TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > حول أسباب وتداعيات زيادة الرسوم الجمركية في العراق

حول أسباب وتداعيات زيادة الرسوم الجمركية في العراق

نشر في: 16 فبراير, 2026: 12:03 ص

د. فالح الحمراني

وصفت قراءة اقتصادية نشرها معهد الشرق الأوسط في موسكو النزاع حول الرسوم الجمركية في العراق بأنه جزء من نزاع أوسع نطاقًا نجم عن تخبط التخطيط الاقتصادي في البلاد وتجاهل الحكومات المتعاقبة عمليات تنويعه وتفعيل القطاعات الإنتاجية غير النفطية، علاوة على أنه جزء من الصراع للسيطرة على الجهة التي ستراقب عملية ضبط الأوضاع المالية في الدولة الغنية بالنفط والتي تعاني من تفاوتات اقتصادية حادة. وعلى المدى القريب، ستعتمد التطورات على الإجراءات القانونية والسياسية الجارية.
ووفقا للتقرير المفصل الذي تقدم أدناه عرضا مختصرا لأهم محاوره فقد أصبح النزاع حول زيادة الرسوم الجمركية جزءًا من نقاش أوسع نطاقًا حول التوزيع العادل للعبء الضريبي في بلد غني بالموارد ولكنه هش اجتماعيًا واقتصاديًا. ويعتمد حل الوضع الراهن على مراجعة المحكمة العليا القانونية للمسألة، وعلى استعداد البرلمان لتعديل التشريعات. ويصرّ قادة الاحتجاجات على الوقف الفوري لتطبيق القواعد الجديدة والإفراج عن الحاويات المحتجزة، مهددين بمزيد من شلل السوق ما لم يتم التوصل إلى حل وسط. ورغم النجاح قصير الأجل الذي حققته الدولة في زيادة الإيرادات بفضل النظام الجديد، فإن الحل طويل الأجل يتطلب إعادة تصميم شاملة لآليات تحصيل الرسوم التي تُسهم في الاستقرار الاقتصادي ورفاهية السكان. وأشار المشاركون في احتجاجات في بغداد، الى أنً: "الضحايا الرئيسيون هم المواطنون ذوو الدخل المحدود وموظفو الحكومة الذين بالكاد تكفي رواتبهم لتغطية احتياجاتهم اليومية". ويبدو أن الاحتجاجات وإغلاق الأسواق قد امتدت إلى مناطق أبعد من العاصمة، حيث وردت أنباء عن إغلاق متاجر في البصرة وكركوك والموصل.
يُؤجّج عدم الاستقرار الاقتصادي وتدهور الأوضاع المعيشية السخط الشعبي، مما يُفضي إلى احتجاجات ومظاهرات حاشدة ضد الحكومة. ويُضعف عدم الاستقرار الاجتماعي الدولة ويُعقّد إيجاد حلول فعّالة للأزمة الاقتصادية. ويقول قادة إضراب التجار إن احتجاجاتهم ستستمر ما لم تؤجل الحكومة تطبيق الإجراءات الجديدة، وتفرج عن الحاويات العالقة، وتراجع الرسوم الجمركية. وهذا يزيد من احتمالية حدوث مزيد من الشلل في السوق ما لم يتم التوصل إلى حل وسط.
علاوة على ذلك، يُؤثر انخفاض أسعار النفط تأثيراً بالغاً على الاقتصاد العراقي، مُسبباً عجزاً في الميزانية، وتضخماً مرتفعاً، وارتفاعاً في معدلات البطالة، وتدهوراً في مستويات المعيشة، وعدم استقرار سياسي. وللتغلب على هذه التداعيات، لا بد من إجراء إصلاحات هيكلية للحد من الاعتماد على النفط، وخلق مصادر دخل مستدامة خارج قطاع النفط والغاز.
نتيجةً لانخفاض إيرادات الحكومة، يضطر البلد إلى البحث عن مصادر تمويل إضافية لتغطية العجز. ومن بين الطرق المتبعة زيادة المعروض النقدي عن طريق إصدار البنك المركزي للنقود، مما يؤدي إلى تسارع التضخم. ويؤثر التضخم المرتفع سلبًا على القدرة الشرائية ويقلل من مستوى المعيشة.
ونظراً لتدهور الوضع الاقتصادي، يُزيد المقرضون الدوليون من مخاطر تقديم القروض للعراق، مما يحدّ من قدرة البلاد على جذب قروض خارجية. ويُعيق نقص التمويل إعادة تأهيل البنية التحتية، وتحديث الصناعة، وتنويع الاقتصاد. ويؤكد التجار أن القواعد الجديدة أدت إلى زيادة حادة في رسوم الاستيراد، مما أدى إلى خنق الشركات الصغيرة. في الوقت نفسه، دعت منظمات تجارية وبرلمانيون الحكومة إلى التراجع عن هذا القرار.
يُجبر انخفاض الإيرادات البلاد على السعي المتزايد للحصول على دعم خارجي، مما يزيد من اعتمادها على المانحين والدائنين الدوليين. ويُلقي هذا الاعتماد بعبء إضافي على العلاقات السياسية والأمن القومي.
وتضمنت ميزانية السنوات الثلاث التي اعتُمدت في عام 2023 توسيعًا كبيرًا لشبكة الأمان الاجتماعي في العراق، بالإضافة إلى توظيف أكثر من 811 ألف موظف جديد في القطاع العام. وقد أدى ذلك بدوره إلى تكثيف الجهود في بغداد لزيادة الإيرادات غير النفطية.
وكان قرار مجلس الوزراء في أكتوبر 2025 بزيادة رسوم الاستيراد مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بتطبيق أداة إدارة الجمارك التي ورتها الأمم المتحدة والمعروفة باسم النظام الآلي لبيانات الجمارك (ASYCUDA). وصُمم برنامج ASYCUDA، الذي طوره مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، لمساعدة الدول النامية والدول التي تمر اقتصاداتها بمرحلة انتقالية على تحديث عملياتها الجمركية. في عام 2021، وقّعت وزارة المالية العراقية اتفاقية مع الأونكتاد لتطبيق نظام ASYCUDA في المعابر الحدودية. مع ذلك، لم تبدأ السلطات بتطبيق النظام إلا في أوائل عام ٢٠٢٤. وبينما لم يُطبّق نظام "أسيكودا" بعد في كردستان العراق، فقد أدى إدخاله في المنافذ الجمركية الاتحادية في يناير/كانون الثاني إلى تعطيل عمليات الاستيراد غير الرسمية القائمة منذ زمن طويل. ووفقًا للبيانات المتاحة، تُلزم اللوائح المعمول بها التجار بدفع رسوم استيراد منخفضة وثابتة، تتراوح عادةً بين ٣ و٥ ملايين دينار عراقي لكل حاوية أو شاحنة. كما يُفيد التقرير بأن المستوردين يُقلّلون من قيمة البضائع ويُزوّرون الوثائق بانتظام للتهرّب من دفع الرسوم الجمركية.
وبموجب النظام الرقمي الجديد، يُجبر التجار على دفع الرسوم مُقدمًا وبالكامل قبل استلام البضائع. وقد أدّى ذلك فعليًا إلى ارتفاع الرسوم الجمركية بنسبة تتراوح بين ٥٪ و٣٠٪ على امتداد جدول التعريفات الجمركية، مما تسبب في مشاكل في سلاسل التوريد وارتفاع حاد في الأسعار.
ويرى بعض النواب أن حكومة السوداني المؤقتة تفتقر إلى الصلاحيات الدستورية لفرض تعريفات جمركية جديدة. إلا أن المسؤولين يُعارضون ذلك، مؤكدين أن التغييرات ما هي إلا تطبيق تلقائي للتعريفات الجمركية القائمة سابقًا.
حددت المحكمة الاتحادية العليا في العراق جلسة استماع للنظر في دعوى قضائية تطعن في الرسوم الجمركية الجديدة. في غضون ذلك، دعا بعض النواب الحكومة إلى تعليق العمل بالقواعد الجديدة لمدة 90 يومًا والنظر في تطبيق معدل جمركي موحد.
تشير البيانات الرسمية إلى تحقيق إيرادات جمركية قياسية منذ التطبيق الكامل لنظام "أسيكودا" على المستوى الاتحادي في كانون الثاني. وهذا يوحي بأن أي حل للأزمة سيتضمن على الأرجح تعديلات فنية على النظام الجمركي الجديد، بدلًا من إلغائه بالكامل.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

لعنة الموارد وتزييف الوعي الجمعي

العمود الثامن: قمة الإنسان

واشنطن بوست: من ذاكرة الجمهورية إلى قلق الحاضر

العمود الثامن: دستوركم أعرج

العمود الثامن: لكم ملياراتكم ولنا الحصار!

العمود الثامن: الكتاب "حرام" في الناصرية!!

 علي حسين عندما تقرأ في الأخبار أن القوات الامنية في مدينة الناصرية تمنع اقامة مهرجان للقراءة وتعتقل أحد منظمي المهرجان ، وان الحجة الجاهزة الترويج للبعث ، لان القوات الامنية التي تعجز عن...
علي حسين

باليت المدى: الجمال البسيط

 ستار كاووش في كل المدن والقرى الهولندية تفتتح الأسواق الشعبية الجميلة والمبهجة في عطلة نهاية الأسبوع عادة إضافة الى أوقات أخرى مختلفة من السنة، حيث تنتصب الأكشاك الصغيرة المؤقتة في ساحات مخصصة لهذا...
ستار كاووش

حول أسباب وتداعيات زيادة الرسوم الجمركية في العراق

د. فالح الحمراني وصفت قراءة اقتصادية نشرها معهد الشرق الأوسط في موسكو النزاع حول الرسوم الجمركية في العراق بأنه جزء من نزاع أوسع نطاقًا نجم عن تخبط التخطيط الاقتصادي في البلاد وتجاهل الحكومات المتعاقبة...
د. فالح الحمراني

الدبلوماسية بعد البعث: إرث القمع وفوضى التحول

حسن الجنابي (4ـ 4) سقوط نظام حزب البعث في عام 2003 لم يكن مجرد نهاية لعهد سياسي مستبد، بل صدمة شديدة لبنية الدولة العراقية ومؤسساتها، وخاصة وزارة الخارجية التي كانت تعمل أكثر كأداة في...
حسن الجنابي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram