TOP

جريدة المدى > سينما > "عائلة للإيجار": فيلم عن آفة الوحدة في القرن الحادي والعشرين

"عائلة للإيجار": فيلم عن آفة الوحدة في القرن الحادي والعشرين

نشر في: 12 فبراير, 2026: 12:01 ص

ترجمة : عدوية الهلالي
يستكشف الفيلم الروائي الثاني للمخرجة اليابانية هيكاري ممارسةً مُفاجئةً ولكنها شائعة في اليابان، إذ يُمكن استئجار صديق أو حبيب أو حتى أب، لساعة أو لعدة أيام، في مجتمع تُحيط العادات والضغوط الاجتماعية أحيانًا بأفراده بشعور بالخجل والوحدة.
في فيلم "عائلة للإيجار"، الذي يعرض حالياً في دور السينما، تصوّر المخرجة اليابانية وكاتبة السيناريو هيكاري مشروعًا تجاريًا يُمكن ترجمته إلى "عائلة للإيجار"، حيث يُقدّم رفقاء للإيجار. ويشمل هذا المشروع المُزدهر آلاف الأشخاص في اليابان، وقد ألهم المخرج النمساوي برنارد فينغر قبل بضعة أشهر لفيلمه "الطاووس" الذي يحمل فكرةً مُشابهة.
قبل سبع سنوات، كان فيليب، نجم إعلان في التلفزيون الياباني لمعجون أسنان، ممثلًا أمريكيًا يُكافح لبدء مسيرته المهنية.كان وحيدًا في طوكيو الصاخبة الشاسعة، لذا يقبل الممثل المحبط عرضًا غريبًا: وهو أن يؤدي دور صديق مقرب أو قريب لعملاء شركة "عائلة للايجار" الصغيرة.
يبدأ كل شيء بحفل زفاف صوري، حيث يُفترض أن يجسد فيليب دور الزوج الكندي المستقبلي لفتاة يابانية شابة. على الأقل، هذا ما يُقال رسميًا. يكمن السر في تصديق الأهل، لأن العروس نفسها تُخطط للزواج من حبيبها سرًا. في البداية، يُثير هذا العمل الغريب قلق فيليب. أليس هذا العمل قائمًا على الأكاذيب، مجرد بيع جسده؟ "نحن لا نبيع أشخاصًا، بل نبيع مشاعر"، هكذا يُجادل مديره.
ما يُصوّره فيلم "عائلة للايجار" قبل كل شيء هو الوحدة العميقة لمن فقدوا القدرة على التواصل مع الآخرين. سرعان ما يتجاهل الفيلم معضلات فيليب الأخلاقية، إذ يجد تدريجيًا في هذه المهنة الجديدة سبيلًا للهروب من عزلته. سيؤدي، بدوره، دور الصديق المقرب لشخصٍ غريب الأطوار لا يغادر منزله أبدًا، أو دور والد فتاة تبلغ من العمر عشر سنوات، أو حتى دور كاتبٍ لممثلٍ سابقٍ يتوق إلى الشهرة. ويجسد براندون فريزر (الحائز على جائزة الأوسكار لأفضل ممثل عن فيلم "الحوت" عام 2023)، بقامته المهيبة وعينيه الزرقاوين الكبيرتين الحزينتين، هذا العملاق اللطيف في اليابان التي يحاول جاهدًا فهم خفاياها.
هل يُعدّ هذا علاجًا للوحدة؟ في الواقع، على سبيل المثال، توظف شركة "فاميلي رومانس" ما يقارب 1200 ممثل في جميع أنحاء اليابان. ويروي مؤسسها، إيشي يويتشي، كيف طلبت منه صديقةٌ له، وهي أمٌ عزباء، عندما كان ممثلًا شابًا، أن يؤدي دور والد ابنتها البالغة من العمر أربع سنوات خلال مقابلةٍ للالتحاق بمدرسةٍ خاصةٍ مرموقة. "كان علينا أن نؤدي دور الأسرة المثالية." وأضاف لموقع "هايف لايف" عام 2019: "سبق أن رُفضت ابنة صديقتي مرةً واحدةً لأن وضعها العائلي اعتُبر غير مستقرٍ للغاية
في فيلم "عائلة للإيجار"، يجد فيليب نفسه في الموقف نفسه حيث يؤدي دور الأب المثالي في مجتمع تفرض فيه الأخلاق حياةً منظمةً وخاليةً من الجدل. وتزداد صعوبة تحقيق هذه المعايير في بلدٍ يفرض فيه النظام النيوليبرالي وتيرة حياة محمومة. ففي عام ٢٠٢١، أنشأت الحكومة اليابانية "وزارةً للوحدة"، ومنذ ذلك الحين طبّقت العديد من سياسات الصحة العامة لما يبدو أقرب إلى داءٍ معاصر منه إلى وباءٍ حقيقي. وتوضح المخرجة، التي نشأت في اليابان قبل أن تغادرها لدراسة السينما في الولايات المتحدة في سن السابعة عشرة: "الوحدة ليست حكراً على المجتمع الياباني، لكنها تتعزز هناك بفعل المحرمات والتقاليد والأعراف الاجتماعية» .لكن فيلم "عائلة للإيجار" لا يتطرق إلى الظروف الاقتصادية أو السياسية لهذه الوحدة، ولا إلى المسائل الأخلاقية المحيطة بمثل هذا العمل. وتركز هيكاري، بتعاطفٍ كبيرٍ وحسن نيةٍ بالغة، على الروابط الإنسانية التي تتشكل رغم كل الصعاب. ومن خلال مشاهدها الرقيقة ذات الألوان الباستيلية، والتي تدور أحداثها في اليابان الخلابة حيث الشمس مشرقةٌ دائمًا، تسعى المخرجة إلى بثّ التفاؤل وتقديم فيلمٍ مُريحٍ في واقعٍ أكثر كآبة.
ويجسد بريندان فريزر وماري ياماموتو وتاكيهيرو هيرا الادوار الرئيسية في الفيلم الذي يكافح فيه ممثل أمريكي لإيجاد معنى لحياته ويحصل على عقد غير عادي عبرلعب دور الأقارب البديلين لأشخاص غرباء تمامًا،إذ يعمل لدى وكالة يابانية متخصصة في توفير "عائلات للإيجار". ومن خلال انخراطه في حياة عملائه، يبدأ في بناء علاقات حقيقية تطمس الحدود تدريجيا بين عمله وواقعه. وفي مواجهة التعقيدات الأخلاقية لمهمته، يعيد اكتشاف هدفه تدريجياً، وشعوره بالانتماء، والجمال الهادئ للعلاقات الإنسانية...

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

صوت هند رجب ينال جائزة الأفضل من جمعية نقاد السينما المصري

"عائلة للإيجار": فيلم عن آفة الوحدة في القرن الحادي والعشرين

فيلم «صراط » .. ماهو وجودنا على أية حال؟

مقالات ذات صلة

سينما

"روح الكيفلار" للسويدية هِتش: الواقع يتغيَّر والسينما تعاينه

قيس قاسم تميل السينما السويدية، والاسكندنافية عامة، إلى بحث حالة الكائن البشري من منظور وجودي وفلسفي. هذا يفسّر سبب معاينتها الدائمة جوّانيات أبطالها، واعتبار الخارج هامشاً وفضاء عاماً، يتحرّكون وسطه، من دون كثير اهتمام...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram