TOP

جريدة المدى > عام > مَرَّ المَعرّيُّ سريعًا

مَرَّ المَعرّيُّ سريعًا

نشر في: 4 فبراير, 2026: 12:10 ص

صادق الطريحي
زَيْتٌ وقاشطةٌ، وغُفرانٌ لإنشاءِ الشّوارعِ، والمَذاهبِ، والعلامةِ، للوصولِ بسُرعةٍ، ولياقةٍ لهدايةِ الإنسانِ، والأنعامِ، للصّفحِ الجميلِ عَنِ الذّنوبِ، لسترِها، حتّى يجيبَ عَنِ السّؤالِ!!
ـ وما السّؤالُ؟ وما الجوابُ؟ لقدْ تعدّدتْ الشّوارعُ والضّجيجُ، وأنتَ وحدكَ تسمعُ!
زَيْتٌ لرحلةِ أعزلٍ لا يَنتمي، لا يَسمعُ اللّغوَ الخبيثَ، ولا يُهادنُ في الكتابِ، لزجّهِ حرًّا، حبيبًا للإلهِ، لمنحِهِ شرفَ القيامِ بنصرةِ الضّعفاءِ، والتّمجيدِ في السّوقِ العتيقِ وما يجاورُها مِنَ البلدانِ، والعَرصاتِ، والحاراتِ، حيثُ مَحلّتي، وطريقتي. زَيْتٌ ومِمسَحةٌ لتطهيرِ الشّوارع، والقناطرِ، والمجازاتِ القديمةِ، والبيوتِ، لفحصِها في مَخبَرِ القِسْطاسِ، في حَارانَ؛ كي تَحظى بشارَةِ صاحبِ التَّوقيعِ عندَ ظهورهِ.
زَيْتٌ ومَبْخرةٌ لتقريبِ المذاهبِ، والبضائعِ، والمناجمِ، والمَنصّاتِ المُبطّنةِ البعيدةِ، إنّني أتوقّعُ الأسْعارَ تهبطُ، يَسقطُ الوسطاءُ، والشّفعاءُ، والشّركاتُ، تهبطُ حصّةُ البَنزينِ، والدّيتول، والفَحْمِ القديمِ، وشِحنةِ الغازِ المُسالِ، فتزدادُ العُروضُ لحفلةِ التّوديعِ، زَيْتٌ للشّرابِ برفقةِ التّنينِ في الصّيفِ العراقيّ اللهيبْ.
هلْ نشربُ الزّيتَ العراقيّ المقدّسَ يا نديمي؟ إنّه مِنْ أفضلِ الأصنافِ والأنخابِ، مِنْ كَرْمةِ الشّيخانِ، يأتي في زُجاجٍ مِنْ زُجاجِ البابليّاتِ الحِسانِ، بختمهِ المختومِ، خالٍ مِنْ شوائبِ مَعملِ التّقطيرِ في فَرَحاتَ، خالٍ مِنْ مَلاحقِ حملةِ الأنفالِ، يُعطيكَ التّفوّقَ في البقاءِ مُحايدًا، ومشاهِدًا في زّحمةِ الغاياتِ، والثّوراتِ، والنّكباتِ، كانَ أبو العَلاءِ مُفَتّحَ العينينِ وهْوَ يرتّلُ القرآنَ في بغدادَ في ضوءِ السّراجِ السّومريّ، يسائلُ المُتخرّجينَ عَنِ النَّبيثِ، يُحقّقُ المَخطوطَ، والممنوعَ، والمنسوخَ، والمَمْحُوّ مِنْ شِعْرِ السَّوادِ ونثرهِ، ويُحاورُ الكُتَبَ الحَديثةَ في السّوادْ.
جاءَ المَعرّيُّ البَصيرُ برفقةِ المهديّ، جاءَ بقاربٍ رَخْصِ الشّراعِ يشاطئ العُرجونَ، والجسرَ الحديدَ، وسِكّةَ الإعصارِ، جاءَ ليسمعَ المزمارَ يتلو دجلةَ التّكوينِ، تكوينَ السّوادِ بوصفهِ الدّولابَ، والتّخييلَ، والعقلَ المُصوِّرَ، والمحدّدَ، والمُعمِّمَ، والقصيدةَ، واللزومَ بقدرةِ النّهْرينِ، زَيْتٌ للمَعريّ الإمامَ يُطبّبُ الدّنيا بفطنتهِ، ويجلسُ هادئًا في بيتهِ فوقَ الحَصيرِ، بكوزهِ، وبذهنهِ المَسجورِ يمنحُنا الشّعاعَ، وزُمْرةُ العميانِ مازالتْ تراقبُ وسمَهُ المُمْتدّ حتّى آخرِ الآبارِ، زَيْتٌ للذينَ سَيُصلَبُونَ لفكرةِ لا تنتمي لمَشيئةِ الزّيتِ المَهينْ.
زَيْتٌ، وأضواءٌ ملوّنةٌ، (وراكورٌ) لتنظيمِ المرورِ برقعةِ الآبارِ، بحثًا عَنْ مكامِنَ تخزنُ المَاءَ الفراتْ. زَيْتٌ، ومَاكنةٌ، وعارِضَةُ لتعبئةِ المِياهِ، لبيعها في (حانةِ القردِ المفكّرِ) حينما يأتي الجفافْ.
وحدي أفكّرُ، كمْ أفكّرُ!! لستُ نادلَ حانةِ الإخلاصِ، لستُ بنادلٍ في حانةِ القردِ المفكّرِ، لستُ عشّارًا بمجرشةِ الأهالي، لستُ ياورَ خاتِمِ العُقداءِ، لستُ مُنسّقًا في مكتبِ التّطبيع، لستُ مفتّشَ الآثارِ والتّكياتِ، لستُ مُصمّمًا في مجلسِ الإعمارِ، لستُ مُقرّرًا أو خازِنًا في جنّةِ الحَمقى، ولستُ مُحاسِبًا في مَصرِفِ المُتحنّفينَ، أنا العراقيّ القتيلْ.
للآنَ أركضُ مُسرعًا، بلْ خائفًا، مُتصدّعًا، مُتوتّرا، للآنَ أركضُ وسْطَ حلفاءِ العشائرِ والمدينةِ، لا تُشَغّلُني الحكومةُ ساعيًا، أو حارسًا، أو داعيًا في بُرجِ بابلَ، لا تُشَغّلُني العَشائرُ ناطقًا باسمِ المعاقينِ الذينَ تَسمَّموا بتلّوثِ القَمحِ المُعفّرِ، لا تُشَغّلُني المدينةُ جابيًا فظًّا على الصّدقاتِ، لا تتوفّرُ الأشغالُ في مُسْتنقَعاتِ صريفةِ الهدّادِ (أو أدَدَ الذي صرفتهُ ريحُ الفاتحينَ بقسوةٍ) لكنّني ما زلتُ أحملُ شوكةَ البرقِ الحديثةِ، علّني أصلُ الفراتْ.
زَيْتٌ وخابيةٌ لتنقيةِ المياهِ مِنَ الرّصاصْ.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

هل تنجح بغداد في تحويل أزمة التلوث إلى مصدر للكهرباء؟

لبنان: نواف سلام يؤكد رفض إدخال البلاد في مغامرة جديدة

أمطار رعدية تتوقعها الأنواء الجوية في معظم مناطق العراق

بغداد تعطل الدوام الرسمي ليوم غد الأربعاء

التجارة: لا ارتفاع بأسعار المواد إلا بمادتين فقط

ملحق منارات

الأكثر قراءة

فاشية التخلف

موسيقى الاحد: بوكستهوده في لوبك

ينافس عليها كاتب عراقي.. القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية

غرينلاند أرض الروائيين والشعراء

التنبؤ بزوال الرأسمالية.. نبوءات حول نهايتها

مقالات ذات صلة

د. حسين علي هارف: كثر الباحثون والمنظرون في المسرح  وقلّ النقاد الحقيقيون
عام

د. حسين علي هارف: كثر الباحثون والمنظرون في المسرح وقلّ النقاد الحقيقيون

علاء المفرجي د. حسين علي هارف، فنان مسرحي وأكاديمي عراقي، متخصص في الإخراج والنقد المسرحي والمسرح للأطفال. ولد في بغداد عام 1960، وحصل على الدكتوراه في أدب ونقد مسرحي من كلية الفنون الجميلة بجامعة...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram