واسط / جبار بچاي
شهدت محافظة واسط، وللمرة الأولى، تجربة مسرح الغرفة عبر عرض مسرحية «بلا اسم» في مقر رابطة شباب الفن بمدينة الكوت، في خطوة فنية جديدة تهدف إلى كسر القوالب التقليدية للمسرح وتعزيز التفاعل المباشر بين الممثلين والجمهور.
المسرحية من تأليف وإخراج حسين وسام، وتمثيل نخبة من شباب واسط الواعدين في مجال المسرح، بينهم سيف شمه وحسين وسام، مع موسيقى وضعها كرار الدريول، وإدارة لكل من تيسير وسام وأحمد حبيب وأمير شمه. وأشرف على العمل المسرحي سجاد حنش المسعودي، مؤسس ورئيس رابطة شباب الفن.
وعن طبيعة العمل وأهدافه، أوضح الناقد المسرحي الدكتور محمد علي إبراهيم الأسدي أن «فكرة العرض جاءت ضمن مفهوم مسرح الغرفة، وهو فضاء مسرحي يعتمد تقديم العرض في مساحة صغيرة مغلقة، بما يجعل الجمهور قريبًا جدًا من الممثلين، ويعزز التفاعل المباشر، ويحوّل المشاهد إلى جزء من التجربة المسرحية».
وأضاف أن «هذا النوع من المسرح له جذور عالمية؛ إذ قدّم هارولد بنتر في بريطانيا عام 1957 ما عُدّ منطلقًا لهذا الشكل المسرحي، كما قدّم الفرنسي جان تارديو نصوصًا قصيرة ذات طابع شعري في فضاءات ضيقة، وفي العالم العربي برزت تجربة الأخوين ملص في سوريا عام 2009 حين حوّلا غرفتهما الخاصة إلى خشبة عرض. هذه الخلفية تجعل تجربة مسرحية “بلا اسم” جزءًا من سياق عالمي يسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين النص والممثل والجمهور». وبيّن الأسدي أن «مضمون المسرحية يقوم على وصية يتركها الأخ الأصغر الذي مات في الغربة نتيجة الهجرة، ويقرأها الأخ الأكبر أمام الجمهور. ويطرح النص ثنائية مأساوية بين الحي والميت، وبين من بقي ومن رحل، محوّلًا الوصية إلى سلسلة من الاعترافات والبوح الوجودي». وأشار إلى أن «إشراك الجمهور في قراءة أجزاء من الوصية كان خيارًا إخراجيًا جريئًا، جعلهم شهودًا على مأساة الميت وشركاء في المسؤولية».
ولفت إلى أن «عنوان العمل “بلا اسم” يحمل دلالات رمزية تعكس فقدان الهوية ورفض التصنيفات، فيما يرمز موت الأخ الأصغر في الغربة إلى مأساة الشباب الذين يغادرون أوطانهم بحثًا عن معنى فلا يجدونه. ويطرح النص سؤالًا وجوديًا: هل الهجرة خلاص أم موت بطيء؟ وهل الغربة قدر أم نتيجة مجتمع يطرد المختلفين؟».
وأوضح الأسدي أن «الديكور شكّل صورة ذاتية للشخصيات، إذ جاء الكرسي الواحد في منتصف الغرفة رمزًا للغياب والمقعد الفارغ، وانعكاسًا لبنية اجتماعية سفلية، فيما أضافت الموسيقى طبقة وجدانية من الحزن والانكسار، مكملة لتشكّل الصورة المسرحية».
وتابع أن «أداء الممثلين اتسم بالصدق والحميمية، وكان القرب الجسدي بين الجمهور والممثلين أحد أسرار نجاح هذه التجربة، التي تُعد الأولى من نوعها في مسرح الغرفة بالمحافظة، وكشفت عن خامات فنية واعدة». وأشار إلى أن «محافظة واسط، من خلال مسرحية “بلا اسم”، وضعت نفسها على الخريطة العالمية لتجارب المسرح الحميمي، مؤكدة أن المسرح يمكن أن يكون أداة لكشف الحقائق المؤلمة ومساءلة المجتمع». وأضاف أن «المشهد الأخير، بخروج الأخ الأكبر وترك الجمهور أمام تساؤلات مفتوحة حول العودة والمصير ونهاية الحدث، جعل المتلقي جزءًا من التكوين الختامي للعمل، حيث رسم الجمهور خاتمته الخاصة تحت تأثير العواصف الوجدانية والضغط النفسي على اللاوعي الجمعي».
من جانبه، قال المشرف العام على المسرحية ورئيس الرابطة سجاد حنش المسعودي إن «هذه التجربة كانت في بدايتها مغامرة، فالدخول إلى مسرح الغرفة لا يشبه المسرح العام المفتوح، لكننا رغبنا في المجازفة وخوض التجربة، اعتمادًا على الطاقات الشبابية الواعدة والحرص على تقديم عمل فني ناضج وناجح».
وأضاف أن «رابطة شباب الفن، بوصفها جهة تُعنى بمختلف الفنون، تعتمد دعم العناصر والطاقات الشبابية، وقد لمسنا في أكثر من مناسبة وجود طاقات فنية واعدة، كان آخرها هذا الحضور المميز عبر مسرح الغرفة، وهي تجربة جديدة نخوضها لأول مرة، وتُعد فريدة على مستوى المحافظة».










