TOP

جريدة المدى > خاص بالمدى > المدى تكشف سبب ارتفاع الاصابات السرطانية في النجف: 3662 إصابة جديدة خلال 2025

المدى تكشف سبب ارتفاع الاصابات السرطانية في النجف: 3662 إصابة جديدة خلال 2025

نشر في: 16 فبراير, 2026: 12:23 ص

النجف / عبدالله علي الحرجان
في أطراف النجف، حيث تمتد الحقول بمحاذاة القرى والأرياف، يعمل آلاف الفلاحين يومياً بالمبيدات والأسمدة الكيميائية، غالباً من دون وسائل وقاية كافية أو معرفة دقيقة بتأثيراتها الصحية طويلة الأمد. ومع تسجيل آلاف الإصابات السرطانية الجديدة خلال عام واحد، يعود هذا الملف ليطرح تساؤلات جدية حول العلاقة بين الزراعة الكيميائية وصحة الإنسان، وسط تضارب في التفسيرات الرسمية ومخاوف متزايدة داخل المجتمع الفلاحي.
وتشير مسؤولة وحدة السرطان في دائرة صحة النجف، سندس الحمداني، لـ«المدى»، إلى أن الإصابات المسجلة خلال العام الحالي شهدت تصاعداً مقارنة بالعام الماضي، موضحة أن «الإصابات السرطانية التي سُجلت هي إصابات عامة ضمن المجتمع، ومن المحتمل أن يكون من بينها فلاحون، وحتى الفلاحين الذين يُصابون قد يكون السبب مرتبطاً باستخدام الأسمدة أو بطريقة الاستخدام الخاطئة». وتؤكد أن عدد الحالات الجديدة المسجلة عام 2025 بلغ أكثر من 3662 حالة، وهو رقم يثير القلق ويفتح باب التساؤل حول العوامل البيئية والمهنية المرتبطة به.
في الحقول، تبدو الصورة أكثر قسوة. يقول الفلاح أبو علي (52 عاماً) من إحدى نواحي النجف لـ«المدى» إن العمل بالمبيدات بات جزءاً يومياً من حياته: «نرش المبيد من الصبح إلى الغروب، وفي أكثر الأحيان من دون كمامة أو كفوف، لأن ما عدنا وعي كافي ولا أحد يشرح لنا. نشتري المبيد من السوق وما نعرف إذا هو مضمون أو لا، وبعد الرش نحس بضيق نفس وصداع، بس نكمل شغلنا».
ويضيف: «في أوقات الزراعة، خاصة موسم الحنطة، نستخدم عدة مبيدات لمكافحة الأدغال وتقوية عناصر التربة من أجل تقوية المحصول. نشتريها من مكاتب بيع تجارية، وأحياناً تزودنا الحكومة بمبيد لكنه لا يكفي، لذلك نضطر إلى الشراء بكميات كبيرة حسب مساحة الأرض. الكثير من المزارعين يخزنون هذه المواد، وأنا منهم، أخزن اليوريا بأطنان وكذلك مبيدات داخل منزلي، ولم أتصور أنها قد تسبب أمراضاً لي أو لعائلتي. والدتي كانت تعمل في الأرض وتوفيت بسرطان الغدد اللمفاوية، لكن لا أعلم إن كان السبب تلك المبيدات».
هذا القلق يتقاطع مع تحذيرات الجمعيات الفلاحية. حيث يرى رئيس الجمعيات الفلاحية في النجف، محسن عبد الأمير، لـ«المدى»، أن المبيدات والأسمدة الزراعية يمكن أن تسبب أمراضاً سرطانية بسبب احتوائها على مواد كيميائية ضارة، مشيراً إلى أن «في العراق مخاوف من أن استخدام هذه المواد يؤدي إلى زيادة حالات السرطان بين الفلاحين والمجتمعات، خصوصاً أن أغلب المستورد من هذه المواد غير خاضع للسيطرة النوعية».
ويعزو ذلك إلى الاستخدام المفرط، وتلوث التربة والمياه بمواد كيميائية، وعدم التزام الفلاحين بإجراءات السلامة مثل الكمامات والكفوف، فضلاً عن تأثيرات تمتد إلى الجهازين العصبي والتنفسي ومشكلات الإنجاب. ويؤكد أن المجتمع الفلاحي لا يعرف بشكل دقيق أسباب هذه الأمراض في ظل غياب برامج التوعية وعدم توفير رعاية صحية متخصصة، مضيفاً أن «أغلب فلاحينا ومزارعينا ما زالوا يعملون بالطرق التقليدية، بينما العالم سبقنا بعشرات السنين».
في المقابل، يؤكد مدير بيئة النجف جمال عبد زيد، لـ«المدى»، أن مديرية البيئة، وبالتحديد شعبة مراقبة الكيميائيات والمواد الخطرة، تُعد الجهة المعنية بمتابعة ملف الأسمدة والمبيدات، ولديها خطة شهرية وسنوية لمراقبة هذه الأنشطة. ويوضح أن المتابعة تنقسم إلى شقين: الأول يخص المؤسسات الحكومية التابعة لمديريات الزراعة أو الصحة أو التربية، حيث تتم مراقبة آليات الخزن ونوعية المخازن والتعامل مع العبوات الفارغة، أما الشق الثاني فيخص القطاع الخاص والفلاحين الذين يمتلكون مخازن بيتية، وهنا «لا يمكن قانونياً الدخول أو المتابعة دون وجود بلاغ رسمي من صاحب العلاقة».
ويؤكد أن الأسمدة لا تُستورد عشوائياً، بل تمر بحلقة رقابية تبدأ من وزارة البيئة، ولا يُسمح بدخول أي شحنة من دون شهادة رسمية عبر المنافذ الحدودية، لكنه يقر بأن الاعتماد طويل الأمد على الأسمدة والمبيدات الكيميائية غير مفضل علمياً، داعياً إلى التوجه نحو الأسمدة العضوية والبيولوجية والمبيدات الحيوية كونها أقل ضرراً ولا تترك أثراً تراكمياً قد يظهر بعد سنوات طويلة.
أما معاون مدير زراعة النجف، حاكم الخزرجي، فيؤكد لـ«المدى» أن الخطر يكمن في الاستخدام الخاطئ وعدم الالتزام بالإجراءات الوقائية، مشيراً إلى أن المديرية تركز في برامجها الإرشادية على ارتداء معدات الوقاية، والالتزام بالجرعات العلمية، وتوقيت الرش واتجاه الرياح، واعتماد برامج المكافحة المتكاملة والبدائل الحيوية، مع وجود لجان مشتركة لمنع تداول المبيدات منتهية الصلاحية.
من جانبه، يوضح المهندس الزراعي حسام حسن كريم الخفاجي، اختصاص وقاية نبات، لـ «المدى»، أن خطورة بعض الأسمدة والمواد الكيميائية ترتبط بدرجة التعرض المباشر والمتكرر، لاسيما عند غياب تدابير السلامة أو سوء الاستخدام، مبيناً أن الجرعة وطريقة ومدة التعرض عوامل حاسمة في تحديد مستوى الخطورة.
ويشير إلى وجود مواد يُشتبه بارتباطها بزيادة مخاطر الإصابة ببعض أنواع السرطان، من بينها مبيد الأدغال «الغليفوسات»، وبعض الأسمدة الفوسفاتية التي قد تحتوي على عنصر الكادميوم. أما النترات أو اليوريا فليست مسرطنة بحد ذاتها، لكنها قد تسهم في تكوين مركبات تثير القلق صحياً في ظروف معينة.
ويبين أن انتقال هذه المواد يتم عبر الاستنشاق أثناء الخلط أو الرش، أو الامتصاص عبر الجلد، أو الطريق الفموي خلال الأكل والشرب في الحقول. ويؤكد أن الرقابة على الاستيراد والتداول تقع على عاتق وزارة الزراعة والكمارك ووزارة الصحة والبيئة وجهاز الأمن الاقتصادي، إلا أن الرقابة الميدانية ما تزال ضعيفة.
ويحذر الخفاجي من أخطاء شائعة مثل الخلط العشوائي للمبيدات، وزيادة الجرعات، والرش بوجود الرياح، وعدم احترام فترة الأمان قبل الحصاد، وتخزين المواد داخل المنازل. ويرى أن البدائل متاحة عبر الأسمدة العضوية وبرامج المكافحة المتكاملة (IPM) والمصائد الفرمونية والأعداء الحيوية والمبيدات الحيوية مثل زيت النيم والبكتيريا النافعة.
ويشدد على ضرورة الالتزام بإجراءات وقائية واضحة، من قراءة التعليمات واستشارة المختصين، وارتداء الكمامات ذات الفلتر والنظارات والكفوف وبدلات الرش، وغسل الملابس بشكل منفصل، وتخزين العبوات بعيداً عن المنازل، وشراء منتجات مسجلة من مصادر موثوقة. ويختتم بالتأكيد على أهمية إنشاء برنامج رصد صحي دوري للعاملين في القطاع الزراعي للكشف المبكر عن أي آثار صحية محتملة.
وعلى المستوى العلمي، تشير دراسات دولية إلى وجود ارتباطات محتملة بين التعرض طويل الأمد لبعض المبيدات الزراعية وارتفاع معدلات الإصابة بأنواع محددة من السرطان. فقد صنّفت الوكالة الدولية لأبحاث السرطان التابعة لمنظمة الصحة العالمية مادة «الغليفوسات» ضمن المواد «المحتمل أن تكون مسرطنة للإنسان»، استناداً إلى أدلة محدودة لدى البشر وأدلة كافية في التجارب الحيوانية، خصوصاً في ما يتعلق بسرطان الغدد اللمفاوية اللاهودجكينية.
كما أظهرت نتائج «دراسة الصحة الزراعية» في الولايات المتحدة، وهي دراسة طويلة الأمد تابعت آلاف العاملين في القطاع الزراعي، وجود ارتباطات إحصائية بين التعرض المزمن لبعض المبيدات وارتفاع معدلات الإصابة بأنواع معينة من السرطان، مثل سرطان البروستات وبعض سرطانات الدم، مع التأكيد على أن مستوى الخطر يرتبط بمدة التعرض والجرعة ووسائل الحماية المستخدمة.
وفي ما يتعلق بالأسمدة الفوسفاتية، تحذر أبحاث بيئية من احتوائها أحياناً على نسب من عنصر الكادميوم، وهو معدن ثقيل مصنف مادة مسرطنة عند التعرض المزمن له، خاصة عبر التلوث التراكمي للتربة والمياه. ورغم أن هذه الدراسات لا تعني وجود علاقة سببية مباشرة في جميع الحالات، فإنها تعزز الدعوات إلى تشديد الرقابة، وتحسين أنظمة الرصد الصحي، وتقليل الاعتماد على المواد الكيميائية عالية السمية، لا سيما في البيئات التي تفتقر إلى إجراءات وقاية صارمة.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

مقالات ذات صلة

رسائل ولاء إلى البيت الأبيض.. من يُرضي ترامب يحكم بغداد

رسائل ولاء إلى البيت الأبيض.. من يُرضي ترامب يحكم بغداد

بغداد/ تميم الحسن تبعث القوى المتخاصمة داخل "الإطار التنسيقي" رسائل عملية من الداخل، وأخرى عبر وساطات إلى واشنطن، سعياً للحصول على "رضا ترامب"، في وقت تقترب فيه المنطقة من شبح حرب جديدة. ظاهرياً تبدو...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram