متابعة/المدى
كشفت اللجنة الزراعية في مجلس ديالى، عن تدفق سيول في ثلاث مقاطعات زراعية خلال الساعات الأربعين الماضية، مؤكدة عدم تسجيل أي أضرار في القرى أو المحاصيل الزراعية.
وقال رئيس اللجنة رعد التميمي في حديث تابعته (المدى) إن “ثلاث مقاطعات زراعية تقع ضمن الجزء الشرقي من ديالى، لاسيما محيط مندلي، شهدت تدفق سيول نتيجة غزارة معدلات الأمطار”، مضيفاً أن "90% من تلك السيول انهمرت في وديان عميقة تمتد بين ديالى باتجاه واسط دون أن يكون لها أي تأثير على المزارع أو القرى القريبة".
وأشار التميمي إلى أن "معدلات تدفق السيول كانت دون المتوسط، وبالتالي لم تشكل أي خطر على الطرق أو المناطق المحيطة، لكنها ستسهم في زيادة المخزون من المياه الجوفية بشكل عام، وهذا مهم لأن 90% من تلك المناطق تعتمد على الآبار الارتوازية لتأمين مياه الشرب والأغراض الزراعية".
بدوره، أكد الخبير في شؤون البيئة والمياه علي عباس أن "السيول والمياه الموسمية تمثل فرصة ذهبية لتعويض جزء من النقص الحاد في الموارد المائية في ديالى وبقية المحافظات، إلا أن العراق يفتقر إلى استراتيجيات حقيقية لتخزين هذه المياه، سواء عبر السدود الصغيرة، أو بحفر آبار إضافية، أو عبر تقنيات التحويل إلى خزانات سطحية ومياه جوفية مدعومة بالتقنيات الحديثة".
وأضاف عباس أن "غياب التخطيط المسبق للاستفادة من مياه الأمطار يجعل الدولة مضطرة للاعتماد شبه الكلي على مياه نهر دجلة والأنهار الرئيسية، وهي موارد تتعرض لضغوط شديدة نتيجة التغير المناخي، وسدود دول الجوار، والاستهلاك الزراعي والصناعي المتزايد".
العراق يواجه أزمة مياه حادة على مستوى معظم المحافظات، خصوصاً في ديالى وصلاح الدين والأنبار وذي قار. المعدل السنوي لهطول الأمطار يقدّر بنحو 250–400 ملم فقط في معظم المحافظات، في حين تتجاوز الحاجة الفعلية للزراعة والشرب أكثر من ضعف هذا الرقم. ومع ضعف بنية الاستفادة من السيول، تضيع ملايين الأمتار المكعبة من المياه سنوياً، خصوصاً في وديان المحافظات الشرقية والجنوبية، رغم أنها تمثل مخزوناً استراتيجياً يمكن أن يخفف الضغط على الأنهار الرئيسية.
أرقام وزارة الموارد المائية تشير إلى أن العراق يفقد سنوياً نحو 4–5 مليارات متر مكعب من مياه الأمطار والسيول بسبب عدم وجود شبكات فعالة لتخزينها، وهو ما يفاقم العجز المائي في المدن والريف، ويزيد الاعتماد على مياه نهر دجلة والفرات بشكل مباشر. هذا الوضع انعكس على مستويات الآبار الارتوازية، التي شهدت انخفاضاً قياسياً في بعض مناطق ديالى والأنبار، ما أثر سلباً على الزراعة وصحة السكان الذين يعتمدون عليها كمصدر رئيسي للشرب.
ويؤكد خبراء البيئة أن الحل لا يقتصر على حفر مزيد من الآبار، بل يشمل إنشاء سدود صغيرة وخزانات وسياسات لإعادة استخدام مياه الصرف الزراعي والصناعي بعد المعالجة، وتبني تقنيات الري الحديث لتقليل الفاقد. كما أن استثمار السيول والأمطار ليس ترفاً، بل ضرورة أمنية وبيئية، خصوصاً في ظل التغير المناخي المتسارع وارتفاع درجات الحرارة، الذي يضاعف نسب التبخر ويقلل من فرص تجدد المياه في الأنهار الطبيعية.
وتمثل السيول الأخيرة فرصة لتغذية المياه الجوفية، لكنها تعكس أيضاً قصور الدولة في استثمار مواردها الطبيعية. فقد تتكرر ظاهرة الأمطار الغزيرة كل موسم، لكنها غالباً تنحدر إلى الأودية وتتجه نحو الأنهار العابرة للحدود أو المناطق غير المستغلة، ما يجعلها "مياه ضائعة" يمكن أن تخفف ضغط أزمة المياه لو تم التخطيط السليم لها.
ويبقى التحدي الأكبر أمام العراق هو تحويل هذه الفرص الموسمية إلى مخزون دائم ومستدام للمياه، يوازي احتياجات الزراعة والسكان والصناعة، ويحد من أزمة شح الموارد التي يصفها البعض بأنها الأخطر في تاريخ البلاد الحديث.










