محمد الربيعي*
في مقالة لافتة للدكتور عبد الكريم بكار بعنوان «خذوا النفط.. وأعطونا الكتاب»، استعاد فيها عنوان مقال توماس فريدمان الشهير Pass the Books, Hold the Oil – نيويورك تايمز، 2012، ليؤكد أن الثروة الطبيعية تتحول إلى خديعة حين تستغل لتنويم المجتمعات بدلا من بنائها. هذه ليست مجرد فكرة عابرة، بل واقع مرصود في الأدبيات الاقتصادية والاجتماعية: مجتمعات تسبح فوق بحيرات النفط وتتصرف وكأنها في أمان أبدي، بينما الحقيقة أن هذا الأمان هش، أشبه بفقاعة تتلاشى عند أول أزمة اقتصادية أو هزة سياسية.
الثروة حين تدار بعقلية الريع تتحول إلى "مخدر جماعي"، تسكن الألم ولا تعالج المرض، وتغطي على العجز البنيوي في التعليم والإدارة والابتكار. في المقابل، دول بلا موارد طبيعية مثل سنغافورة وفنلندا واليابان حفرت في عقول أبنائها فصنعت المعجزات، لأنها أدركت أن الإنسان هو المورد الحقيقي، وأن الاستثمار في المعرفة هو الضمان الوحيد للاستمرار. هذه الدول لم تخدع ببريق التراب ولا بزينة النفط، بل بنت نهضتها على قاعدة صلبة من التعليم النوعي، والحوكمة الرشيدة، والثقافة التي تكافئ الجهد والإبداع.
إن الخديعة الكبرى في واقعنا العربي تكمن في الاعتقاد أن النفط والغاز كافيان لصناعة النهضة، بينما هما في الحقيقة مجرد "زينة زائلة" إذا لم يتحولا إلى كتاب في يد طالب، أو قيمة في نفس عامل، أو منهج في عقل مفكر. نحن أمام حالة من "تزييف الوعي" حيث يخيل للمجتمع أن الثروة المادية ضمانة للمستقبل، بينما الأدبيات الاقتصادية – جيفري ساكس وأندرو وورنر (1995) و دارون أجيم أوغلو وجيمس روبنسون (2012) تؤكد أن الثروة بلا مؤسسات قوية وبلا تعليم متين تتحول إلى لعنة، وتنتج فسادا وكسلا وقيادات عاجزة عن إدارة المستقبل.
لعنة الموارد في الأدبيات الاقتصادية
الأدبيات الاقتصادية منذ الثمانينيات تناولت مفهوم «لعنة الموارد « (Resource Curse) او «المرض الهولندي» بوصفهما من أخطر الظواهر التي تصيب الدول الغنية بالثروات الطبيعية. ففي دراسة شهيرة لـ جيفري ساكس وأندرو وورنر (1995)، جرى تحليل بيانات عشرات الدول ليظهر أن الاعتماد المفرط على الموارد الطبيعية يؤدي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي، وإضعاف المؤسسات، وخلق بيئة خصبة للفساد والريع. لاحقا، أضاف ريتشارد أوتي (2001) أن الاقتصادات الريعية تميل إلى إنتاج "مجتمعات ريعية" حيث تستبدل ثقافة العمل والإنتاج بثقافة الاستهلاك والاعتماد على الدولة، فيتحول المواطن إلى متلقٍ سلبي بدلا من أن يكون شريكا فاعلا في التنمية.
هذه الظاهرة ليست مجرد نظرية أكاديمية، بل واقع ملموس في كثير من الدول العربية التي حولت النفط والغاز إلى مصدر للريع السياسي والاجتماعي. فالثروة السهلة تغري الحكومات بتوزيع العوائد على شكل وظائف شكلية ورواتب مضمونة، وتغري المجتمعات بالكسل والاعتماد على الدولة بدلا من المبادرة والإبداع. النتيجة هي مؤسسات ضعيفة، بيروقراطية متضخمة، وقيادات عاجزة عن التفكير الاستراتيجي. كما أشار دارون أجيم أوغلو وجيمس روبنسون (2012) في كتاب Why Nations Fail، فإن الدول التي تعتمد على الريع دون بناء مؤسسات قوية تقع في فخ "الاستبداد الناعم"، حيث تستخدم الثروة لإدامة السلطة بدلا من تمكين المجتمع.
في المقابل، التجارب الدولية الناجحة مثل النرويج وكندا تظهر أن الثروة ليست لعنة في ذاتها، بل تتحول إلى لعنة حين تدار بعقلية الغنيمة. هذه الدول استثمرت في التعليم، في البحث العلمي، وفي بناء مؤسسات شفافة، فحولت النفط والمعادن إلى رافعة للتقدم لا إلى أداة للتخدير. بينما في واقعنا العربي، الثروة كثيرا ما تهدر في مشاريع استهلاكية أو صفقات فساد، وتستخدم كوسيلة لإسكات النقد وتثبيت الطاعة، فتتحول إلى عبء يعيق النهضة بدلا من أن يكون فرصة للتقدم.
التعليم كأداة مغيبة
في كل الأدبيات الاقتصادية والاجتماعية الحديثة، ينظر إلى التعليم باعتباره الأداة الوحيدة القادرة على كسر لعنة الموارد، لأنه يخلق رأس المال البشري الذي يعتبر المحرك الحقيقي للنمو طويل الأمد. دراسات مثل إريك هانوشيك ولودجر ووسمان (2015) اثبتت أن جودة التعليم، لا حجم الإنفاق، هي ما يحدد قدرة الدول على المنافسة في الاقتصاد العالمي. ومع ذلك، فإن واقعنا العربي يكشف أن التعليم غالبا ما يعامل كإجراء شكلي، أو كطريق إلى وظيفة حكومية، لا كمشروع لبناء إنسان حر ومسؤول.
المدارس تشيد بمليارات الدولارات، والجامعات تبنى كقصور شاهقة، لكن داخل هذه المباني الفخمة نجد مناهج متقادمة، ومعلمين مهمشين، وطلبة يدفعون إلى حفظ النصوص بدلا من التفكير النقدي. الجامعات تتحول إلى مصانع شهادات، تنتج أوراقا ممهورة بالأختام أكثر مما تنتج معرفة أو ابتكارا. هذا الواقع ليس مجرد خلل إداري، بل انعكاس لعقلية ريعية ترى التعليم وسيلة لتوزيع الريع الاجتماعي عبر الوظائف والرواتب، لا وسيلة لصناعة المستقبل.
الأمثلة الدولية تكشف المفارقة بوضوح: سنغافورة، التي لا تملك قطرة نفط، جعلت من التعليم مشروعا وطنيا، فارتقت إلى قمة اختبارات PISA العالمية. اليابان، الخارجة من دمار الحرب العالمية الثانية، استثمرت في المعلم والمناهج، فصارت قوة صناعية وعلمية. في المقابل، دولنا الغنية بالموارد أنفقت بسخاء على التعليم من حيث الشكل، لكنها أهملت الجوهر، فبقيت نتائجها دون المتوسط العالمي.
إن تغييب التعليم عن دوره الحقيقي هو أخطر أشكال الهدر، لأنه لا يهدر المال فقط، بل يهدر العقول والأجيال. نحن أمام واقع ينتج أجيالا مستهلكة بدلا من أن تكون منتجة، ويكرس ثقافة الاتكال بدلا من ثقافة المبادرة. التعليم في صورته الحالية أشبه بواجهة براقة تخفي وراءها فراغا معرفيا، وهذا الفراغ هو الذي يعمق لعنة الموارد ويجعلها أكثر فتكا بمجتمعاتنا.
فجوة الأداء التعليمي
اختبارات PISA العالمية ليست مجرد أرقام جامدة، بل هي مرآة تكشف عمق الهوة بين من يملك الثروة ومن يملك العقل. حين نقرأ أن أفضل أداء عربي – الإمارات – لم يتجاوز 431 نقطة، بينما سنغافورة حققت 575 نقطة، ندرك أن الفجوة ليست هامشية بل كارثية: أكثر من 140 نقطة، أي ما يعادل أربع إلى خمس سنوات دراسية كاملة. هذا يعني أن الطالب السنغافوري يخرج إلى العالم وهو يسبق نظيره العربي بخمس سنوات من حيث المهارات والمعرفة، وكأننا نعيش في زمنين مختلفين؛ زمن يركض نحو المستقبل وزمن يراوح مكانه في الماضي.
هذه الفجوة لا يمكن تفسيرها بالمال، فدول الخليج من أكثر دول العالم إنفاقا على الطالب، ومع ذلك بقيت نتائجها دون المتوسط العالمي. الإنفاق هنا أشبه بطلاء ذهبي على جدار متصدع؛ مبانٍ فخمة، مدارس حديثة الشكل، جامعات شاهقة، لكن الجوهر فارغ. الطالب يتعلم ليحصل على وظيفة حكومية أو راتب مضمون، لا ليكون مواطنا منتجا أو عقلا مبدعا. المعلم يعامل كموظف ثانوي، والمناهج تكرر نفسها منذ عقود، والجامعات تخرج آلاف الشهادات التي لا تساوي شيئا في سوق المعرفة العالمية.
الأدبيات التعليمية تؤكد أن هذه الفجوة ليست صدفة إريك، هانوشيك ولودجر ووسمان (2015) أوضحا أن جودة التعليم – لا حجم الإنفاق – هي ما يحدد النمو الاقتصادي طويل الأمد. والواقع العربي يثبت هذه الحقيقة بمرارة: نحن نملك المال لكن نفتقد الرؤية، نملك النفط لكن نفتقد العقل، نملك المباني لكن نفتقد المعنى. إننا نعيش مفارقة صارخة، نشيد مدارس كقصور، لكن داخلها يجلس طلبة يدربون على الحفظ لا على التفكير، وعلى الطاعة لا على النقد، وعلى الامتثال لا على الإبداع.
إن فجوة الأداء التعليمي هي في جوهرها فجوة حضارية. هي ليست مجرد درجات في اختبار دولي، بل مؤشر على أن العالم يركض بينما نحن نتحرك.
* بروفسور ومستشار دولي، جامعة UCD









