متابعة/ المدى
سلّط تقرير نشره مركز «تشاثام هاوس» في لندن الضوء على دلالات عودة نوري المالكي المفاجئة إلى سباق رئاسة الحكومة في العراق، معتبراً أن هذا التطور يعكس استمرار التنافس الأميركي–الإيراني على النفوذ في بغداد.
وأشار التقرير الذي اطلعت عليه (المدى) إلى أن التحذير العلني الذي أطلقه الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضد إعادة تكليف المالكي أعاد إبراز هشاشة السيادة العراقية وحدود الاستقرار السياسي، في وقت ما تزال فيه عملية تشكيل الحكومة تواجه ضغوطاً داخلية وخارجية متشابكة.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد فجّر، في 27 كانون الثاني، هذا الجدل بتحذير علني غير مسبوق عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أكد فيه أن واشنطن ستسحب دعمها إذا أعاد العراق تعيين نوري المالكي رئيساً للوزراء.
وقد بدا هذا الموقف الأميركي الصريح، وفق ما يقوله التقرير، كاشفاً لحقيقة ظلّ القادة العراقيون ينفونها، وهي أن التأثير الخارجي ما يزال فاعلاً، على الرغم من الخطاب الرسمي عن تجديد السيادة بعد انسحاب القوات الأميركية وإنهاء مهمة بعثة الأمم المتحدة العام الماضي.
ويضيف التقرير أنه «مع اشتداد التنافس الأميركي–الإيراني، تحركت طهران بسرعة لدفع مرشحها المفضل في بغداد، على الرغم من أنها تواجه ضغوطاً داخلية وإقليمية متزايدة، إذ لم تُبدِ أي إشارات إنهاك استراتيجي».
وفي المقابل، بدت واشنطن، التي كانت منشغلة بالعراق في فترات سابقة وبسياسات قصيرة النظر في ظل قيادة تميل إلى الاستعراض أكثر من الاستراتيجية، وكأنها استعادت فجأة اهتمامها، معترضة على المالكي وعلى النفوذ الإيراني الذي يمثله.
عودة غير متوقعة
أربكت عودة المالكي بصفته مرشحاً لرئاسة الحكومة المشهد السياسي العراقي برمّته. فرغم أنه تولى المنصب بين عامي 2006 و2014، لم يُنظر إليه طوال السنوات اللاحقة خياراً محتملاً للعودة. ومع ذلك، ظلّ المالكي، حتى من دون منصب رسمي لأكثر من عقد، لاعباً محورياً في نظام سياسي تُمارَس فيه السلطة غالباً خارج الأطر المؤسسية.
ويقول التقرير إن هذه العودة تحمل «ذكريات ثقيلة»؛ إذ كان المالكي على رأس الحكومة عندما خسر العراق نحو ثلث أراضيه لصالح «داعش» عام 2014، وهو الانهيار الذي أجبره على الاستقالة.
ويعزو كثير من المراقبين العراقيين والدوليين صعود «داعش» آنذاك إلى سياسات المالكي التي اتبعها ضد المناطق في شمال وغرب البلاد. وقد تعزز الرفض لعودته حينها برسالة صريحة من المرجعية الدينية العليا في النجف، ممثلة بآية الله العظمى علي السيستاني.
ويؤكد التقرير أنه منذ 2003، فضّلت النخب العراقية غالباً اختيار رؤساء وزراء ضعفاء أو توافقيين، شخصيات لا تشكل تهديداً كبيراً لأي طرف. وكان متوقعاً أن يستمر هذا النمط بعد انتخابات 2025، بما يفضي إلى عملية تشكيل حكومة طويلة ومألوفة. غير أن كانون الثاني 2026 حمل مفاجأة غير متوقعة، مع بروز المالكي مرشحاً أوفر حظاً بدعم أجزاء، وليس كل، من «الإطار التنسيقي»، المنقسم أصلاً حول شخصه. ورغم أن فرص نجاحه ما تزال محدودة، إلا أن مجرد ترشيحه كسر العرف السياسي السائد، وأعاد شبح رئيس وزراء قوي ومتحزب.
نفوذ إيران المستمر
ويرى التقرير أن احتمالات عودة المالكي تعكس رسوخ النفوذ الإيراني في العراق، حتى في ذروة الضغوط التي تواجهها طهران داخلياً وإقليمياً. فمنذ مغادرته المنصب، حافظ المالكي على علاقات وثيقة مع إيران. وكان من أبرز قراراته في أيامه الأخيرة رئيساً للوزراء عام 2014 إضفاء الصفة الرسمية على قوات الحشد الشعبي، التي تضم فصائل مسلحة ترتبط بعضُها بعلاقات مع طهران.
وقد جعل هذا الانتشار الواسع للجماعات المسلحة شخصيةً مثل المالكي ذات قيمة خاصة لإيران، في ظل سعيها للسيطرة على مشهد أمني عراقي مجزأ. وازدادت هذه الأهمية بعد اغتيال الولايات المتحدة، عام 2020، للجنرال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس في بغداد، ما أدى إلى فقدان اثنين من أبرز مهندسي تماسك الفصائل المسلحة.
ويلفت التقرير إلى أن إيران تمثل بالنسبة للعراق الساحة الأكثر أهمية استراتيجياً، خاصة بعد تراجع نفوذها في ساحات أخرى منذ 7 تشرين الأول 2023. فالعراق يشكل حاجزاً أمنياً حيوياً بحدوده الطويلة مع إيران، كما يمثل شرياناً اقتصادياً في ظل العقوبات، يتيح لطهران الوصول إلى التجارة والعملة الصعبة وقنوات التفاف على القيود.
لهذا، لا تستطيع إيران تحمّل استمرار الغموض أو عدم الاستقرار في بغداد، وهو ما يفسر دعمها للمالكي بوصفه شخصية قادرة على فرض الانضباط على نظام لم يعد بالإمكان تركه بيد زعيم انتقالي ضعيف.
واشنطن تعود متأخرة
في المقابل، يشير التقرير إلى أن الولايات المتحدة كانت قد دفعت العراق إلى هامش أولوياتها. وتركزت جهود إدارة ترامب، عبر مبعوثها الخاص ستيف ويتكوف، على ملفات أخرى كإسرائيل–فلسطين وإيران وسوريا ولبنان واليمن. وفي تشرين الأول 2025، عيّنت واشنطن مارك سافايا، المقرب من ترامب، مبعوثاً إلى بغداد، لكنه لم يزرها منذ تعيينه، ما خلق فراغاً أميركياً خلال الانتخابات وما بعدها.
غير أن هذا الفتور تبدد سريعاً مع تزايد حظوظ المالكي. ووفق تقارير رويترز، أُبعد سافايا وأُضيف الملف العراقي إلى مهام توم برّاك، سفير واشنطن في تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا. وأجرى برّاك ومسؤولون أميركيون اتصالات مكثفة مع قادة عراقيين للتأكيد على رفض «حكومة تنصبها إيران»، في إشارة واضحة إلى المالكي.
انكشاف الاستقرار الهش
وكشفت هذه التطورات واقعاً صادماً، بحسب ما يذكره التقرير، لكثير من العراقيين. فرغم الهدوء النسبي مقارنة بدول الجوار منذ 7 تشرين الأول، يبقى هذا الاستقرار قائماً على أسس هشة ونظام سياسي مفتوح على التدخلات الخارجية.
وأظهرت إيران مجدداً قدرتها على التحرك السريع والتأثير، كما نُقل عن مسؤول عراقي رفيع قوله: «إيران ليست شخصاً واحداً، بل دولة مؤسسات، وهذه المؤسسات موجودة في العراق كما لو أن شيئاً لم يتغير». وفي المقابل، أكدت تغريدة واحدة من الرئيس الأميركي أن واشنطن ما تزال قادرة على إعادة ضبط المشهد السياسي، مذكّرة بأن السيادة العراقية ما تزال منقوصة.
المرحلة المقبلة
ويجد التقرير أن ترشيح المالكي يبدو أنه لن يصمد أمام تداخل الضغوط الداخلية والخارجية. لكن الحفاظ على الاستقرار الهش يتطلب الإسراع في تشكيل الحكومة وتجنب شلل سياسي جديد كالذي أعقب الانتخابات السابقة.
ستواجه الحكومة المقبلة تحديات جسيمة، من نقص السيادة، إلى خطر انزلاق العراق مجدداً إلى صراع أميركي–إيراني مفتوح، مروراً بالاضطراب على الحدود السورية، وعودة ملف «داعش»، وصولاً إلى اقتصاد هش يعتمد على النفط والديون، وضغوط مناخية متصاعدة أبرزها شح المياه.
وهي تحديات لم يعد بالإمكان تأجيلها، في بلد يحتاج، أكثر من أي وقت مضى، إلى حكومة قادرة على المواجهة لا على إدارة الأزمات فقط.
تقرير بريطاني: ترشيح المالكي يعيد الصراع الأميركي–الإيراني إلى العراق

نشر في: 11 فبراير, 2026: 12:11 ص









