم. مرةً رأيت عاشقَين جالسيَن على مِصطبة، قبالة شط العرب، لا أعرف ما إذا كانا متزوجيَن أو مخطوبيَن، أو عابريَنِ جمعتهما مصادفةٌ ما، لحظةٌ ما؛ لكنَّ مشهد السعادة التي رأيتهما عليه جعلني أبكي، وددت لو أنَّ بائعة الورد الجميلة كانت قريبة مني!!ّ كفكفتُ دموعي وسرتُ.
في الصباح هذا؛ كنتُ قد حسمت أمرَ المادة هذه؛ لتكون عن الحرب، المتوقعة بين أمريكا وإيران، فهي مادةٌ جاهزة عندي، وأملك التصورات الكاملة عنها، ولا تحتاج أكثر من تصور بشع عما سيحدث في المنطقة، إنْ اندلعت، لكنَّ صديقاً عزيزاً كتب تقريظاً جميلاً، عن مادة كنتُ نشرتها على صفحتي، أمسِ غيَّر مسارَ ورقتي الصغيرة هذه. لا أعرف ما إذا كان المحررُ يبيح لي الكتابة عن قضايا شخصية، لكنْ، متى كانت المشاعرُ الإنسانية الصادقة قضيةً شخصيةً؟. ترى، هل كان الشاعرُ (علي بدر الدين) يتحدث عن شخصه المحض حين كتب: "أنا يا عُصفورةَ الشَّجنِ مثلُ عينيكِ بلا وطنِ، بي كَما بِالطفلِ تَسرِقُهُ أوَلَ الليلِ يَدُ الوَسَنِ.."؟ الاغنيةُ التي أسمعها الآن بصوت العظيمة فيروز. لكن، سأتوقفُ ملياً عند جملته:"راجعٌ من صوبٍ أغنيةٍ يا زماناً ضاعَ في الزمن" ترى كيف يمكنا تصور أنْ يرجع الانسان من (صوب أغنية)؟ فالناس ترجع من جهة النهر، جهة الشارع، الحديقة، السوق أمّا أن يرجع أحدهم من صوب أغنية فهذا ما يجعل جسدي يقشعر والله، وكيف يضيعُ الزمنُ في الزمن؟ لا أكتبُ هذه إلّا وأنا أتحسس جلدي اللحظة الآن! ألا ترون بأنَّ الحربَ والاقتصادَ الخربَ، واختلافَ الجهات، وتقاطعَ مصائر بعضنا على الشخصية السياسية هذه أو تلك وغيرَ ذلك مما ينشغل به البعضُ، ويصرُّ على تعقبه غيرُ الممسوسين بالجمال والقيم الإنسانية الكبرى أشياءُ تفسدُ علينا حياتنا القصيرة؟ أعتقدُ أنْ على الشاعر والفنان أنْ ينصرف بكليته الى ينابيع النور، ويظلَّ هناك، كما في قصيدة قمر شيراز لعبد الوهاب البياتي:" وجدوني عند ينابيعِ النُّور قتيلاً، وفمي بالتوتِ الأحمرِ والوردِ الجبليِّ الأبيضِ مصبوغًا، وجناحيَ مغروسًا في النُّورْ".
شكراً صديقي الشاعر (حيدر نضير) لأنك أنقذتني من كتابة مادة كانت ستكون بشعةً، وها أنا كما عهدتني، أُنشدُ الجمال، حيثما وجدت اليه سبيلاً، لا تحدّني جغرافيا، ولا توقفني أسماءُ، وتواريخُ، وأديانُ، ومذاهبُ، وطوائف، ممتلئٌ حدَّ الغرق بالحب الكليِّ الجامعِ، كما لو أنني في لحظة (والت ويتمان) مع إحداهن، فهو يقول لها:" تعالي وتمددي معي، أنا والت ويتمان، حرٌّ ومتشهٍّ كالطبيعة" ولا بغضاء في نفسي إلا لأعداء الجمال، ولا أنحني إلا للريح المعطرة بنداء الإنسانية والحرية.
أصغي الآنَ لنداء إحدى منشدات الحضارة الفارسية، العظيمة (مهستي) وهي تقول:" الازهارُ في الحديقة عديمة اللون بعيني/ والوردةُ في الاصيص تكاد تموت/ استنشق أنفاسيَ للقائك / ليس من السهل أن تزرع عشقاً في قلبك، فالبيت مليئ بالضَّجر والصمت" مهستي؛ صوتٌ يتنزل من جبال لا تحدُّ، ويعبرُ سهولاً وأوديةً تأخذني الى ما لا أجده في أمكنة وأزمنة كثيرة. العمرُ قصيرٌ جداً، صديقي القارئ، والزمنُ أقصرُ من انتظار وردةٍ تتفتح، والوجودُ الإنسانيُّ مهددٌ بالفناء السريع، هو مثل قطرة المطر التي ظلتْ عالقةً بسعفةِ الفجر، ستسقط بأول شعاع للشمس، أو بأول هبوب للريح، هل قلتُ الهبوب؟ ياه، أعتقدُ أنّه (سان جون بيرس) الذي يقول:" خذيني أيتها اللذةُ، في دروبِ كلِّ بحر؛ في ارتعاش كلِّ نسيم، حيث تنشطُ اللحظةُ؛ كعصفورٍ يرتدي ثيابَ أجنحته، سامضي، سامضي في طريقٍ من الأجنحةِ، حيثُ الكآبةُ لم تعدْ إلّا جناحاً ".









