TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > كردستان سوريا: عامل تعديل في التوازنات الإقليمية الناشئة

كردستان سوريا: عامل تعديل في التوازنات الإقليمية الناشئة

نشر في: 10 فبراير, 2026: 12:01 ص

لويس دي بامبلون

ترجمة: عدوية الهلالي

اجتازت الأحداث التي بدأت في كانون الثاني 2026 في شمال شرق سوريا عتبة سياسية في 30 كانون الثاني بإعلان قوات سوريا الديمقراطية وقفًا شاملًا لإطلاق النار والتزامها بعملية دمج تدريجي لهياكلها العسكرية والإدارية في جهاز الدولة السورية. هذا التطور، غير المسبوق منذ ظهور روج آفا، يتجاوز مجرد تعديل تكتيكي، ويكشف عن تحول عميق في موازين القوى الإقليمية. كما يشير في الوقت نفسه إلى استعادة دمشق لسيادتها تدريجيًا، وإضعاف التحالفات غير المتكافئة القائمة على الدعم الخارجي، وعودة الدول إلى مركزيتها كحكام رئيسيين في النزاعات الطرفية. في هذا السياق، لا يبدو كردستان سوريا مشروعًا سياسيًا مستقلًا بقدر ما هو متغير استراتيجي قابل للتعديل، خاضع لإعادة تشكيل إقليمية مستمرة وتغير أولويات القوى المعنية.
وتتجاوز الديناميكيات الظاهرة في شمال شرق سوريا حدود المواجهة المحلية، إذ تُعدّ مؤشرًا واضحًا على مكانة الجهات الفاعلة غير الحكومية ضمن نظام إقليمي سريع التغير. فعندما يعتمد نظام أمني ما بشكل أساسي على الدعم الخارجي، لا تكمن القضية المحورية في قوة التحالف على المدى القصير، بل في مصداقيته الاستراتيجية على المدى الطويل. ويُجسّد التحول الجاري حول قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بوضوح المعضلة الكلاسيكية التي حددها غلين هـ. سنايدربقوله: (المفاضلة الدائمة بين خطر التخلي وخطر الوقوع في الفخ). هذه المعضلة، التي تكررت تاريخيًا بالنسبة للأكراد منذ نهاية الإمبراطورية العثمانية، تتميز اليوم بسرعة تجسدها، مع تدهور علاقات القوة المحلية وإعادة تعريف أولويات القوى الخارجية.
ويؤكد إعلان وقف إطلاق النار في 30 كانون الثاني، وبدء عملية دمج الهياكل الكردية في جهاز الدولة السورية برئاسة أحمد الشرع، أن دمشق قد استعادت هامشًا كافيًا للمناورة لإعادة ترسيخ مبدأ أساسي من مبادئ وستفاليا: استعادة السيادة من خلال السيطرة على الحدود والمؤسسات، واحتكار استخدام القوة المنظمة. وتشير المعلومات المتاحة إلى دمج جزئي للقوات الكردية في الجيش الوطني السوري، وإعادة انتشار قوات الدولة في محافظات - لا سيما الرقة ودير الزور - كانت خاضعة سابقًا لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية، وذلك عقب اشتباكات محلية، وضغط عسكري غير مباشر، وانسحابات تم التفاوض عليها. هذا "النصر" ليس أيديولوجيًا بقدر ما هو بنيوي: فهو لا ينبع من التزام سياسي بمشروع دمشق، بل من إعادة توازن مؤسسي لعلاقات القوة. من خلال استعادة الصلاحيات السيادية تدريجيًا - كالأمن والإدارة الإقليمية ومراقبة الحدود وإدارة الموارد – إذ لا تسعى الدولة السورية إلى القضاء رسميًا على الحكم الذاتي الكردي، بل إلى إعادة تشكيله ضمن إطار هرمي تبقى فيه المبادرة الاستراتيجية مركزية. وهكذا، يستمر الحكم الذاتي كتفويض مشروط للسلطة، معتمدًا على أمن دمشق وتدخلها السياسي، بدلًا من كونه أمرًا واقعًا مدعومًا بتوازن قوى خارجي. وهذا الخلل الهيكلي يحوّل المفاوضات إلى عملية مقيدة، حيث يرتبط هامش المناورة الكردي ارتباطًا وثيقًا بقبولهم استعادة سيادة الدولة.
لقد أدى تطور المواقف الغربية إلى تغذية شعور بالتخلي لدى الفاعلين الأكراد السوريين، على الرغم من كونهم شريكًا تكتيكيًا محوريًا في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية. وبمجرد أن يتحول الصراع إلى صراع سيادي بين دولة معترف بها وكيان يتمتع بحكم ذاتي بحكم الأمر الواقع، تتضاءل الحوافز الأمريكية لتحمل المخاطرة بشكل تلقائي. فهذا الانسحاب ليس نتاج نزوة، بل هو إعادة ترتيب للأولويات الاستراتيجية لإن الضمانة التي لم تعد مدعومة بالتزام موثوق تفقد قدرتها على الردع. وهكذا، تصبح الحماية الغربية مجرد وعدٍ كلامي، غير كافٍ لتشكيل سلوك الفاعلين الإقليميين على نحو دائم. وبذلك، تعود القضية الكردية إلى وضعها التاريخي: قضية ثانوية ضمن توازنات جيوسياسية أوسع. في هذا السياق، تتوقف كردستان سوريا عن كونها مختبرًا سياسيًا بديلًا، وتعود لتكون ساحةً للتفاوض الاستراتيجي فلم تعد المنطقة تحمل مشروعًا سياسيًا مستقلًا، بل أصبحت موضع تفاوض بين القوى.
ويسلط البعد الرمزي مزيدًا من الضوء على عمق هذا التحول، وفي هذا السياق، لا تزال كلمات مسعود بارزاني ذات صدىً قوي. ففي عام ٢٠١٩، صرّح قائلًا: "لا يمكن للأكراد البقاء في هذه المنطقة إلا من خلال الحوار والتسوية والاعتراف بالتوازنات القائمة. فالمغامرة الفردية دائمًا ما تؤدي إلى مأساة". ويُعدّ هذا التصريح اليوم بمثابة عدسة تفسيرية إقليمية أساسية.
ويشير الوضع الراهن إلى أن الرابحين النسبيين قد يكونون الفاعلين الأكراد العراقيين، وعلى رأسهم الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني.لقد استوعب هؤلاء الفاعلون تدريجيًا قيدًا جوهريًا إذ يعتمد البقاء السياسي على استقلال مؤسسي مُضمّن في إطار دستوري ومدعوم بترتيبات السلطة، بدلًا من استقلال فعلي قائم على أمر واقع محمي بشكل دائم من الخارج. هذا ليس حكماً معيارياً، بل ملاحظة تحليلية: فما يدوم ليس بالضرورة ما هو أكثر تماسكاً أيديولوجياً، بل ما يتوافق بنيوياً مع القيود التي تفرضها الدول المجاورة ومع قواعد الاعتراف الدولي.
مع ذلك، فإن هذه الميزة النسبية التي يتمتع بها إقليم كردستان العراق مصحوبة بخطر مباشر: خطر التصعيد والنزوح. إن إعادة تركيز الولايات المتحدة حول أربيل قد يحوّل حكومة إقليم كردستان إلى ساحة تعويضية للتنافسات الإقليمية، ولا سيما في حال تصاعد التوترات بين إيران والولايات المتحدة أو توسع نطاق الصراع التركي-الحزب العمالي الكردستاني. يُضاف إلى ذلك عامل مُفاقِم غالباً ما يُستهان به: إدارة المعسكرات والسجون المرتبطة بتنظيم الدولة الإسلامية، والتي أصبحت موضوعاً للتفاوض، وبالتالي مصدراً للضعف الاستراتيجي الإقليمي.
وهكذا، يُبرز التشكيل الجاري نموذجين كرديين متميزين: النموذج السوري، الذي انبثق من فرصة سانحة أتاحتها الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية، ويصطدم الآن باستعادة الدولة السورية وسط انسحاب غربي؛ والنموذج العراقي، المؤسسي، والذي يبدو الحل الوسط الأكثر قبولاً للقوى الإقليمية تحديداً لكونه قابلاً للتفاوض والتحكم.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

العمود الثامن: بغداد أحمد رامي

العمود الثامن: دستوركم أعرج

 علي حسين كانت كل الأبواب مفتوحة أمام العراقيين ليعيشوا في أمان واستقرار بعد عقود من الحروب والاستبداد، واعتقد المواطن العراقي أن سقوط تمثال صدام في ساحة الفردوس كان إيذاناً ببداية عهد جديد في...
علي حسين

الوضع في الشرق الأوسط: بين سيناريو المفاوضات والغارات الجوية

د.فالح الحمـــراني أبقت نتائج الجولة الأولى من المباحثات الامريكية الإيرانية في مسقط الجمعة*، التي اقترحتها تركيا ومصر لتهدئة التوترات في الشرق الأوسط، والتي تصاعدت منذ وصول القوة الضاربة الأمريكية، االأفق مفتوحة لكافة السيناريوهات بما...
د. فالح الحمراني

لعنة الموارد وتزييف الوعي الجمعي

محمد الربيعي* في مقالة لافتة للدكتور عبد الكريم بكار بعنوان «خذوا النفط.. وأعطونا الكتاب»، استعاد فيها عنوان مقال توماس فريدمان الشهير Pass the Books, Hold the Oil – نيويورك تايمز، 2012، ليؤكد أن الثروة...
د. محمد الربيعي

كردستان سوريا: عامل تعديل في التوازنات الإقليمية الناشئة

لويس دي بامبلون ترجمة: عدوية الهلالي اجتازت الأحداث التي بدأت في كانون الثاني 2026 في شمال شرق سوريا عتبة سياسية في 30 كانون الثاني بإعلان قوات سوريا الديمقراطية وقفًا شاملًا لإطلاق النار والتزامها بعملية...
لويس دي بامبلون
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram