TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > باليت المدى: الجمال البسيط

باليت المدى: الجمال البسيط

نشر في: 16 فبراير, 2026: 12:04 ص

 ستار كاووش

في كل المدن والقرى الهولندية تفتتح الأسواق الشعبية الجميلة والمبهجة في عطلة نهاية الأسبوع عادة إضافة الى أوقات أخرى مختلفة من السنة، حيث تنتصب الأكشاك الصغيرة المؤقتة في ساحات مخصصة لهذا الغرض، ويمتلئ المكان بالناس الذين يحضرون من كل مكان لقضاء جزء من يومهم وسط هذه الأماكن التي تملؤها روائح الأكلات الشعبية ومنتجات الفلاحين المختلفة، مثل المعجنات والفاكهة والسمك المدخن والبطاطا وأنواعاً كثيرة أخرى من الأطعمة الشعبية المختلفة. انها بمثابة أعياد صغيرة وسط المدينة، يلتقي فيه الناس، يتبادلون الأحاديث والأخبار ويتبضعون احتياجاتهم ويقيمون حفلاتهم الصغيرة. المتعة حاضرة والجمال البسيط يحيطك من كل جانب، حتى تشعر بأنك تتجول وسط متحف مليء بالأشكال المختلفة والألوان العديدة.
تتنوع وتختلف الأسواق في هولندا عموماً، وأجملها هو السوق الذي يسمى (برادَري) وهو سوق سنوي يقام في كل ضواحي وقرى ومدن هولندا في أوقات متباينة، أي كل قرية لها يوم محدد يُفتتح فيه هذا السوق المليء بالبهجة والمتعة والفائدة، وهو يختلف عن الأسواق التقليدية الأخرى بمساحته الواسعة التي تشغل غالباً مكاناً وسط القرية أو المدينة، يُسمى ساحة السوق. ويحتوي هذا السوق على ألعاب ترفيهية للأطفال ايضاً، كذلك تجوبه في الغالب بعض الفرق الموسيقية الشعبية التي تعزف الأغاني والوصلات الموسيقية المبهجة. وقد إشتقت تسمية برادَري من كلمة شواء الهولندية، حيث كان الفلاحون الفلاندريون في سنوات بعيدة بجنوب هولندا يعرضون اللحوم المشوية وسمك الرنجة المدخن في مراكز القرى، ومع الوقت صارت التسمية تشمل الأسواق الكبيرة في عموم هولندا، ثم إتسعتْ التسمية وشملتْ بلجيكا وفرنسا، حيث مازال يستخدم هناك نفس الأسم.
ومادام حديثنا عن الأسواق، فلا يمكننا أن ننسى السوق السنوي للفنانين في هولندا، والذي يقام في كل مدن وقرى هولندا تقريبا، حيث تصطف الأكشاك الصغيرة التي يستأجرها الفنانون ويعرضون فيها لوحاتهم، حيث يقضون يومهم غالباً بالحوارات الفنية وتقاسم شرب القهوة والنبيذ، ويزورهم أبناء المدينة والمدن المحاذية لشراء ما يعجبهم من أعمال عادة ما تكون صغيرة الحجوم لسهولة نقلها من المرسم الى السوق وبالعكس.
وهناك سوق الجبن الذي يقام في أماكن محدد وساحات أنشأت لهذا الغرض، مثل السوق الشهير في مدينة ألكمار، الذي تُعرض فيه هناك طقوس بيع الجبن كأنها عمل مسرحي مذهل، هنا تشاهد الكميات الهائلة من الجبن، وكيف يتم اختيار الأنواع المختلفة، وكيف توزَن أطناناً من الجبن كي يُرسل الى عموم هولندا والكثير من الدول الأخرى. ويتميز هذا السوق بالأزياء الفلكلورية والشعبية لصانعي الجبن في هولندا، حيث الفتيات اللواتي يشبهن فراشات ملونة يعرضن قوالب الجبن بعربات صغيرة، والرجال الأشداء يتناوبون على حمل كميات كبيرة من القوالب الصفراء اللذيذة التي وضعت على ألواح خشبية واسعة. وما يجعل هذا السوق مهماً، هو متحف الجبن الذي ينتصب بمحاذاته تماماً، وهناك تكتمل حكاية هذه القطع اللذيذة الساحرة التي لا تخلوا منها أية مائدة في هولند. في هذا المتحف يمكن الإطلاع على كل ما يتعلق بصناعة الجبن وأنواعه والمراحل التي يمر بها. هنا ترى كيف أصبحت هولندا واحدة من أهم الدول المصدرة للجبن في العالم.
وبعيداً عن الجبن الذي يشكل هوية هولندا، هناك أسواق الحلي والقلائد وكل الاكسسوارات، حيث تلتمع الطاولات بما تحتويه من جواهر متناغمة وتجذب الناس من بعيد. وهناك أيضاً أسواق الـعاديات والأشياء المستعملة التي تفترش الشوارع في أوقات محددة من السنة، منها يوم عيد الملك الذي إضافة الى المتعة الفريدة التي يمنحها للناس فقد تحول ايضاً الى سوق للأشياء المستعملة والفائضة عن الحاجة، والتي غالباً ما تكون بأسعار رمزية بسيطة جداً.
وبين كل هذه الأسواق يأخذ سوق الكتب أهميته العظيمة في هولندا. وهو سوق يقام مرتين أو ثلاث مرات كل سنة (وأحياناً يتزامن مع سوق الفن) وفيه تمتد الطاولات الواسعة على امتداد الشوارع التي تتفرع من مراكز المدن. وفي هذا السوق يمكنك أن تجد كل ما تبحث عنه من كتب قديمة لم تعد موجودة في المكتبات، وهنا لكل نوع جمهوره ومحبيه طبعاً، فمثلما توجد الروايات والقصص والمسرحيات وكتب الطبخ وعلم النفس وغيرها، فهناك أيضا كتب القصص المصورة التي ما زال جمهورها حاضراً، حيث يبحث الزائرون عن ما يُكملون به مجموعاتهم الخاصة.
أسواق أخرى كثيرة تفتتح على مدار السنة، تعرض كل شيء وتتخصص بتفاصيل لا تخطر في الباب، والغرض من ذهاب الناس الى هذه الأسواق ليس للشراء فقط، بل أنها المتعة الأكيدة التي تنبثق من بين كل التفاصيل والزوايا، وفوق كل هذا فالأمر عادة لا يخلو من المفاجئات الجميلة، حيث غالباً ما يفاجئك هناك صديق لم تلتقِ به منذ فترة أو صديقة غابت عنك وسط زحام الحياة، وبعد حديث قصير بينكما، تكملان اللقاء بقطع من البطاطا المقلية المقرمشة أو سمك البالنغ المدخن، ويمتد اللقاء الى إحدى طاولات المقاهي لإحتساء فنجان قهوة أو شرب قدح نبيذ.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

لعنة الموارد وتزييف الوعي الجمعي

العمود الثامن: قمة الإنسان

واشنطن بوست: من ذاكرة الجمهورية إلى قلق الحاضر

العمود الثامن: دستوركم أعرج

العمود الثامن: لكم ملياراتكم ولنا الحصار!

العمود الثامن: الكتاب "حرام" في الناصرية!!

 علي حسين عندما تقرأ في الأخبار أن القوات الامنية في مدينة الناصرية تمنع اقامة مهرجان للقراءة وتعتقل أحد منظمي المهرجان ، وان الحجة الجاهزة الترويج للبعث ، لان القوات الامنية التي تعجز عن...
علي حسين

باليت المدى: الجمال البسيط

 ستار كاووش في كل المدن والقرى الهولندية تفتتح الأسواق الشعبية الجميلة والمبهجة في عطلة نهاية الأسبوع عادة إضافة الى أوقات أخرى مختلفة من السنة، حيث تنتصب الأكشاك الصغيرة المؤقتة في ساحات مخصصة لهذا...
ستار كاووش

حول أسباب وتداعيات زيادة الرسوم الجمركية في العراق

د. فالح الحمراني وصفت قراءة اقتصادية نشرها معهد الشرق الأوسط في موسكو النزاع حول الرسوم الجمركية في العراق بأنه جزء من نزاع أوسع نطاقًا نجم عن تخبط التخطيط الاقتصادي في البلاد وتجاهل الحكومات المتعاقبة...
د. فالح الحمراني

الدبلوماسية بعد البعث: إرث القمع وفوضى التحول

حسن الجنابي (4ـ 4) سقوط نظام حزب البعث في عام 2003 لم يكن مجرد نهاية لعهد سياسي مستبد، بل صدمة شديدة لبنية الدولة العراقية ومؤسساتها، وخاصة وزارة الخارجية التي كانت تعمل أكثر كأداة في...
حسن الجنابي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram