TOP

جريدة المدى > سياسية > "ترند الفضيحة" يغزو الفضاء الرقمي العراقي: تشهير وابتزاز وسوق سوداء لـ "المشاهدات"!

"ترند الفضيحة" يغزو الفضاء الرقمي العراقي: تشهير وابتزاز وسوق سوداء لـ "المشاهدات"!

نشر في: 12 فبراير, 2026: 12:08 ص

 بغداد / جنان السراي

يتصدر التشهير والابتزاز وصناعة «الفضائح» المشهد الرقمي في العراق، مع تصاعد خطير في استغلال منصات التواصل الاجتماعي لتصفية الخلافات الشخصية أو تحقيق مكاسب مادية وشهرة آنية، في ظل غياب قانون خاص ينظم الجرائم الإلكترونية ويواكب التطورات المتسارعة، ولا سيما تلك المرتبطة بتقنيات الذكاء الاصطناعي.

وخلال الفترة الأخيرة، تحوّل ما يُعرف بـ«ترند الفضيحة» إلى ظاهرة واسعة الانتشار على منصات التواصل الاجتماعي، بعدما وقع عدد من المشاهير ضحايا لمقاطع ومواد ابتزازية انتقلت سريعاً من نطاق الخلافات الشخصية إلى محتوى متداول على نطاق واسع، حاصداً ملايين المشاهدات والتفاعلات.
وكان من بين أبرز هذه الوقائع تداول مواد مفبركة نُسبت إلى عميد في وزارة الداخلية، قبل أن يتبين لاحقاً أنها مواد مولّدة بالكامل باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، ما أثار تساؤلات جدية حول قدرة الجهات المعنية على مواكبة هذا النوع من الجرائم وحماية الأفراد من التشهير والتزييف.
ووفق بيانات رسمية، فإن الأجهزة المختصة سجلت (1355) شكوى خلال عام واحد لفتيات تعرّضن للابتزاز الإلكتروني في عام 2024، فيما أُعلن في بداية عام 2026 عن اعتقال 87 شخصاً متهمين بالابتزاز والتهديد، ضمن عمليات أمنية نُفذت في عدة محافظات.
غير أن كثيراً من حالات الابتزاز لا تُبلّغ رسمياً بسبب الخوف من الفضيحة أو من ردود الفعل الاجتماعية، وهو ما دفع خبراء إلى ترجيح أن تكون الأرقام المسجلة أقل من العدد الحقيقي الفعلي.
ندى علي (اسم مستعار) واحدة من هؤلاء الضحايا، إذ تقول خلال حديثها لـ«المدى» إنها تشعر بإحباط شديد، موضحة أنها تحرص بين فترة وأخرى على نشر نشاطاتها ومشاركاتها بأسلوب مهني لا يتضمن إساءة لأي طرف، لكنها فوجئت بتعرّضها لحملات طعن وسبّ وتجاوز من حسابات مجهولة، الأمر الذي تسبب لها بمشاكل شخصية ومهنية.
وأضافت أنها حاولت الوصول إلى الشخص أو الجهة المعنية لمعرفة الدوافع وإيقاف الإساءة من دون جدوى، ما دفعها إلى اللجوء إلى الجهات المختصة عبر تطبيق «أمين». وبعد تسجيل البلاغ واستكمال الإجراءات المطلوبة، أُبلغت بأنه سيتم التواصل معها لاحقاً، إلا أنها، ومنذ عدة أيام، ما زالت بانتظار أي رد أو متابعة.
وتتساءل ندى بمرارة عن ضعف الإجراءات وبطء التفاعل، قائلة: «شلون إذا كانت الحالة مستعجلة؟»، معتبرة أن هذا البطء يدفع كثيراً من الضحايا إلى الخوف أو الاستسلام وسحب الشكوى.
وتشير بيانات وزارة الداخلية العراقية إلى أن مديريات الجرائم المعلوماتية تستقبل آلاف البلاغات سنوياً تتعلق بالتشهير والابتزاز عبر منصات التواصل الاجتماعي، إلا أن نسبة كبيرة منها لا تُستكمل إجراءاتها القانونية بسبب سحب الشكوى أو عدم مراجعة المشتكي، وفق ما أعلنته الوزارة في بيانات سابقة، مؤكدة أن الخوف من الوصمة الاجتماعية ما زال أحد أبرز أسباب تراجع الضحايا عن المتابعة القانونية.
في هذا السياق، شدد المحامي محمد جمعة، في تصريح لـ«المدى»، على أن ما يشهده الفضاء الرقمي العراقي من تصاعد في عمليات الابتزاز يستدعي تشريع قانون خاص بالجرائم الإلكترونية والابتزاز الإلكتروني، بما يشمل القضايا المرتبطة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. وأضاف جمعة أن القصور «لا يكمن في العقوبة بحد ذاتها، بل في صعوبة جمع الأدلة الفنية»، مؤكداً ضرورة وجود آليات قانونية دقيقة للتعامل مع الجرائم الإلكترونية بطريقة صحيحة وواسعة، بعيداً عن المصادرات القانونية التي قد تقيد الحريات من دون أن تتعامل مع الابتزاز الرقمي بجدية.
كما اقترح إنشاء أقسام متخصصة داخل الأجهزة الأمنية بالتعاون مع خبراء خارجيين لمراقبة تقنيات الذكاء الاصطناعي ومعالجة القضايا المتعلقة بها.
وكان مجلس القضاء الأعلى قد أشار في أكثر من مناسبة إلى أن القوانين النافذة، وعلى رأسها قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969، تُستخدم حالياً لمعالجة الجرائم الإلكترونية، في ظل عدم إقرار قانون خاص بالجرائم المعلوماتية، وهو ما وصفه قضاة ومختصون قانونيون بـ«الحلول الجزئية» التي لا تواكب التطور التقني، ولا سيما في القضايا المرتبطة بالتزييف الرقمي والذكاء الاصطناعي.
قال الأمين العام للبيت الوطني، حسين الغرابي، إن الذكاء الاصطناعي يُعد من أهم الأدوات التي تسهم في تطور المجتمعات البشرية وتقدمها، إلا أن استخدامه في العراق انحرف نحو مسارات خطرة، أبرزها الابتزاز والمساومات والتسقيط السياسي أو الاجتماعي بحق الخصوم والأطراف المعادية بطرق لا تمت للأخلاقيات الاجتماعية ولا للروح الإنسانية بصلة.
وأوضح الغرابي أن الفضاء الرقمي يشهد بين فترة وأخرى انتشار مقاطع فيديو وتسجيلات صوتية يكون بعضها مولداً بالكامل باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، سواء على مستوى الصوت أو الصورة، وتُستخدم لأغراض الابتزاز أو الإخضاع السياسي أو فرض رأي معيّن، مؤكداً أن القانون العراقي يجرّم هذه الأفعال ويعاقب عليها. وأشار إلى أن من يتعرض لهذا النوع من الابتزاز يمكنه اللجوء إلى القضاء العراقي وفتح دعاوى رسمية ضد الصفحات أو الجهات التي تقف وراء هذه الممارسات، لافتاً إلى وجود «فوضى إعلامية حقيقية» تتمثل بكثرة الصفحات والمنصات التي تتعمد نشر هذا النوع من المحتوى، وما يترتب عليه من أضرار كبيرة تنعكس بشكل مباشر على البنية المجتمعية للعراقيين.
ويعتمد القضاء العراقي حالياً على مواد متفرقة من قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 لمعالجة هذه القضايا، من بينها المواد المتعلقة بالتهديد والابتزاز والقذف والتشهير، التي تُطبّق على الأفعال المرتكبة عبر الوسائل الإلكترونية أيضاً.
من جانبه، قال التقني وائل حسن إن التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، ولا سيما في مجال إنتاج الصور والفيديوهات المفبركة، بات يشكل تحدياً حقيقياً أمام المتلقي، خاصة مع وجود خوارزميات متقدمة قادرة على محاكاة ملامح الأشخاص وسلوكهم وعاداتهم بطريقة قريبة جداً من الواقع، وقد تصل أحياناً إلى درجة يصعب تمييزها بصرياً.
وأوضح حسن أن الخطوة الأولى في الكشف عن المحتوى المفبرك تبدأ بالذكاء البشري، من خلال التدقيق في التفاصيل الدقيقة للصورة أو الفيديو، مثل تغيّر البكسلات أو ظهور تشوهات غير طبيعية في الوجوه أو عدم انسجام الإضاءة والظلال أو وجود عناصر لا تنسجم مع الطبيعة. وأضاف أن هذه المرحلة تتطلب خبرة واطلاعاً مستمراً على تطور برامج الذكاء الاصطناعي نظراً لاختلاف نتائجها من إصدار إلى آخر.
وأشار إلى أن المرحلة الثانية تتمثل باستخدام مواقع ومنصات رقمية متخصصة في الكشف عن المحتوى المنتج بالذكاء الاصطناعي، لافتاً إلى وجود أدوات مختلفة بحسب نوع المحتوى، سواء كان نصاً أو صورة أو فيديو، وتُعد هذه الوسائل فحصاً أولياً مهماً قبل الجزم بصحة المادة أو زيفها. وبشأن الأساليب التي تعتمدها الجهات الأمنية، أوضح حسن أنه لا يمتلك اطلاعاً مباشراً على الآليات المعتمدة من قبل وزارة الداخلية أو أجهزة مكافحة الجرائم الإلكترونية، إلا أنه أشار إلى مروره بحالات تعرّض فيها أشخاص لابتزاز باستخدام صور مفبركة تم اكتشاف زيفها عبر ملاحظات بشرية أولية كشفت خللاً واضحاً في التفاصيل.
وفي ما يخص الوقاية، دعا حسن إلى تقليل نشر الصور والمعلومات الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي، ولا سيما صور الأطفال وأفراد العائلة، محذراً من أن نشر أي صورة يتيح إمكانية استخراج الملامح ودمجها أو إعادة تصنيعها ضمن سيناريوهات قد تُستخدم لاحقاً في الابتزاز أو التشويه.
حذّرت وزارة الاتصالات العراقية في تقارير سابقة من تنامي مخاطر إساءة استخدام التقنيات الرقمية، مشيرة إلى أن أدوات الذكاء الاصطناعي باتت متاحة على نطاق واسع وبكلف منخفضة، ما يزيد من احتمالات استغلالها في التزييف والتشهير، ودعت إلى رفع الوعي الرقمي وتعزيز الثقافة التقنية لدى المستخدمين كخط دفاع أولي.
من جانبها، قالت الناشطة المدنية سارة الجاسم لـ«المدى» إن ما يحدث في الفضاءات الافتراضية «ليس مجرد انفلات تقني، بل انحدار أخلاقي ممنهج»، مشيرة إلى أن منصات التواصل تحولت إلى أسواق «نخاسة رقمية» تُباع فيها خصوصيات الناس وكراماتهم المهنية مقابل المشاهدات أو لأغراض ابتزازية.
وأضافت أن هذه الممارسات تمثل «اغتيالاً معنوياً»، مؤكدة أن الصمت أمام هذا «التوحش الرقمي» يعد تواطؤاً، وداعية إلى تشريع قانون رصين للجرائم الإلكترونية يحمي الضحايا من دون المساس بحرية التعبير.
ويُذكر أن القانون العراقي يتضمن مواد يمكن تطبيقها على بعض الوقائع الإلكترونية، من بينها المادة 432 التي تعاقب من يهدد آخر بالقول أو الفعل أو الإشارة، شخصياً أو إلكترونياً، بعقوبة تصل إلى السجن أو الغرامة، وكذلك المادة 433 التي تجرّم القذف عبر النشر أو الإنترنت، مع تشديد العقوبة إذا وقع بالنشر.
وتتقاطع هذه المخاوف مع تقارير رسمية صادرة عن المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق، التي صنّفت الابتزاز الإلكتروني والتشهير الرقمي ضمن الانتهاكات المتزايدة للحقوق الشخصية، خصوصاً بحق النساء، داعية إلى تشريع قانون يضمن الحماية القانونية للضحايا، ويضع ضوابط واضحة لاستخدام الفضاء الإلكتروني من دون الإخلال بحرية الرأي والتعبير المكفولة دستورياً.
ومع ذلك، يؤكد مختصون أن العراق ما زال بحاجة ملحة إلى تشريع قانون واضح وموحد للجرائم الإلكترونية والابتزاز الرقمي، يشمل كيفية التعامل مع الأدلة الفنية والتقنيات الحديثة، ويوازن بين رصد المخالفات وحماية حرية التعبير.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق عراقيون

مقالات ذات صلة

تغريدة ترامب تشعل
سياسية

تغريدة ترامب تشعل "حرب اللجان" داخل الإطار: من موّل الهجوم على المالكي؟

بغداد / تميم الحسن ينوي معسكران متعارضان داخل "الإطار التنسيقي" تشكيل لجنتين للتحقيق في مزاعم متضادة بشأن "تغريدة ترامب" الأخيرة التي رفض فيها ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة. وتتصاعد الاتهامات المتبادلة بين الطرفين حول...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram