ذي قار / حسين العامل
رغم مرور أكثر من 60 عاماً على انقلاب 8 شباط 1963، ما تزال ذاكرة أهالي محافظة ذي قار تحتفظ بصور موجعة عن مرحلة وُصفت بالأكثر دموية في تاريخ المدينة، حيث تحوّلت المدارس إلى معتقلات، وصفوف الدراسة إلى أقبية تعذيب، في ظل حملات قمع واعتقالات نفذتها مجاميع الحرس القومي بحق الوطنيين والشيوعيين وأنصار الزعيم عبد الكريم قاسم.
ويستعيد شهود تلك المرحلة تفاصيل ما جرى في الناصرية عقب إذاعة بيان الانقلاب، إذ انطلقت تظاهرة كبيرة في شارعي الحبوبي والجمهورية وسط المدينة، شارك فيها أكثر من ألفي متظاهر للتنديد بالانقلاب. ويذكر نوري خضير، في حديث سابق لـ«المدى»، أن التظاهرات استمرت من الصباح حتى ظهيرة ذلك اليوم، وشهدت مواجهات عنيفة استخدمت فيها الشرطة الرصاص الحي، ما أدى إلى استشهاد السيدة المعروفة بـ«أم عاجل»، والدة عاجل كريم، إثر إصابتها بطلق ناري في الرأس.
ويضيف خضير أن الشرطة شنت، عقب التظاهرة، حملة اعتقالات واسعة طالت أعداداً كبيرة من المشاركين، إضافة إلى معظم السياسيين البارزين والقيادات الشيوعية والنقابية في المدينة، مشيراً إلى أن الناصرية بدت شبه مهجورة بعد الانقلاب، إذ اعتُقل خلال الأسبوع الأول فقط أكثر من ألف شخص.
من جانبه، يؤكد شاهين حثال الطائي، البالغ من العمر 95 عاماً، ما رافق تلك الأحداث من فظائع، موضحاً في حديث لـ«المدى» أن أعداد الانقلابيين كانت قليلة، لكنهم كانوا مدعومين من الخارج بالمال والسلاح والإعلام. ويستذكر الطائي ظهور غدارات «بور سعيد» المصرية لأول مرة بيد البعثيين، واستخدامها ضد الجماهير المنتفضة، متطرقاً إلى ما نُسب إلى القيادي البعثي علي صالح السعدي بقوله: «جئنا بقطار أمريكي».
ويصف الطائي ما جرى بأنه «إجرام منقطع النظير» ومؤامرة على الحكم الوطني والنظام الجمهوري، الذي حرر الاقتصاد من هيمنة شركات النفط الاستعمارية، وقضى على سلطة الإقطاع وأعاد الأراضي إلى الفلاحين. ويلفت إلى أن الجماهير لم تستسلم في الأيام الأولى، وخرجت تهتف: «يا زعيم انطينا سلاح باسم العامل والفلاح»، مؤكدة استعدادها للدفاع عن منجزات ثورة 14 تموز 1958. غير أن الزعيم عبد الكريم قاسم، بحسب الطائي، لم يستثمر هذه الحشود، ما أدى لاحقاً إلى محاصرته وقتله على يد المجموعة نفسها التي سبق أن عفا عنها تحت عبارة «عفا الله عما سلف».
وفي شهادة أخرى، تروي السيدة لبيبة مهدي ما تعرض له أبناء طائفة الصابئة المندائية من اعتقالات وتعذيب وقتل، مؤكدة أن مجاميع الحرس القومي كانت تجوب الشوارع وتعتقل كل من يُشتبه بولائه للزعيم أو انتمائه للحزب الشيوعي، ما دفع الكثير من الأهالي إلى لزوم منازلهم. وتشير إلى أن الاعتقالات طالت حتى النساء، وتعرضن للتعذيب في عدة مدن عراقية، مستذكرة اعتقال وتعذيب قريبات لها، منهن زكية رومي ونورية فليح، إضافة إلى نهب دار المندائي «دلي مريوش».
وتؤكد مهدي أن الانتهاكات لم تتوقف عند أحداث 1963، بل استمرت طوال حكم حزب البعث، مستذكرة إعدام عدد من قريباتها الشيوعيات، من بينهن الشقيقتان حرية وخالدة فعيل عام 1981، فضلاً عن إعدام نساء وأشخاص آخرين.
ويشير تقرير «المدى» إلى أن كتاب «المنحرفون»، الصادر بعد 18 تشرين الثاني 1963 عن عبد السلام محمد عارف، وثّق جانباً من تلك الانتهاكات، وضم أكثر من 230 صفحة من الوقائع والجرائم التي ارتكبتها فئة من الحرس القومي وبعض منتسبي حزب البعث، في محاولة لتبرئة حكومة عبد السلام عارف من تلك الأفعال بعد انقلابه على حلفائه السابقين.
ويورد الكتاب، في الصفحة 89، حادثة مقتل وليد سيد إبراهيم تحت التعذيب في الناصرية ودفنه سراً، فيما يؤكد رفاقه في السجن أنه دُفن حياً بعد تعذيبه وسحله داخل ساحة السجن.
كما ينقل تحقيق سابق لـ«المدى» عن محمد عبد جبر تفاصيل تصاعد الملاحقات عقب صدور «البيان رقم 13»، وتشكيل أربع هيئات تحقيق في الناصرية، توزعت مقارها بين فندق سومر، ومدرسة خالد بن الوليد، وبيت آمر الحامية، وهيئات من الشرطة والأمن، إضافة إلى استخدام نقابة المعلمين والمكتبة العامة والبيطرة كمراكز اعتقال.
وفي شهادة أخرى، يروي الناشط عبد الله ناصر الإزيرجاوي ما تعرض له من اعتقال وتعذيب منذ يوم الانقلاب، مشيراً إلى أنه نُقل بين عدة معتقلات في الناصرية والديوانية، حيث شهد وفاة عدد من زملائه تحت التعذيب، ولم يُفرج عنه إلا بعد انقلاب عبد السلام عارف على البعثيين في تشرين الثاني 1963.










