TOP

جريدة المدى > خاص بالمدى > إضراب تجاري يلوح في الأفق.. التعرفة الجمركية تشعل صداماً بين الحكومة والأسواق

إضراب تجاري يلوح في الأفق.. التعرفة الجمركية تشعل صداماً بين الحكومة والأسواق

قرارات 2026 تفجّر احتجاجات التجار

نشر في: 8 فبراير, 2026: 12:10 ص

بغداد / يمان الحسناوي
يتجه العراق نحو إضراب تجاري واسع مع تصاعد التوتر بين الحكومة والقطاع الخاص على خلفية قرارات رفع التعرفة الجمركية وتطبيق نظام «الأسيكودا»، في مشهد ينذر بشلل الأسواق وتداعيات اقتصادية ومعيشية واسعة، وسط انقسام حاد حول جدوى الإجراءات وقدرتها على ضبط «اقتصاد الظل» دون تحميل المواطن كلفة إضافية.
ومع إعلان مئات التجار إغلاق محالهم والأسواق ابتداءً من الأحد، تتعمّق الانقسامات بين من يرى في الإجراءات الحكومية محاولة جادة لتطويق «اقتصاد الظل» وكبح تهريب العملة والشركات الوهمية، وبين من يعدّها سياسة جباية عاجلة تُلقى كلفتها كاملة على السوق والمستهلك، في بلد يعاني أساساً ضعف الإنتاج واعتماداً شبه كلي على الاستيراد.
ويأتي هذا التصعيد في توقيت اقتصادي حساس، تتقاطع فيه قرارات الدولة مع احتجاجات الشارع التجاري، وتكدّس الحاويات في المنافذ الحدودية، وتحذيرات من تحوّل الأزمة إلى اختناق تمويني ما لم تُفتح قنوات حوار عاجلة تعيد التوازن بين الإصلاح المالي واستقرار السوق.
وكانت الهيئة العامة للجمارك قد أعلنت أن تطبيق التعرفة الجمركية الجديدة سيكون بنسبة 15 في المئة اعتباراً من مطلع عام 2026، مؤكدة أن الزيادة لا تشمل السلع الضرورية التي تمس حياة المواطن. وقال مدير عام الهيئة ثامر قاسم داود إن التطبيق سيبدأ في الأول من كانون الثاني/يناير 2026 بفرض رسوم على السلع الكمالية، إلى جانب إلزامية تطبيق المواصفات العراقية على السيارات المستوردة.
وأوضح أن التعديلات شملت توحيد نسب التعرفة على بعض السلع، منها الأدوية والمستلزمات الطبية، لتصبح 5 في المئة بعد أن كانت بين 0.5 و4 في المئة، إضافة إلى إلغاء الإعفاء السابق على السيارات الهجينة وفرض رسوم بنسبة 15 في المئة أسوة بالسيارات الاعتيادية. كما أشار إلى فرض ضريبة 5 في المئة على الذهب، مبيناً أن استيفاء الأمانات الضريبية سيتم عبر نظام «الأسيكودا» الإلكتروني لتنظيم التجارة.
من جانبه، اعتبر النائب حسين العنكوشي أن الاعتراضات على التعرفة الجمركية ليست كلها ناتجة عن ضرر حقيقي، بل تعكس في جانب منها محاولات لحماية مسارات ربح غير مشروع داخل «اقتصاد الظل» الذي تضخم في ظل غياب الرقابة. وأكد في حديثه لـ«المدى» أن الخطر لا يكمن في فرض الرسوم بحد ذاته، بل في الفجوات التي تسمح بالالتفاف على القانون واستنزاف العملة الصعبة عبر استيراد سلع رديئة لا تضيف قيمة للاقتصاد.
ودافع العنكوشي عن تطبيق نظام «الأسيكودا» والبيان المسبق، مشيراً إلى أنهما أسهما في إغلاق منافذ تهريب والحد من التهرب الجمركي، ودفعا السوق نحو قدر أكبر من الشفافية. وأضاف أن معارضي هذه الإجراءات مطالبون بالخضوع للتدقيق المالي ومراجعة مكتب مكافحة غسل الأموال، لا سيما من تثبت ارتباطاتهم بشركات وهمية أُنشئت للتهرب من التزامات الدولة.
وقبل أيام، أصدرت الهيئة العامة للجمارك في وزارة المالية توجيهاً باعتماد نسبة تخفيض قدرها 25 في المئة على متوسط القيم الاستيرادية المثبتة في نظام «الأسيكودا». وفي الوقت ذاته، شهدت محافظات عدة خلال الشهر الماضي تظاهرات غاضبة احتجاجاً على فرض ضرائب ورسوم جديدة وتطبيق التعرفة على البضائع المستوردة.
وترجمت هذه المخاوف إلى تحرك فعلي، إذ أعلن تجار العراق إغلاقاً عاماً للأسواق ابتداءً من 8 شباط، احتجاجاً على تطبيق التعرفة الجديدة التي تشمل رسوماً تتراوح بين 5 و35 في المئة، تتركز على السلع الكمالية مثل السيارات والأجهزة وبعض المواد الغذائية. ويصف التجار هذه السياسات بأنها تضرب النشاط التجاري في الصميم وتزيد التكاليف في ظل ضعف السيولة ومنافسة سلع منخفضة الجودة.
في المقابل، عبّر رئيس غرفة تجارة بغداد فراس الحمداني عن استياء واسع من فرض السياسات دون مشاورات حقيقية مع القطاع الخاص، مؤكداً أن التجار ليسوا ضد التنظيم، بل ضد القرارات المفاجئة التي تربك حركة الاستيراد. وطرح جملة مطالب، من بينها إعفاء الحاويات المتكدسة من الرسوم وإطلاقها بفترة سماح تمتد 90 يوماً، وتحديد سقف لا يتجاوز 5 في المئة للتعرفة الجمركية، وإلغاء إلزامية علامة الجودة، إضافة إلى مراجعة تطبيق البيان المسبق عبر لجنة مشتركة لضمان تسعير عادل يستند إلى فواتير بلد المنشأ.
وحذّر الحمداني من أن استمرار السياسات الحالية سيؤدي إلى عزوف التجار عن السوق المحلي، وهروب رؤوس الأموال، وتوسع السوق السوداء.
بدورها، قدّمت النائبة السابقة سوزان منصور تقييماً صريحاً لواقع الاقتصاد العراقي، مؤكدة أن البلاد تحولت إلى اقتصاد استهلاكي لا يمتلك طاقة إنتاجية تلبي احتياجاته. واستغربت فرض رسوم على سلع لا تُنتج محلياً، معتبرة أن الحديث عن حماية المنتج الوطني لا يستند إلى واقع فعلي. وأشارت إلى أن التركيز السابق على الاستثمار السكني همّش القطاع الصناعي، وأن رفع الرسوم سينعكس مباشرة على المواطن عبر ارتفاع الأسعار وتآكل القدرة الشرائية، محذّرة من تداعيات اجتماعية وربما أمنية.
كما انتقد نواب آخرون قرار رفع الرسوم، واصفين إياه بـ«الحل الأسهل» لتحقيق إيرادات مؤقتة. وكان النائب محمد الخفاجي قد حذر من خسائر بمليارات الدنانير نتيجة تكدّس الحاويات والسياسات الخاطئة، مؤكداً أن التاجر سينقل خسائره في النهاية إلى المستهلك.
وفي قراءة تحليلية، قال الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي إن النشاط التجاري يشكل الركيزة الأهم في الاقتصاد العراقي حالياً، إذ يضم أكثر من 350 ألف منشأة ويعمل فيه أكثر من مليون تاجر، فضلاً عن دوره في تشغيل ملايين الأيدي العاملة. وحذّر من أن القطاع بات يرزح تحت تداعيات نظام «الأسيكودا» والتعرفة الجديدة، مشيراً إلى انخفاض حجم المعاملات التجارية إلى النصف وفق معلومات رسمية.
وكشف المرسومي عن تراجع الإيرادات الكمركية خلال شهر كانون الثاني/يناير بمقدار 71 مليار دينار مقارنة بالأشهر السابقة، ما يعكس إخفاق السياسات الحالية في تحقيق التوازن بين الجباية وتنشيط السوق. وأضاف أن استمرار الإجراءات يفاقم خسائر التجار والحكومة ويهدد سبل عيش المواطنين، داعياً إلى عقد جلسة حوار عاجلة بين الجهات الحكومية والغرف التجارية للتوصل إلى حلول توافقية.
وكانت الحكومة قد أعلنت زيادة التعرفة الجمركية لعام 2026 على عدد من السلع الكمالية بهدف حماية المنتج الوطني، شملت السيارات بنسبة 15 في المئة، ومنتجات التنظيف بنسبة 65 في المئة، والحاويات والأكواب البلاستيكية بنسبة 60 في المئة، إضافة إلى ضرائب على الاتصالات والأجهزة الإلكترونية بنسبة 20 في المئة، ورسوم أخرى بين 10 و30 في المئة.
من جهته، قال الخبير الاقتصادي علي دعدوش إن الإيرادات الجمركية ارتفعت بعد تطبيق نظام «الأسيكودا»، لكنها لا تزال دون مستوى العام الماضي، موضحاً أن إيرادات عام 2025 بلغت تريليونين ونصف التريليون دينار بمتوسط شهري تجاوز 208 مليارات دينار، في حين انخفضت إيرادات الشهر الماضي بنحو 71 مليار دينار وبنسبة 52 في المئة. ورأى أن الحل يكمن في التريث بتطبيق القرار ثلاثة أشهر وإدخال الحاويات القديمة بسعر مقطوع، ثم تطبيق القرار رقم 957 لاحقاً.
وفي سياق متصل، وصف تجار دعوا إلى إضراب عام في المنافذ الجمركية الزيادات بأنها «فاحشة»، محذرين من تأثيرها السلبي في حركة التجارة. وقال التاجر سعيد بسام إن الإضراب سيبدأ الأحد في جميع المنافذ، مشيراً إلى أن معاملة الحاوية ارتفعت من ثلاثة ملايين دينار إلى ما يصل 25 مليون دينار، مع توقف العمل منذ شهر واستفادة الشركات الاستثمارية من الغرامات التأخيرية، فيما يتحمل المستهلك الخسائر النهائية.
وفي خضم التصعيد، أكد مدير عام هيئة الجمارك ثامر قاسم أن تأجيل تطبيق الزيادات قرار حكومي وليس من صلاحيات الهيئة، موضحاً أن بعض التجار امتنعوا عن تخليص بضائعهم، فيما يحاول آخرون إتمام الإجراءات رغم التكدس. وبيّن أن عائدات الهيئة خلال الشهر الأول من العام الجاري بلغت 137 مليار دينار، نافياً شمول المواد الأساسية بالتعرفة الجديدة.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق عراقيون

مقالات ذات صلة

إعجاب بـ«مناورة طهران».. واعتراض واشنطن لا يستهدف شخصًا بل معسكرًا كاملًا

إعجاب بـ«مناورة طهران».. واعتراض واشنطن لا يستهدف شخصًا بل معسكرًا كاملًا

بغداد/ تميم الحسن يبدو أن فريقًا سياسيًا عراقيًا يبدي إعجابًا بطريقة إدارة طهران لأزمتها مع واشنطن، ويعتقد بإمكانية الاعتماد على «الحوار» و«المناورة» لتمرير نوري المالكي نحو رئاسة الحكومة الجديدة. غير أن هذه الآمال، بحسب...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram