قراءة / علي الدليمي
لوحة بخامة الكنفاس، نفذت بألوان الأكريليك، بمقياس (100 × 118سم)، رسمها مؤخرا الفنان د. سلام جبار، قدم فيها مشهداً بصرياً مشحوناً بالرموز والدلالات التي تجمع بين الواقعية المؤلمة والخيال الحالم، وهي تعبر بصدق عن تجربة إنسانية عميقة تتعلق بالمرض، الغربة، والتوق إلى الانعتاق. الذي عانى منه الشاعر العراقي الكبير رائد الحداثة الشعرية بدر شاكر السياب.
وهي بحق، عملاً سيميائياً مكثفاً، يتجاوز كونه مجرد تصوير لغرفة مستشفى، ليصبح تجسيداً بصرياً للتراجيديا الإنسانية التي عاشها السياب. وإن استلهام مرضه في هذا العمل يمنحه بعداً "بين- نصياً" يربط بين وجع الجسد (السياب) ووجع الغربة والمنفى.
الزمكانية والمفارقة (غرفة المستشفى كزنزانة)
تمثل الغرفة في اللوحة "مستشفى الأميري" في الكويت أو ربما احدى المستشفيات التي قضى فيها السياب أيامه الأخيرة.
يظهر السياب (أو الرمز الذي يمثله) بظهره، وهو ما يحيل إلى انكسار "تموز" أو "أدونيس" الذي طالما تغنى بهما في شعره. الجسد هنا ليس في حالته البطولية، بل في حالة "الاستناد" على العكاز، وهو العكاز الذي كان رفيق السياب الحقيقي في سنواته الأخيرة بسبب مرض الضمور العضلي. فالمشهد الداخل والخارج: هناك تضاد بين ضيق الغرفة (الموت البطيء) وانفتاح النافذة (الخلود الشعري).
سيميائية العناصر.. استحضار "أنشودة المطر" و"المومس العمياء"
اللوحة ليست صامتة، بل هي ضاجة بالرموز "السيابية": الأوراق المتطايرة، تمثل "المخطوطات" و"القصائد" التي كان السياب يكتبها في سباق مع الموت، تطايرها يشير إلى حالة التبعثر والقلق الوجودي، وربما إلى ضياع العمر. وحضور الكتب بجانب سرير المرض يؤكد على أن السياب كان "عقلاً متوقداً في جسد منهار". الكتاب المفتوح هو استمرارية للوعي رغم ذبول الأطراف.
اللوحة هي محاورة بصرية لقصائد السياب الأخيرة (مثل قصيدة "سفر أيوب")؛ حيث الصبر على البلاء والتمسك بالكلمة. العكاز في اللوحة ليس علامة عجز بقدر ما هو "قلم" آخر يخط به الشاعر مساره الأخير نحو الخلود.
باختصار شديد، اللوحة هي "قصيدة تشكيلية" تترجم صرخة السياب الصامتة، وتلخص تراجيديا المثقف العربي الذي يجد في "النافذة/ الحلم" عزاءه الوحيد عن مرارة "الواقع/ المرض".









