جمال العتّابي
للجماعات الأدبية والفنية امتداد طويل في تاريخ العراق الثقافي والفني منذ تكوين الدولة العراقية وانفتاح الثقافة والفن على مصادر متنوعة من الأفكار والمفاهيم والتيارات الحديثة.
اقترن ظهور العديد من الجمعيات والنوادي الثقافية والسياسية والمهنية والرياضية في بغداد، بإقرار قانون الجمعيات في 2 تموز 1922، ومن أبرز تلك الأندية التي ظهرت في العاصمة في عشرينات القرن الماضي التي كان لها دور متميز في الحركة الوطنية هو "نادي التضامن". إذ أن تأسيسه في عام 1926، يعدّ نقطة تحول في نشاط المثقفين المجددين. كان لحسين الرّحال الدور الأساس في تأسيسه.
أصبح نادي التضامن منبراً تجتمع فيه العناصر الوطنية والشباب المثقف، والمكان الذي يتابعون فيه ما تنشره الصحافة في البلدان العربية. وأظهر النادي ميوله السياسية المعارضة حين طالب بسقوط معاهدة 1922. كما اهتم بالفن المسرحي، إذ قدم عملاً مسرحياً على قاعة سينما الوطني في كانون الثاني 1927، وكان للنادي نشاط في المجالين التعليمي والثقافي، وقام بتوفير الصحف للمطالعة مما شجّع المثقفين على الإقبال عليه.
تلك كانت البدايات الأولى، بيد ان المرحلة التي شهدت تطور الحركة الثقافية في العراق، وتأسيس الجماعات الأدبية، كانت قد بدأت في اعقاب الحرب العالمية الثانية، على الرغم من أنها دارت في أماكن بعيدة عنه، إلا نهايتها في عام 1945 دشّنت مرحلة جديدة لتحولات نوعية في المشهد الثقافي، بتأثير التغيرات الشاملة في خارطة العالم، وما نجم عنها من تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية. كانت تلك قد فتحت نافذة أمام المثقفين العراقيين لمتابعة ما يحصل في العالم.
وعلى صعيد آخر جرت محاولات عديدة لإعادة ترتيب التوازنات السياسية والاقتصادية في الشرق الأوسط، وكان العراق جزءاً من هذا التحول، إذ تسارعت وتيرة التحديث، على مسارات متعددة، بفعل نمو الطبقة الوسطى، وشهدت المرحلة ازدهاراً لافتاً في الصحافة الثقافية والمجلات الأدبية، وكان التحول الأهم في حركة الشعر العربي الحديث، وفي السرد، وفي الفنون التشكيلية، وبناء الهوية البصرية، وفن العمارة.
أنتج هذا الواقع جيلاً جديداً من الكتّاب يبحث عن أطر تنظيمية تتجاوز الفردية، فتحولت المقاهي الثقافية والصالونات وبعض البيوت إلى نوىً لتشكيل جماعات تتبنى توجهات ثقافية وجمالية متنوعة. كاستجابة لتلك التحولات الفكرية والفنية، تحوّلت بمرور الزمن إلى ظاهرة أشاعت الحوار والجدل والتنظير، ونقلت الإبداع من مبادرات فردية إلى مشاريع ثقافية تركت أثراً عميقاً في الحياة القافية العراقية.
الواقع أن رواد تلك المشاريع أخذوا بأسباب ضرورة التعرف على الفكر الأوربي، والفن العالمي التي ساعدت ظروف الحرب في اتساعهما، لم يقتصر الأمر على الأدب فحسب، بل امتد إلى الفن التشكيلي. كان تأسيس معهد الفنون الجميلة عام 1939 حدثاً ثقافياً وفنياً في تاريخ العراق، وامتداداً لنهضة ثقافية كانت تنمو في المدارس على اختلاف مستوياتها. كما رافق تأسيسه بوصفه معهداً للفن، ظهور مؤسسات أخرى غير رسمية، اهتمت بالفكر والفن، فأصدر الفنان جميل حمودي، وهو ما يزال طالباً في المعهد مجلة "الفكر الحديث عام 1945"، كما أصدر رسائل فنية أسماها "ستوديو" وحاول أن يجعل من مجلته صوتاً للحركة الفنية في العراق، تعرّف القارئ من خلالها على "السريالية" في مقالة لـ "نعيم قطّان"، وكتب فيها الفنان جواد سليم مقالين عن الموسيقى العالمية.
وفي السنوات ذاتها، اتفق جماعة من الأصدقاء، جلّهم من الشباب على تشكيل رابطة تجمعهم أسموها "جماعة الوقت الضائع"، وهؤلاء الشباب هم: بلند الحيدري، نزار سليم، سلمان محمود، حسين هدّاوي، إبراهيم اليتيّم. ثم انضمّ إليهم: عدنان رؤوف، حسين مردان، فؤاد رضا، أكرم الوتري. وعدنان أبو الفتوح، المصري الجنسية، المنتدب للتدريس في كليات بغداد.
اتخذت جماعة "الوقت الضائع" أول الأمر "مقهى السويس" المجاورة لمقهى "البرازيلية" في شارع الرشيد مقراً لها، كانوا يلتقون فيها للنقاش وتبادل الآراء، وتمكنت الجماعة من اصدار عدة كتب، منها: ديوان الشاعر بلند الحيدري "خفقة طين" عام 1946، ومجموعة أقاصيص بعنوان " أشياء تافهة" للقاص والفنان نزار سليم. كما صدر عنها نشرة باسم الجماعة، لعددين فقط، كان غلاف العدد الثاني صورة لتمثال "النهر الأسود" للنحات خالد الرحّال. وأهمّ ما تضمنته النشرة مقالات للفنان جواد سليم، وترجمة لإحدى قصص " وليم سارون" وقصيدة من الشعر المنثور لحسين هدّاوي.
ثم انتقلت الجماعة إلى مقهى آخر في الأعظمية مقابل النادي الأولمبي، أسموه "الواق واق" نسبة إلى اسم الجماعة ذاتها. التي تحمل طابعاً تهكمياً ـ رمزياً، يحيل إلى متخيل بعيد، ولها موقف نقدي من الواقع الثقافي، لكن الجماعة كانت موضع ارتياب السلطة، لأن مخبريها ينقلون صورة مشوشة عن أحاديث الجماعة في مجالسهم، يعتقدون أنهم يتكلمون لغة غير مفهومة. هذه اللغة غير المفهومة كان يتحدث بها الأديب المترجم إبراهيم اليتيم عن التيارات الأدبية الحديثة في أوربا، بوصفه خريجاً لإحدى الجامعات الفرنسية. لذلك أغلقت المقهى بعد مضي وقت قصير.
لم تكن الجماعة تنظيماً مؤسسياًـ بل حلقة ثقافية ضكت شعراء وكتاباً وفنانين شباباً تأثروا بالتيارات الفكرية الحديثة والتجريب، وتقاطعوا مع السائد التقليدي في تلك الفترة.
يصف الشاعر بلند الحيدري الظروف التي دفعت أولئك الشباب الى تبنّي تلك الأفكار، فيقول: ربما أحدثت الحرب العالمية الثانية اهتزازاً كبيراً في القشرة السطحية لأرض العراق فتواجدنا آنذاك على هذا المستوى في الخلق. إن أكثر المبدعين كانوا من الشباب المثقف، وهي ظاهرة مهمة جداً على ما كان مألوفاً في تجاربنا الشعرية والفنية. ربما كان الأمر أسهل وأهون لأننا لم ننقطع عن تراثنا، أما بالنسبة إلى الفنان فكانت المغامرة أشدّ، والجهد أكبر، لأنهم يحرثون في أرض بكر، استوردوا المحراث من أوربا، ولكن ليحرثوا به أرضهم.
ذاكرة ثقافية..جماعة "الواق واق" وجماعة "الوقت الضائع"

نشر في: 16 فبراير, 2026: 12:03 ص








