حسن الجنابي
(3من 4)
مع دخول العراق مرحلة الحروب المتتالية، بدءاً بحرب إيران (1980-1988) ومروراً بغزو الكويت (1990) والحصار الدولي، تحولت الدبلوماسية العراقية إلى ميدان آخر للصراع.
فقد أصبح السفراء والدبلوماسيون مطالبين ليس فقط بتمثيل العراق، بل بالدفاع عن قرارات حكومية مثيرة للجدل تُفرض من أعلى مستويات السلطة دون مشاورات أو اعتبارات استراتيجية طويلة المدى.
كان السفير محدّداً بتوجيهاتٍ صارمة تهدف إلى "تبييض" ممارسات الحكومة العراقية والدفاع عنها وتكذيب ما يشاع وينشر ضدها مهما كانت طبيعته، ومهما اختلف ذلك مع الوقائع المعروفة، أو حجم الانتهاكات الموثّقة.
وقد أكدت مذكرات بعض سفراء ذلك العهد وقائع عن تورطهم في تكذيب حقائق كانوا يعرفونها تماماً. ومنها ما جاء في مذكرات السفير محمد صادق المشاط، الذي شغل منصب سفير للعراق في واشنطن. فقد كتب بأنه كان مضطراً " لتكذيب ما هو واقع فعلاً في العراق" وأنه لم يكن مرتاحاً لتوجيهات وزارة الخارجية للتصدي للإعلام الموجه ضد العراق، وبعدم التعرض لإسرائيل أو انتقادها لمحاولة "تحييد" الموقف الأمريكي، إزاء أفعال صدام حسين (المذكرات بعنوان "كنت سفيراً للعراق في واشنطن- حكايتي مع صدام في غزو الكويت" صادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر عام 2008).
تكثف العمل الدبلوماسي العراقي أثناء الحرب العراقية-الإيرانية في محاولة لاحتواء التداعيات الدولية، وضمان استمرار الدعم المالي والسياسي من الدول "الحليفة" وكذلك من الولايات المتحدة وفرنسا وبعض الدول الأوروبية، بالإضافة إلى بلدان الخليج والبرازيل.
تحققت نجاحات محدودة في هذا المجال، وقد تكون طبيعة النظام السياسي الإيراني الجديد سبباً إضافياً في الدعم الدولي للعراق، وليس فقط الأموال وعقود التسليح الباذخة. فقد أثارت السياسات المعلنة للثورة الإسلامية في إيران الكثير من الحيرة والريبة لدى الغرب وفي المنطقة، وظهر واضحاً بأن مواقف إيران الشاهنشاهية هزمت لصالح بدائل أكثر راديكالية مؤيدة لقضية فلسطين ومعادية لإسرائيل والغرب و"للشيطان الأكبر" مع تلميحات واضحة لـ "تصدير الثورة" وشعارات تتجاوز مضامينها الحدود الوطنية الإيرانية!
مع ذلك فإن التوترات الداخلية، وسياقات الخوف والشكوك والرقابة على الخارج، أعاقت قدرة العراق على بناء تحالفات دبلوماسية مستدامة، بدلاً من "التحالفات" الظرفية المدفوعة بالأموال والعقود.
لم يكن النشاط الدبلوماسي مبنياً على استراتيجيات طويلة الأمد بل ردود أفعال وانفعالات "معززة" بسياسات القمع واستخدام السلاح الكيمياوي، في الجبهات وضد السكان المدنيين في حلبجة ومناطق أخرى، استمرت معها العزلة التدريجية للعراق على الساحة الدولية.
أما في فترة غزو الكويت، فقد شهدت الدبلوماسية العراقية انهياراً شبه كامل أمام هول المغامرة والضغوط الدولية وملامح الحرب المدمرة. ووجد سفراء العراق في الأمم المتحدة ولدى الدول العظمى وغيرها أنفسهم أمام مهمة شبه مستحيلة: تبرير الغزو وشرح منطق السياسات العراقية، وسط تكتلات دولية موحدة ضد بغداد!
لقد ظهر الفشل شاملاً في الفصل بين السياسة الداخلية الاستبدادية بلا حدود والأدوار الدبلوماسية المحكومة باعتبارات دولية معروفة. فالبيانات الرسمية المحكومة بالخطاب الأمني الداخلي لا تصلح كأدوات للتفاوض ولا تفتح آفاقاً للحوار الدولي. ولم تأخذ القرارات العسكرية العراقية الدبلوماسية الدولية باعتبارها مكوناً حقيقياً للسياسة الخارجية، وفقد العراق مصداقيته الدولية، وصار العمل الدبلوماسي أكثر صعوبة وتعقيداً.
أضاف الحصار الاقتصادي الذي أعقب غزو الكويت بعداً جديداً من التعقيد، وتحوّل السفراء إلى صُناع رسائل احتجاج وترويج مشاهد الأطفال المرضى ومظاهر الفقر والخراب في ظل قيود صارمة على الموارد والتصدير والاستيراد والسفر وغير ذلك. انعكس ذلك على الأداء المؤسسي للوزارة، التي شهدت تسرب الخبرات نتيجة الاستقالات أو الهجرة أو التنكيل بالموظفين الذين لا يلتزمون بخط البعث، فصارت أكثر هشاشة أمام التحديات الدولية. وغاب التنسيق بين وزارة الخارجية والوزارات الأخرى ذات العلاقة مثل الدفاع والنفط، نتيجة تمركز السلطة بيد دائرة محدودة جداً في قيادة الدولة. وتسبب هذا الانغلاق في اضعاف موقف العراق التفاوضي وفتح الباب لمزيد من الضغوط الدولية.
اتخذت الأحداث العسكرية بعداً سياسياً وإعلامياً لم تعرفه الدبلوماسية العراقية من قبل، ولذلك بقيت عاجزة أمامها في ظل الرقابة الداخلية على المعلومات والصور الرسمية. فالحروب بالنتيجة لم تكن مجرد صراع عسكري على الأرض، بل كانت تحدياً دبلوماسياً استثنائياً كانت فيه وزارة الخارجية أداة دفاعية مرتبكة في مواجهة الالتزامات الدولية من جهة، والقيود المفروضة من السلطة الحاكمة من جهة أخرى.
أضحت الدبلوماسية العراقية خاضعة لتقلبات السلطة العليا وليس لمبادئ الاستقرار أو المصالح الوطنية طويلة المدى، وصار الفصل بين مصالح الدولة والمصالح الشخصية لبعض صانعي القرار أمراً مستحيلاً. ولم يعد الدبلوماسي ملزماً بالوظائف التقليدية مثل التمثيل أو التفاوض، بل صار يتحمل ضغوطاً متعددة المستويات تراوحت بين إدارة المساعدات الإنسانية، والدفاع عن القرارات العسكرية، وحتى مراقبة الجاليات العراقية في الخارج.
وهذا الإرهاق المؤسسي له أثر بالغ على طبيعة العلاقات الخارجية، ولم يظهر العراق كدولة مستقرة بل متعثرة، تمر بأزمات متلاحقة، تعاني من خلل استراتيجي في علاقاتها مع الدول الكبرى، ومن تقلبات حادة في العلاقة مع دول الجوار الإقليمي، وعجز واضح عن تسويق خطابها الرسمي، وتخلف في تدبير التعامل مع أدوات الاتصال الحديثة. وبالنتيجة تحولت الدبلوماسية الى مجرد وظيفة بروتوكولية وغطاءً للعمل المخابراتي، وليس أداةً لإدارة التحديات المعقدة أمام ضغوط سياسية واقتصادية وعسكرية متزامنة.
-يتبع-










