بغداد / محمد العبيدي
عاد ملف عقارات الدولة إلى الواجهة بعد سنوات من التلكؤ الإداري، مدفوعاً بتحركات حكومية ونتائج رقابية كشفت اتساع الفجوة بين الملكية النظرية للدولة وقدرتها الفعلية على السيطرة والاستثمار. وبين أرقام رسمية وتحذيرات نيابية، يبرز سؤال جوهري: هل تكفي الأتمتة لاستعادة ما ضاع من أملاك عامة؟
وبين أرقام رسمية تتحدث عن أكثر من مليون عقار، وتقارير نيابية تحذر من ضياع الإيرادات وهدر الأصول، يبرز التساؤل حول ما تبقّى فعلاً من أملاك الدولة، وما الذي فُقد في دهاليز الاستثمار الوهمي والتصرفات غير القانونية.
التحرك الأحدث تمثّل بزيارة وزير المالية إلى دائرة عقارات الدولة، مع توجيهات بالإسراع في أتمتة السجلات وربطها بقاعدة بيانات إلكترونية، وتدريب الكوادر خلال أسبوعين. ووفق التوجيهات، من المقرر خلال شهرين حصر بيانات محافظة بغداد وربطها بنظام تحديد المواقع (GPS)، تمهيداً لربطها مع النظام الإلكتروني المعتمد لدى دائرة التسجيل العقاري.
وتُعد هذه الخطوة أول إعلان حكومي واضح للانتقال من السجلات الورقية إلى الأرشفة الرقمية في واحد من أكثر الملفات حساسية، غير أن هذا التحرك جاء بعد تقرير لجنة الحفاظ على أملاك الدولة النيابية، الذي كشف بالأرقام حجم الخلل البنيوي في إدارة الملف.
ووفق التقرير، فإن إجمالي إيرادات عقارات الدولة المسجلة لدى دائرة عقارات الدولة خلال الأعوام من 2020 إلى 2024 لم يتجاوز 135 مليار دينار، مقابل إيرادات تقديرية بلغت 227 مليار دينار، بفجوة تقارب 92 مليار دينار. كما رصد التقرير، المنشور أواسط عام 2024، آلاف التجاوزات على عقارات الدولة، بينها 320 عقاراً في بغداد، و3099 في الأنبار، و132 في ميسان، و82 في ديالى، و30 في المثنى، مع اعتماد «أجرة المثل» بصورة شكلية من دون ما يثبت جباية فعلية، بما يعني أن الدولة لا تستثمر العقار ولا تسترده ولا تجني إيراده.
تعادل عدة موازنات
قال الباحث الاقتصادي ضرغام محمد لـ«المدى» إن «الأرقام المتداولة بشأن عقارات الدولة متضاربة»، مؤكداً أن «العقارات المنهوبة أو المباعة بأسعار غير حقيقية، وبهدف التواطؤ مع سياسيين أو جهات نافذة، يمكن أن تحل جزءاً كبيراً من أزمة الموازنة لثلاث أو أربع سنوات، لا سيما في ظل التضخم الحاصل في أسعار العقارات». وأضاف أن «آلاف العقارات جرى الاستيلاء عليها تحت عناوين الاستثمار أو الإيجار الوهمي بأثمان بخسة، أو من خلال تمليك وبيع غير قانوني»، مشيراً إلى أن «فتح هذه الملفات بجدية قد يكشف عن ثاني أهم مورد اقتصادي بعد النفط، عبر البيع أو الإيجار المنظم». واعتبر أن «التحرك الحالي نحو الأرشفة الإلكترونية لا يبدو موجهاً لمكافحة الفساد بقدر ما هو محاولة متأخرة لخلق أرشيف يُعرض لاحقاً، من دون معالجة جوهرية لما ضاع خلال السنوات الماضية».
مليون عقار
كانت وزارة العدل قد أعلنت عام 2024 حصر عقارات الدولة، مؤكدة أن عدد العقارات التابعة لأمانة بغداد بلغ نحو 4421 عقاراً، فيما بلغ مجموع عقارات الدولة داخل بغداد 19628 عقاراً، وأكثر من مليون عقار في المحافظات.
من جانبه، قال الخبير المختص في مجال العقارات عبدالسلام حسن لـ«المدى» إن «ملف عقارات الدولة لا يمكن معالجته بإجراءات تقنية فقط، بل ينبغي فتحه بشكل شفاف، واستكمال إجراءات سابقة لم تُحسم، ومراجعة جميع التصرفات القانونية التي جرت خلال السنوات الماضية، خصوصاً تلك التي منحت امتيازات استثمارية أو عقود إيجار طويلة الأمد بشروط مجحفة». وأضاف أن «الأتمتة خطوة ضرورية، لكنها تفقد معناها ما لم تُرفق بقرارات حازمة لاسترداد الحقوق، وحسم النزاعات، وربط الإدارة العقارية برؤية اقتصادية واضحة».
وتكررت إجراءات بيع عقارات تابعة للدولة خلال السنوات الماضية، كان أبرزها صدور قرار ببيع عدد من الدور والأراضي الواقعة داخل المنطقة الخضراء، وفق وثيقة نشرها أعضاء في مجلس النواب السابق، على أن يتم البيع بالمزايدة العلنية استناداً إلى قانون بيع وإيجار أموال الدولة رقم (21) لسنة 2013 المعدّل، وبإشراف لجنة حكومية تضم ممثلين عن الجهات المعنية وترفع توصياتها إلى مجلس الوزراء.









